مراصد إعداد: جمال بوزيان استيعاب الأمة للتحولات العالمية المعاصرة... المسلمون قادرون على الجمع بين الوعي المعرفي والالتزام الأخلاقي في حين يدخل في دين الله أفواج من الناس عبر أصقاع العالم ويعكفون على معرفة كل تعاليم الإسلام والالتزام بها رغم أنهم يعيشون في بلدان غير إسلامية... تبتعد فئات عن الإسلام الحنيف رغم أنها تعيش في بلدان مصنفة إسلامية و تنتمي لمنظمة التعاون الإسلامي ويلاحظ متابعون أن دولا تتخلى عن الإسلام بداعي الحضارة والتطور والتعامل مع الدول الصناعية الكبرى... . سألنا أساتذة: هل الخلل في الإسلام أم في المنتسبين له؟ وهل لهذا الدين مستقبل في المعمورة بعد ما تكالبت عليه الصهيونية العالمية ؟ وهل يمكن ل دعاة الإسلام التوقف عن الدعوة بعد الهجمات الشرسة أم يجتهدون في التعامل مع ما يواجهون من أخطار وافتراءات وحيل بمناهج معينة؟. ///// مستقبل الإسلام بين الشرق والغرب أ.ياسمينة صاف يشهد العالم المعاصر مفارقة دينية لافتة ففي الوقت الذي تتزايد فيه حالات اعتناق الإسلام في دول غربية وتظهر فيه مؤشرات على التزام عميق من معتنقين جدد يعيشون ضمن بيئات ثقافية مختلفة تماما عن بيئات العالم الإسلامي فإن بعض المجتمعات المصنَّفة مسلمة تشهد في المقابل تراجعا في مستوى التدين والارتباط بمنظومة القيم والمبادئ الاسلامية. هذه المفارقة تطرح سؤالا محوريا: أين الخلل؟ هل في فهمنا للإسلام أم في طريقة عرضه وتمثّل المسلمين له؟. في الواقع أن هناك تراجعا نسبيا ملحوظا في مستوى التدين بعد الصحوة التي شهدتها الأمة الإسلامية بداية السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي وهذا التراجع مرتبط ارتباطا وثيقا بالأحداث التي شهدها العالم الإسلامي من انفتاح على العالم ثم الربيع العربي وما نتج عنه من مآس وخيبات أمل ثم ما عقبه من مغالطات بجوهر مفهوم الدين نفسه وتصاعد أصوات العلمانيين العرب والتنويريين المشككين في صلاحية الإسلام للعصر في قدرته على حل مشكلاتنا كل ذلك كان له أثر بالغ في التزام الناس بالدين فالحكم على الشيء فرع عن تصوره فهل بقي مفهوم الإسلام صافيا كما نزل على محمد صلى الله وسلم؟. وهنا يجيبنا أديب الصحوة الإسلامية محمد الغزالي الذي انتقد بشدة زمن الصحوة التدين الشكلي الذي يجعل من الدين مجرد طقوس بلا معنى ولا روح فالدين القيّم هو الروح التي تلامس شغاف قلب المؤمن فتغير فكره ومعتقداته فيراجع قناعاته ويتحول سلوكه من سلوك فطري وفق قيم طبيعية إلى سلوك حضاري راق وفق جوهر الإيمان والعمل بمقتضاه. والتدين المغشوش هو ذلك التدين الذي يفقد العمق الروحي والعملي للإسلام ويهمل أهم ما فيه وهو التخلية والتحلية والتزكية والتقوى والعمل الصالح. ليصبح مجرد انتماء هواياتي باهت. رؤية شاملة وعميقة وتنطوي وجهة النظر عند مالك بن نبي عن الدين على رؤية شاملة وعميقة بكونه الروح المحركة للإنسان والقوة الباعثة له التي تدفعه نحو البناء الحضاري فهو يؤمن أن وظيفة الإيمان هي تحويل الطاقات الكامنة في المسلم إلى فعالية حضارية (ابن نبي 2000). كما يرى أن الدين هو مرّكب الحضارة الأساسي فالفكرة الدينية تربط الإنسان بالتراب والوقت وقد ركز مالك بن نبي على فاعلية الدين في إنتاج الحضارة وعلى العلاقة الوطيدة للعقيدة بالعمل وأن العقيدة هي سلوك نفسي اجتماعي ينبغي أن يكون فعالا في الواقع ويحذر من مغبة عدم القدرة على تحويل الدين إلى سلوك فعلي فعال ويشير للمشكلة الأساسية في العالم