بقلم: عبد القادر حمداوي رحل عنا في صمت المجاهد الفذ، الضابط المجاهد بن ميرة.. لمن لا يعرفه رجل هادئ الطبع باسم الثغر يعمل كثيرا ويتكلم قليلا، وفاته هزت الصديق القريب والبعيد كان حبيب الكل وكان دؤوبا على متابعة الرسالة النوفمبرية. مضى هذا الرجل ورحل ولكن بقي الأثر وبقي الحلم الذي تكلم عنه وسعى من أجل تحقيقه، فحياته مليئة بالجهاد والكفاح، رحل وبقيت كلماته وأفعاله وأعماله تشهد على مكانته العميقة بيننا، شخصيته عرفناها بالتواضع والصراحة وعلى كل حال الشيء الوحيد الذي كان ينبغي أن أقوله. زرته في عين الدفلى بقسمة المجاهدين تحدثنا كثيرا عن كتابة التاريخ للولاية الرابعة التاريخية فطلب مني أن نوحد العمل بين ولايتي عين الدفلى وتيبازة. يمتاز المجاهد بن ميرة بفضل ما وهبه الله من ثقافة عربية وإسلامية واسعة، يمتاز بتوظيف الكلمة الدينية في شتى مجالات حياته، فهي تأتي في شكل حكمة وأحيانا في موقع الدعاية. أذكر ذات يوم وكنت حاضرا في اللقاء معه عشنا حوادث تدور بيننا وكنا نتجاذب أطراف الحديث عندما دخل مستشفى بني مسوس في أول الأمر، ولكن ما إن تبحث عن الرباط الطاهر الدقيق والعميق الذي يربط بواشرى بن ميرة، تجد من خصائص العبقرية وسرها المكنون في شخصية هذا المجاهد تعددية الاهتمامات فهو قد أخذ من كل علم نصيب.. مواقف جريئة سجلتها مسيرة طويلة اتخذت لها دورا ومسالك شتى، انطلقت من عام 1957 حيث تم تكليفه بالتموين في بداية التحاقه بجيش التحرير الوطني، ثم عمل محافظا سياسيا بالمنطقة الثالثة الولاية الرابعة وكان عمله ممتازا، حيث عرف كيف يوجه ويوعي المواطنين ويستوعبهم وذلك بالنسبة لنشاطه العسكري الذي كان ردا على ادعاءات (لصاص) الذي كان يبث سمومه لعزل الثورة عن المواطنين، عرف كيف يكتسب ثقة كل من هم حوله. كانت أعماله وأخلاقه الصالحة وتواضعه سببا في جذب قوافل من الشباب المتعطش للمعرفة والعلم والتربية، كان يجول في ولاية عين الدفلى يلقي محاضرات وندوات عن ثورة أول نوفمبر ولا شك أنه في هذه الفترة كان يطلع للعمل، كان يقدم دروسا وعبرا للأجيال الصاعدة التي لا تعرف شيئا عن المعاناة والمحن والأهوال التي تحملها المجاهدون، وكلما رحل واحد من هؤلاء الأبطال ضاعت معه أحداثه وذكرياته التي تعتبر جزءا أساسيا من تاريخ هذه الثورة وهذه البلاد وهذه الأمة الجزائرية المؤمنة والمجاهدة الصبورة وأغلبهم لم يسجلوا سيرهم ومذكراتهم لتبقى للتاريخ والأجيال المتلاحقة ومرة على مرة تتاح لنا الفرص لنتحدث عن بعضهم ونسجل بعض الذكريات عنهم متى توفرت لدينا بعض المعلومات والشهادات، التي تقدم للتاريخ وعرفانا لخدمتهم وتنويرا لعقول الأجيال الصاعدة ومن هؤلاء البطل المرحوم بن ميرة بواشري ولد بتاريخ 23 07/ / 1943 بمدينة ثنية الحد زاول دراسته في عين المكان، درس القرآن الكريم وحفظه في سن مبكرة، وتعلم الكثير من مشايخه التحق بالثورة المباركة في الفترة من بين 1957/1962، رغم الظروف الصعبة التي مر بها في مراحل حياته كان إنسانا فحلا وطموحا. وبعد الاستقلال دخل المعترك السياسي فعمل بقسمة مليانة وقد حصل على ثقة الشعب بكل جرأة واستحقاق، انتخب عضوا في المجلس الشعبي الوطني (82-87) كان مصلحا يضع قدميه على كل ما هو ثابت في هذه الأمة ليستمد منه القوة والطاقة والثبات. كان المجاهد بن ميرة يتصف بعمق التفكير والذكاء بكل أنواعه كان حينما يدعى في عدة مناسبات لإحياء ذكرى من ذكريات الثورة يأبى إلا أن يحضر... أتحدث عنه بهذه الكلمات القليلة الصادقة وأقول إنه مؤمن وتقي ومخلص لدينه ولوطنه، بعيد كل البعد عن كل ما يشينه، كان من الأقطاب الوطنية ويمتاز بصفات إنسانية قليلة الوجود في هذا العصر فهو لا يتأخر عن أداء واجبه له روح قوية في التنظيم وحسن المعاملة مع الخلق ترفعه إلى درجة الزعماء الممتازين بنضاله وجهاده كان يطلب من الجميع أن يحافظوا على جمع شهادات المجاهدين لكتابة تاريخ الثورة، رحم الله المجاهد بن ميرة بواشري وأسكنه فسيح جنانه.. وبموت سي بواشري بن ميرة فقدنا وجها عظيما ترك في أخوته وأصدقائه الذين عرفوه أثرا لن ينسوه... التاريخ سيحفظ صنيعكم ومواقفكم الثابتة كان يوم الخميس 19 سبتمبر2013 غادر هذا البطل ليضاف إلى قائمة الصالحين بعد حياة عامرة مليئة بالجهاد والكفاح والعمل الدؤوب.