مراصد إعداد: جمال بوزيان الصراع بين الدين والعلم ليس قدرا معرفيا لا إصلاح دون بناء عقول ناقدة ومبدعة تَرصُدُ أخبار اليوم مَقالات فِي مختلف المَجالاتِ وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ لها وقراءتِها بِأدواتِهم ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ الأساتذةِ والنُّقَّادِ والكُتَّابِ وضُيوفِ أيِّ حِوار واستكتاب وذَوِي المَقالاتِ والإبداعاتِ الأدبيَّةِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ. ///// الاستدمار.. ونظامنا التعليمي أ.م.رابح لكحل السؤال حول سبيل النهوض والعودة لموقع الريادة من الأسئلة التي طال انتظار إجابتها ورغم قناعتي أن السؤال معقد وإجاباته مركبة تعني قطاعات ومؤسسات مختلفة وليس لأحد أو لجهة بمفردها أن تقدم جوابا كاملا فلا حيز الإجابة ولا الزمن المتوفر يكفيان لذلك.. لكن مساهمة في تنوير بعض الزوايا أعتقد أن النهوض يتكئ بالأساس على نظامنا التعليمي فقوة الأمم تعكس قوة منظومتها التعليمية والعكس صحيح وأم المعارك في أي مجتمع هي معركة التعليم والأمة الواعية منه تبدأ وإليه تنتهي. فإذا كان هذا هو الحال فالضعف والهوان الذي نحن عليه مرده أساسا لفشل في نظامنا التعليمي وليس من الحكمة أن نحرص على الفشل ونتشبث به ونصر على خسارة قضيتنا الكبرى هاته فكما أشرت فكل قضايا المجتمع تدار وتحسم عبر حسن إدارتنا لمعركة التعليم. وها نحن في العقد السابع من الاستقلال ولم نعرف بعد طريقنا نحو منظومة تعليمية ناجحة ولا نزال نتوقف عند تعداد الأرقام الجافة بدعوى النجاح ومن ثم التغني ومدح مسارنا التعليمي من قبيل تضاعف عدد الطلبة المتمدرسين أو عدد الهياكل المشيدة أو حتى عدد الأساتذة وغيرها من الأرقام التي لا تعكس بدقة (على أهميتها..) جودة العملية التعليمية بقدر ما تعكس التطور الديمغرافي الطبيعي لأي مجتمع. أولا: الاحتلال أصل أزمتنا منطقيا من أراد النجاح فعليه أولا إدراك عوامل الفشل والوعي بأسباب الهزيمة وفي تقديري أن أزمتنا بدأت أساسا مع الاستدمار الفرنسي الذي سبقنا في إدراك أهمية التعليم ومن ثم سهُل عليه فرض هيمنته علينا وإن كنا قد نجحنا في كسر هيمنته المادية المباشرة فإنا الهيمنة الثقافية وهي تركته المسمومة ما نزال نعاني منها إلى اليوم وليس من السهل قطع دابرها إذا لم نعي خطرها ويشتد وطؤها أكثر عندما نجد من يعمل على تثبيتها من بني جلدتنا..!. وبالعودة إلى التاريخ الاستعماري نجد أن أول ما فعله بحرص شديد (بعد كسر المقاومة المسلحة) هو منع الجزائريين من التعلم فكان أن أصدر ترسانة من القوانين العنصرية تحت عنوان واحد وهو حرمان الأهالي من نور العلم معتبرا: تعليم الأهالي (الجزائريين) كخطر لا كحق . ولست هنا لتعداد هاته القوانين أو التأريخ لها (هذه صنعة لها أصحابها) إنما أحببت أن أشير إلى شيء أراه أهم وهو الخلفية الفكرية أو الفلسفية التي وجهت السلطة الاستدمارية واقترحت عليهم هاته السياسة الخبيثة..؟!. فكما هو معلوم أن أي خطوة