الإسلامي تكمن في تحويل الدين إلى جدالات كلامية ونظريات ومعارف مجردة ولذلك نجده يربط بين منطق الفكرة ومنطق العمل في نظرية التغيير الإيجابي وأن المسلم يعاني من فصام الشخصية بين ما يؤمن به من قيم ومبادئ مجردة وبين سلوكه الاجتماعي في الواقع وأن المسلم أصبح بمجرد أن يضع قدميه خارج المسجد يتحول إلى شخص مختلف تحكمه قيم سلبية نتيجة تخلف المجتمع تماشيا مع ثقافة مادية بحتة بدل أن يكون هو أداة تغيير إيجابي لهذا الواقع. كما انتقد مالك بن نبي بشدة التيار التغريبي في الجزائر الذي يرى أن الدين رجعية وتخلف لا يصلح للعصر الحديث مؤكدا أن الدين هو من صنع أعظم حضارة في تاريخ الإنسانية وأن القيم الإسلامية في جوهرها هي قيم حضارية. وفي كتابه الظاهرة القرآنية غاص ابن نبي بأسلوب فريد في فلسفة الدين برؤية فكرية عميقة دقيقة وشاملة للقرآن الكريم باعتبار النص المقدس المؤسس للحضارة الإسلامية والمحدد لوجهتها التاريخية. ويبني ابن نبي نظريته على فكرة دورة الحضارة التي تمر بمراحل ثلاث: مرحلة الروح ومرحلة العقل ومرحلة الغريزة وفي دورة الحضارة يرى أن الحضارة الإسلامية قد مرت بهذه المراحل وأنها الآن في مرحلة الانحطاط والغريزة مما يتطلب ولادة جديدة تعيدها إلى مرحلة الروح. وإلى تمثل القيم الأخلاقية والاجتماعية الإسلامية. ومن هنا ندرك المفهوم الحقيقي للدين الذي يعد ثورة فكرية نفسية اجتماعية اقتصادية وسياسية وأنه منهج حياة كريمة وطيبة لا فصل فيه بين الدنيا عن الآخرة ولا للعقل عن الدين ولا للروح عن المادة. عوامل مؤثرة من جهة أخرى كشفت بعض الدراسات السوسيولوجية في المجتمعات الغربية عن مجموعة من العوامل المؤثرة التي تدفع أفرادا بثقافات وخلفيات اجتماعية مختلفة إلى اعتناق الإسلام خاصة بعد أحداث غزة والإبادات الجماعية والتطهير العرقي الذي شهدته فلسطين من طرف الاحتلال. والغرب الذي كان معاديا للدين نتيجة ظروف قاسية عاشها مع ظلم الكنيسة لعقود من الزمن ها هم أبناؤه اليوم الذين تربوا في ظل الحرية المطلقة يبحثون عن دين العدل والرحمة والكرامة والحرية وحقوق الإنسان لكل البشر دون تمييز فبرزت عوامل كثيرة ساهمت في ظهور موجات متتالية من الدخول في دين الله أفواجا أهمها البحث عن معنى روحي عميق ثابت ومقنع في عالم مغرق في الماديات تتسارع فيه التغيرات مخلفة وراءها مآس في حق كثير من البشر ومنتهكة علنا بالصوت والصورة القيم الإنسانية الفطرية التي لا يمكن السكوت عنها. إضافة لذلك مرونة الإسلام نفسه وقدرته الربانية في تقديم نموذج حياتي مثالي متماسك وواقعي فضلا عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي سهَّلت وصول الأفراد إلى مصادر دينية بأكثر من لغة موثوقة تعرض الإسلام بأسلوب علمي موزون وخطاب متوازن يظهر محاسن الدين الحنيف بواقعية ويسر. وتُبيّن إحدى الدراسات التي بحثت ظاهرة التحول الديني في أزمنة الحداثة الفائقة أن الإسلام بخلاف ما يُتوقع في البيئات ذات الحساسية تجاه الأديان يُجتذب إليه أفرادٌ بسبب وضوح منظومته الأخلاقية وتماسك خطابه حول جوهر الإنسان والغاية من الوجود. فالأسئلة الوجودية التي عجزت كل من الكنيسة والمنظومة الفكرية الغربية عن الجواب عنها أصبحت لها أجوبة واضحة ومقنعة وتلبي الحاجة العقلية للشباب وتجعلهم يشعرون بالراحة النفسية والرضى والموثوقية حيالها. خاصة وأن البحث والسؤال مفتوحا على مصراعيه لمن أراد الاستزادة من المعرفة الدينية دون قيود في احترام كامل