دعا المشاركون، في ختام الملتقى الدولي حول التراث الموريسكي، الذي احتضنته قسنطينة على مدار يومين، إلى إطلاق مسار تعاون أكاديمي عابر للمتوسط، من خلال تنظيم مؤتمر دولي بالمدرسة اليوسفية بمدينة غرناطة، برعاية جامعة غرناطة، ومشاركة باحثين من الجزائر، تونس وإسبانيا وسائر الدول العربية. اعتبر المشاركون في الملتقى الدولي حول التراث الموريسكي في الجزائر، أن هذه الخطوة من شأنها إعادة وصل ما انقطع بين فضاءات التاريخ المشترك، وترسيخ المقاربة المقارنة في دراسة الموريسكيين، ضمن بعد دولي، يليق بحجم هذا الإرث الحضاري. كما شدد المتدخلون، من أساتذة وباحثين مختصين ومؤرخين، على ضرورة تثبيت دورية الملتقى، والارتقاء به إلى منصة علمية مرجعية ذات إشعاع عالمي، مع ضبط رؤية بحثية دقيقة، تستند إلى المصادر الدولية وأمهات المخطوطات، وتشجيع التأليف والتحقيق في مجال الموريسكيات، بما يضمن تراكما علميا رصينا. مطالبين بإدراج المسألة الموريسكية ضمن المناهج التعليمية الوطنية، وتعزيز العناية بالتراث المعماري الأندلسي الموريسكي في المدن الجزائرية، عبر تنظيم زيارات علمية موجهة للتلاميذ والطلبة والضيوف. ودعا الباحثون في اختتام الملتقى أيضا، الذي جمع ثلة من الباحثين من تركيا، إسبانيا، تونس وعديد الجامعات الجزائرية، إلى جانب تقوية جسور التعاون المغاربي، لجمع التراث المخطوط المشترك، وتكثيف اللقاءات بين الباحثين، فضلا عن إبرام اتفاقيات توأمة وشراكات بين المدن وفعاليات المجتمع المدني، حتى تتحول هذه التوصيات إلى ديناميكية فعلية، تحفظ الذاكرة الجماعية، وتمنحها حضورا متجددا في الفضاءين الأكاديمي والثقافي. من جهته، أبرز الدكتور محمد حمدي دمريسي أوغلو، أستاذ بجامعة إسطنبول، في مداخلة موسيقية بحثية قاربت جسور التأثير والتفاعل بين الموسيقى العثمانية والموسيقى الأندلسية، مع التركيز على مدرسة المالوف بوصفها أحد أبرز تجليات هذا الامتداد في الجزائر، كيف أسهم الحضور العثماني في إثراء البنية اللحنية والإيقاعية للمالوف، سواء من حيث المقامات أو طرائق الأداء، دون أن يفقده روحه الأندلسية الضاربة في عمق الذاكرة الموريسكية. وأوضح أن هذا التداخل لم يكن تنافسا بين أنماط موسيقية، بل تفاعلا حضاريا أفرز خصوصية فنية جزائرية متفردة، حافظت على الجذور الأندلسية التي حملها الموريسكيون معهم، وانفتحت في الآن نفسه على التأثيرات العثمانية، ضمن سياق تاريخي مشترك. وبذلك، شكلت مدرسة المالوف نموذجا حيا لاستمرارية التراث الموريسكي في الجزائر، ليس فقط كفن موسيقي، بل كوعاء للهوية الثقافية وذاكرة جماعية ما تزال تتردد أصداؤها إلى اليوم. أما الدكتورة نصيرة بن ديمراد، المحاضرة بكلية الآداب واللغات بجامعة تلمسان، فقدمت مداخلة وسمتها بالعمق الأكاديمي والقراءة السوسيولوجية للتاريخ الثقافي، وسلطت الضوء على الموروث الموريسكي الاجتماعي الثقافي بمدينة تلمسان، متخذة من القفطان نموذجا دالا على تجليات هذا الامتداد الحضاري. وعادت المتدخلة إلى أصول القفطان في البيئة الأندلسية، مبرزة كيف انتقل عبر موجات الهجرة الموريسكية ليستقر في الحاضرة التلمسانية، ويتحول مع الزمن إلى عنصر أساسي في الزي التقليدي المحلي، حاملا في طياته رمزية الهوية والانتماء. وأكدت الدكتورة بن ديمراد، أن القفطان في تلمسان لم يكن مجرد لباس احتفالي، بل مثل تعبيرا عن مكانة اجتماعية وثقافية، وعكس تفاعلات المجتمع الموريسكي مع محيطه الجديد، من حيث الزخرفة والأقمشة وأنماط التطريز التي شهدت تطورا تدريجيا، دون أن تفقد روحها الأندلسية. كما أبرزت أن استمرارية هذا الزي التقليدي إلى اليوم، دليل حي على تجذر الإرث الموريسكي في النسيج الاجتماعي الجزائري، وعلى قدرة الثقافة المحلية على صون موروثها، وإعادة إنتاجه في سياقات معاصرة، بما يعزز الوعي بالهوية ويحفظ الذاكرة الجماعية. ليؤكد المشاركون في اختتام هذا الملتقى، أن صون التراث الموريسكي لم يعد خيارا ثقافيا فحسب، بل مسؤولية علمية وحضارية مشتركة، تقتضي الانتقال من دائرة النقاش إلى فضاء الفعل، عبر تفعيل الشراكات الدولية، وترسيخ البحث الأكاديمي الرصين، وإدماج هذا الإرث في المنظومة التعليمية والثقافية، فالمسألة الموريسكية، كما أجمعوا، تمثل جزءا أصيلا من الذاكرة الوطنية والفضاء المتوسطي المشترك، وحفظها هو حفظ لصفحة مضيئة من تاريخ الجزائر وهويتها الحضارية.