استدمارية يسبقها بالضرورة جمع معلومات ودراسة جدوى تقوم به مراكز الدراسات والبحث. ومن الأسماء التي فاجأتني بانتصارها للطرح الاستدماري على حساب حقوق الشعوب المظلومة عالم الاجتماع والطبيب الفرنسي غوستاف لوبون (1841-1931) في كتابه روح التربية الصادر بالفرنسية عام 1910 ففي الجزء الأخير من كتابه (تقريبا من الصفحة 155 وما تلاها...) يقدم مجموعة نصائح للسلطة الاستدمارية تجسدت لاحقا على شكل قوانين ومراسيم عسكرية في الجزائر المستدمرة.. أين يؤكد أن تعليم أبناء المستدمرات يجب أن يكون محدودا وموجها بعناية محذرا من تعليمهم ثم يستدرك وإن كان ولا بد: 1- فلا يتجاوز في تعليمهم التعليم الأولي (الابتدائي) فهو كاف لاحتياجاتهم. 2- ويمنع تعلمهم العلوم الإنسانية وخاصة الفلسفة وعلم الاجتماع والقانون. 3- ولا بأس من تعليمهم على نطاق ضيق بعض العلوم الفنية حسب حاجتهم البيئية. 4- وإن لم يدع لمنعها صراحة فقد أشار أن لغة (العربية عندنا) الشعوب المستدمرة هي العائق أمام تبني أبنائهم لقيم المستدمر الفرنسي الراقية..!. 5- هذه الأمم (المستدمرة) ليست في حاجة إلى المهندس ولا الطبيب من أبنائها وإنما هي في حاجة قبل كل شيء إلى الزارع والعامل البسيط. فهذا التنظير الخبيث والمباشر يعد اعترافا صريحا بأن الاحتلال الغربي لم يكن مشروعا حضاريا كما زعموا (وما يزالون يصرون على ذلك إلى يومنا...) وجرائمهم لم تكن أفعالا معزولة بل مشروعا مدروسا ومنظما لتخريب وعي الشعوب وتجفيف قدراتها على إنتاج النخب فيحرصون على حرمانهم من تعلم العلوم الإنسانية لأنها ترفع وعي أبناء المستدمرات وتدفعهم للتشكيك في سلطتهم وهو ما يدفعهم للمطالبة بحقوقهم ومن ثم رفض وجودهم على أرضهم وهيمنتهم على مقدراتهم وثرواتهم..!. فما وقع في الجزائر (حرمان حوالي 5 أجيال متعاقبة من التعليم..) ليس سوء تقدير بل سياسة استدمارية واعية ودقيقة هدفها الأساسي استدامة الاحتلال وتحقيق حلم الجزائر الفرنسية فكان أن خططوا بعناية لتحقيق الأهداف المرحلية الآتية: 1- منع تكوين نخب واعية تؤطر المجتمع وتقوده نحو الخلاص. 2- الاكتفاء بإنشاء طبقة خدمية محصورة في أعمال الإدارة وبعض العلوم الفنية في حدودها الدنيا. 3- تسهيل الهيمنة بخلق طبقة موالية من الأهالي (الطبقة التي تعتقد أنها مستفيدة). 4- حرمان الشعوب من اكتساب أدوات المعرفة وخاصة أداة التفكير النقدي.. فحتى ولو استقلت تبقى مجتمعات هشة سهلة الانقياد. ثانيا: نظامنا التعليمي اليوم لو حاولنا وضع مواصفات عامة لمنظومتنا التعليمية المطبقة منذ الاستقلال إلى اليوم (مع ملاحظة أن المسح عام ويحتاج لدراسات مختصة أدق..) نجد أنها تميزت خاصة ب: أ-اكتفائها بالمستوى الأدنى للمعرفة حيث تعتمد الحشو ويتوقف تقييمها على الحفظ وقدرة المتعلم على استرداد المعلومات.. النتيجة:1-: هي منظومة عاجزة عن إنتاج كفاءات حقيقية فالناجح فيها يكتفي بتدريب ملكة الحفظ وفقط وهو نمط محدود في التدريس يهمل الملكات الأساسية الأخرى كالقدرة على التحليل والتركيب ولِمَ لا الإبداع. 