للعقل والطبيعة الإنسانية وفي تناغم سلس مع الواقع بحيث لا يشكل الدين أي اضرار بحقوق الآخرين وخصوصياتهم. ولا يفوتنا أن ننوه أن كثيرا من الأجانب الذين دخلوا الإسلام دخلوه معجبين بالفنون الإسلامية فالفنان بيجار راقص الباليه الفرنسي المعروف اعتنق الإسلام من خلال دراسة السجاد الإسلامي والرسومات المركبة داخله كما أن روجيه غارودي كان له اهتمام خاص بالمعمار الإسلامي وفن الزخرفة وفي هذا الصدد من المفيد تنبيه الداعين للإسلام إلى أهمية عرض الفن الإسلامي والذوق الجمالي الرفيع للعمارة الإسلامية وفن الخط العربي والزخرفة وإلى حقيقة هذا الدين الحضاري فقد ظل هذا الجانب محجوبا عن الأنظار تقصيرا من المسلمين وكأن الإسلام دين عقل محض أو دين الأحكام الشرعية والأخلاق فحسب كما تغيب الرؤية الفلسفية للدين والحياة على أهميته وهذا ما أشار له المسيري بقوله: (وإن كان معظمهم للأسف لا يعرف إلا الجانب العقلي في الإسلام وهم لا يعرفونه بطريقة فلسفية عميقة فهم لا يدركون أن الإطار الفلسفي أو المنطق الفلسفي هو الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يحاور من خلاله الآخر باستخدام مقولات متقابلة وليس من خلال نصوص نؤمن بها نحن ولا يؤمن بها هو). أول أساس للجماليات وتجدر الاشارة إلى وجهة نظر راجي الفاروقي الذي اعتبر التوحيد الخالص أول أساس للجماليات في كتابه التوحيد الذي كان له أثر كبير في اعتناق الكثير الإسلام في أمريكا والكتاب ألفه باللغة الانجليزية ثم ترجم إلى العربية دون أن ننسى العبارة الجميلة لمالك بن نبي: بالذوق الجميل الذي ينطبع في فكر الفرد يجد الإنسان في نفسه نزوع إلى الإحسان في العمل وتوخيا للكريم من العادات . ولا يقف الأمر عند حدّ اعتناق الكثير من الشباب في الغرب الإسلام عن طريق البحث والتنقيب والتعلم الذاتي بل يتعدّاه إلى ما يسمّيه الباحثون المؤسسة الاجتماعية الداعمة للتدين أي قدرة المجتمعات المسلمة في الغرب على بناء فضاءات تعليمية وروحية تعزّز استمرارية الممارسة داخل العائلات. فقد أظهرت دراسة مقارنة في كندا وألمانيا أن انتقال التدين لجيل ثان وثالث مرتبطٌ أساسا بوجود شبكات اجتماعية داعمة لا بمجرد المعرفة الدينية النظرية. وتشير نتائج الدراسة إلى أنّ التجارب التي تتيح للشباب مساحة للنقاش وإمكانية لتشكيل هوية دينية اجتماعية حرة ومرنة تساهم في ترسيخ الانتماء الديني على المدى البعيد. وهذا الجانب يعزز فكرة اعتناق الآخرين للإسلام ويوفر جوا من الالتزام المتوازن ويقدم نموذجا ممكنا في غير إفراط ولا تفريط بل وبمثالية واقعية مقبولة. عوامل متشابكة في المقابل تتراجع مستويات التدين في بعض البلدان الإسلامية نتيجة عوامل سياسية واقتصادية وثقافية متشابكة. فبحسب دراسة تحليلية حديثة يُلاحظ أنّ الإخفاقات الحكومية وغياب العدالة الاجتماعية وتدهور الخدمات العامة يمكن أن تضعف الثقة في المؤسسات التقليدية بما فيها المؤسسات الدينية وتخلق حالة من النفور من الخطاب الديني الرسمي. الذي لا يجد حلولا لمشكلات الناس اليومية المتكررة كما هو متوقع بل ولا يسلط الضوء عليها في محاولة جادة لمعالجتها. فقد ظل الخطاب الديني مغيبا للحياة النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وكأن الدين مجرد أحكام شرعية وأخلاقيات وسلوك مشترك فحسب غير مواكبا لتطور الأحداث في الواقع. كما أن الانفتاح غير المنضبط على نماذج ثقافية غربية يؤدّي في حالات كثيرة إلى تفريغ الممارسة