2-إعطائها الأولوية في التوجيه لعلوم المادة والتجريب على حساب العلوم الإنسانية. النتيجة-2-: اعتقد الآباء المؤسسون أن الأولوية لدراسة المادة والتقنية لأنها الطريق الأيسر لنهضة ونمو الجزائر المستقلة فنتج عن ذلك فراغ وعجز مزمن عن إنتاج القيادات المؤطرة للمجتمع. فتدريس العلوم التجريبية تنتج لنا في أحسن الأحوال إطار تقني يمكن تعويضه بمتعاون خارجي عند الضرورة أما تدريس العلوم الإنسانية فتنتج لنا الإطارات القاطرة للمجتمع في مختلف مناحي الحياة والتي لا يمكن تعويضها بأي تأطير خارجي وربما هذا ما يفسر عجزنا عن ابتكار حلول لمشكلاتنا المتعددة وفشل سياساتنا في قطاعات مختلفة لأنها في غالبها حلول من قبيل نسخ/لصق منقولة عن سياسات وبيئات تختلف عن بيئة وطبيعة مجتمعنا. 3-لا تنتصر في مناهجها لترسيخ وتطوير ا لتفكير النقدي. النتيجة-3-: منظومة تدرب تلامذتها مند مرحلة التحضيري على أن الخطأ ممنوع (يعاقب لو أخطأ).. بالضرورة تكتفي بإنتاج أصحاب شهادات لا يمكنهم التعبير عن آرائهم وتصوراتهم ويعجزون عن التواصل مع غيرهم فضلا على تسليمهم بعدم قدرتهم على إنتاج الجديد. ثالثا: وأخيرا: منظومة بهذه المواصفات تحمل عوامل فشلها ونكبتها.. والأشد تستكمل (في الغالب دون وعي..) ما أراده لوبون ومن خلفه العقل الاستدماري بسياساتهم المعطلة لطاقات الأمة والقاتلة لأي أمل في التطور.. وحتى لا نتوقف عند التشخيص فقط أقترح معالم عامة للإصلاح أعتقد أنها تسمح لنا بالخروج من عنق الزجاجة ألخصها في ما يأتي: 1- ألا يكون الإصلاح مؤدلجا وهذا من نتاج السياسة الاستدمارية حيث زرع ثقافة غريبة عن المكان متجاوزة في الزمان يعتقد من يحمل قشورها أن بإمكانهم تغيير المجتمع متى تحكموا في التعليم.. ومن هنا يتحول التفكير في الإصلاح من تخطيط استراتيجي بهدف تحقيق طموحات الأمة إلى تخطيط وظيفي يهدف إلى استغلال التعليم. ونقول لمن يفكر بهذه الطريقة لو كان بالإمكان ذلك لكان الأولى أن ينجح الاستدمار الذي طبق هذه السياسة لأكثر من قرن على مجتمع بسيط أمي بالحديد والنار..؟!. 2- أي إصلاح يغفل عن إعطاء العلوم الإنسانية مكانتها مآله الفشل فبناء العقول الناقدة هي مقدمة أساسية للحصول على العقول المبدعة. 3- إصلاح من أهدافه الرئيسية إنتاج عقول مرنة قادرة على التكيف لا تتوقف عند التزود بالمعلومة بل تهدف لامتلاك الأدوات اللازمة لتوظيفها بفعالية. 4- إصلاح مواكب لتطور العصر مستفيد من الثورة المعلوماتية الحالية ومن التجارب العالمية الناجحة بشرط القراءة الصحيحة لعوامل القوة والنجاح والانتباه لتاريخ وخصوصيات كل أمة. وليكن شعارنا التعليم حق وخطره على أعدائنا...حتى نعاكس خطط المستدمر. ///// تجاوز الثنائية الزائفة بين الدين والعلم: مقاربة سننية كونية أ.د.مراد بوفولة مقدمة شكّلت العلاقة بين الدين والعلم إحدى أكثر الإشكاليات حضورًا في الفكر الحديث حيث غالبًا ما تُقدَّم في صورة ثنائية تصادمية تفترض التعارض بين الدين والمعرفة العلمية. وقد تسرب هذا التصور إلى الفكر العربي المعاصر إما في صيغة قطيعة باسم العقل والعلم أو في صيغة انكفاء باسم الدين والهوية. غير أن هذا التقابل لا يعكس بالضرورة طبيعة العلاقة بين الدين والعلم بقدر ما يعكس إسقاطًا تاريخيًا وسياقيًا خاصًا بالتجربة الغربية. ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن ثنائية الدين/العلم تمثل ثنائية زائفة وأن تجاوزها لا يتم بالمصالحة الشكلية بل بإعادة بناء الإطار المعرفي من خلال المنظور السنني الكوني الشمولي المرجعي. أولًا: جذور الثنائية الزائفة – سياق تاريخي لا قانون كوني تعود ثنائية الدين والعلم في صيغتها التصادمية إلى سياق تاريخي محدد ارتبط بصراع الكنيسة مع المعرفة العلمية في أوروبا الحديثة. غير أن تعميم هذا النموذج على مختلف الحضارات ومنها الحضارة الإسلامية أدى إلى تشويه العلاقة بين الوحي والعقل. فالعلم الحديث في لحظة تشكله سعى إلى تحرير نفسه من الوصاية اللاهوتية لكنه سرعان ما تحوّل إلى مرجعية مغلقة تمارس بدورها شكلًا من أشكال الاختزال المعرفي وفي الوقت نفسه الرقابة على كل نشاط فكري باسم التحرر من الدين وذلك حين فصلت الظاهرة العلمية عن معناها وغايتها ويبدو ذلك جليا منذ أن جاء كانط وقال الأنوار أن تستعمل عقلك دون أن تجعل له حدا ومن بعده أوجست كونت بقانون المراحل الثلاثة وتشييء كل الظواهر مع إيميل دوركايم. ثانيًا: المنظور السنني وإعادة تعريف العلاقة بين الدين والعلم يقوم المنظور السنني على اعتبار أن: الدين مصدره (الوحي) يقدم الإطار الكلي للمعنى والغاية والقانون العلم يكشف عن الكيفيات والانتظامات الجزئية داخل هذا الإطار. وعليه لا يُنظر إلى الوحي بوصفه بديلًا عن العلم ولا إلى العلم بوصفه نقيضًا للدين بل باعتبارهما مستويين معرفيين متكاملين: الوحي يؤسس للسنن وفي نفس الوقت يدعو الى اعمال العقل والفكر والتدبر فيهم وآيات كثيرا جاءت تدعو لهذا أفلا يتدبرون أفلا يعقلون يا أولي الألباب... والعلم يكتشف تجلياتها في الواقع. قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 62) وقال أيضًا: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ (آل عمران: 137). وتكشف هذه الآيات عن تصور قرآني يعتبر التاريخ والمجتمع مجالًا منتظمًا تحكمه قوانين ثابتة لا مجالًا للفوضى أو الاستثناء المطلق. ثالثًا: الكونية والشمولية في تجاوز الثنائية يسمح البعد الكوني للمنظور السنني بتجاوز الحصر الثقافي أو الإيديولوجي للعلاقة بين الدين والعلم. فالسنن تحكم جميع المجتمعات سواء أدركتها أم تجاهلتها. أما الشمولية فتمكّن من فهم الظاهرة الحضارية بوصفها نتاج تفاعل بين: المعرفة العلمية القيم الأخلاقية الفعل الاجتماعي والمرجعية المعنوية. وبذلك يتم تجاوز التفسير الأحادي الذي يرى العلم كافيًا بذاته أو الدين مكتفيًا عن كل معرفة تجريبية. ويؤكد القرآن هذا التفاعل حين يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) في