الدينية من مضمونها الروحي والأخلاقي وتحويلها إلى مجرّد انتماء هويّاتي لا يرافقه التزام سلوكي لجوهر الدين في الواقع. وهذا ما تؤكده بعض الأبحاث العلمية الحديثة إلى أن التراجع لا يتعلق بالمتدينين فحسب بل يمتد إلى الخطاب الديني نفسه إذ يشير باحثون آخرون لأثر الحملات التغريبية في استيراد مناهج تدريس العلوم الشرعية بآليات وأدوات تفسير غربية أحيانا تستخدم لتفسير النصوص الشرعية مما ينشأ عنها طروحات بصيغ تتعارض أحيانا كثيرة مع مناهج البحث العلمي في البنية التشريعية الإسلامية. على سبيل المثال لا الحصر فإن دراسة نشرت أخيرا تم إدخال مفاهيم غربية في فقه الأسرة والميراث دون مراعاة للأصول الشرعية مما خلق انفصاما بين النصّ الشرعي والمتلقي ويُسهم في التشويش على ثوابت الدين لدى الشباب. وهذا مما يهدد مستقبل الإسلام كدين شامل وعادل. خلاصة القول يترافق هذا التراجع مع الهجمات الإعلامية والسياسية على الإسلام سواء صدرت من أحزاب سياسية معينة أو شبكات إعلامية عالمية مناهضة للإسلام تُعدّ تهديدا مباشرا لمستقبل الإسلام. ومع ذلك تشير الأدبيات الفكرية إلى أن مستقبل الإسلام لا يتوقف على حجم المعارضة الخارجية بقدر ما يعتمد على قدرة المسلمين أنفسهم على إعادة عرض الدين بصورة صحيحة علمية ومقنعة. فقد أظهرت دراسات حول تأثير الإسلاموفوبيا أن الحملات السلبية لا تمنع من انتشار الإسلام بل قد تدفع بعض الأفراد إلى الفضول في التعرّف عليه بصورة أعمق بعد ما يكتشفون تناقضات في الخطاب المعادي. وهذا من رحمة الله تعالى فالإسلام إذا حورب اشتّد وإذا تركوه امتد. أمّا مستقبل الدعوة الإسلامية فهي ليست رهن ظروف سياسية أو إعلامية مؤقتة بل بما إذا كانت الدعوة قادرة على تجديد أدواتها وتطوير خطاب يراعي السياقات الاجتماعية لكل مجتمع. فالدعوة في العصر الحديث لم تعد مجرد خطاب وعظي بل أصبحت فعلا علميا وثقافيا يستند إلى تحليل الواقع والوعي بالتحولات النفسية والقيمية لدى الأجيال الشابة. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن مناهج الدعوة المؤثرة اليوم هي تلك التي تجمع بين المعرفة الشرعية والعلوم الإنسانية والعلم عموما والتي تقدّم الإسلام بوصفه نظاما أخلاقيا قابلا للتفاعل مع العصر لا نقيضا له. فالاتجاه الصحيح هو الجمع بين الأصالة والمعاصرة والأخذ بالأسباب ودراسة الواقع ومعرفة أساليب تنزيل الأحكام الشرعية في واقع مختلف دون فقدان جوهر الدين وروحه. واستنادا إلى ما سبق فإن الإسلام بوصفه دينا ذا منظومة عقدية قيمية وتشريعية لا يبدو أنه مهدد في جوهره بل التحدي الأكبر يكمن في إظهار محاسنه وتمثّله والالتزام به ظاهرا وباطنا وتفعيل القيم الأخلاقية في سلوك نفسي واجتماعي قادر على تغيير الواقع نحو الأفضل فحين يتمثل المسلمون الإسلام بصورة صادقة ومشرقة معرفيا وأخلاقيا وسلوكيا يصبح الدين أكثر قابلية للانتشار والتجديد في مختلف البيئات عبر العالم بما فيها البلدان الأكثر علمانية. أمّا حين يتحول إلى ممارسة شكلية منفصلة عن الإيمان العملي والأخلاق والمعرفة والفاعلية في حل مشكلات الناس وعن الممارسة الفعالة من أجل حياة كريمة وطيبة فإن تراجعه يصبح نتيجة طبيعية. وخلاصة القول إن مستقبل الإسلام مرهون بمدى قدرة المسلمين على الجمع بين الوعي المعرفي والالتزام الأخلاقي واستيعاب التحولات العالمية المعاصرة. وفي الجمع بين أصالة هذا الدين وجوهره الصافي مع روح المعاصر والتجديد وفق مقتضيات مراد الله تعالى.