إشارة صريحة إلى مركزية الفعل الإنساني داخل القانون الإلهي. رابعًا: المرجعية القرآنية بوصفها أفقًا معرفيًا لا عائقًا علميًا لا يقدّم القرآن نفسه كتابَ علوم تجريبية لكنه يطرح نفسه بوضوح كتاب هداية ومنهج نظر يدعو إلى: السير في الأرض النظر في الآفاق والأنفس واستخلاص العبر والقوانين. قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20) وقال أيضًا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (فصلت: 53). وهو ما يجعل المرجعية القرآنية في المنظور السنني محفزًا للبحث العلمي لا معطّلًا له شرط أن يُفهم الوحي في سياقه المقاصدي والسنني لا في قراءة تعبدية حرفية اختزالية. خامسًا: الآثار المعرفية لتجاوز الثنائية إن تجاوز الثنائية الزائفة بين الدين والعلم يفضي إلى: إعادة بناء الثقة بين الفاعل الاجتماعي والمعرفة تحرير العلم من الحياد القيمي الزائف تحرير الدين من الانغلاق الوعظي تأسيس فعل اجتماعي واع بالقوانين والغايات معًا. وهو ما يسمح بإنتاج معرفة اجتماعية قادرة على الإسهام في النهضة بدل إعادة إنتاج أزمات الانقسام والتشظي. سادسًا: الأساس الابستمولوجي لتجاوز الثنائية الزائفة: يقتضي تجاوز الثنائية الزائفة بين الدين والعلم الانتقال من معالجة سطحية تُطالب بالتوفيق الشكلي بين المجالين إلى مساءلة أعمق تتعلق ببنية المعرفة ذاتها. وفي هذا السياق يلفت مالك بن نبي الانتباه إلى أن جوهر الأزمة لا يكمن في تعارض مصادر المعرفة بل في اختلال العلاقة بين الفكرة والواقع حين يؤكد أن: المشكلة ليست في الأفكار من حيث هي أفكار بل في قابلية المجتمع للأفكار . فالعلم حين يُفصل عن منظومة المعنى يتحول إلى تقنية عمياء والدين حين يُفصل عن فهم القوانين التي تحكم الاجتماع ينكفئ إلى خطاب غير منتج حضاريًا. ويعزّز محمد إقبال هذا التصور حين يرى أن: القرآن ليس كتاب تأملات ميتافيزيقية بل هو دعوة دائمة إلى الملاحظة والتجربة والتفكير في الطبيعة والتاريخ (محمد إقبال تجديد التفكير الديني في الإسلام). ويُسهم المنظور السنني في تجاوز هذا الانفصام باعتباره إطارًا كليًا يربط الحدث بالقانون والجزئي بالكلي كما يوضح الطيب برغوث بأن الظاهرة الحضارية لا تُفهم إلا بردّ الجزئي إلى الكلي والحدث إلى القانون والفعل إلى السنن التي تضبط مساره وأن التنافر بين العلم والدين يؤدي بنا إلى التهلكة ومن زاوية سوسيولوجية نقدية يلتقي هذا الطرح مع الطرح القائل: العلم حين يدّعي الحياد القيمي المطلق يتحول إلى أداة هيمنة بدل أن يكون أداة تحرر . خاتمة خلص المقال إلى أن الصراع بين الدين والعلم ليس قدرًا معرفيًا بل بناءً تاريخيًا قابلًا للنقد والتجاوز. ويتيح المنظور السنني الكوني الشمولي المرجعي إعادة تأسيس العلاقة بين الوحي والعلم على قاعدة التكامل لا التعارض بما يسهم في تجديد الفكر السوسيولوجي وإعادة توجيه الفعل الحضاري نحو أفق أكثر توازنًا ومعنى مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (محمد: 24).