2026 سيكون فخراً ورفعةً لكلّ الجزائريين    شباك وحيد لدعم حاملي المشاريع    الجزائر تعتزّ بجميع أبنائها المخلصين    300 ألف مكتتب دفعوا مبلغ المرحلة الأولى    صالون وطني للخدمات الجزائرية الموجهة للتصدير    فندق سيرتا.. العودة    حضرموت تشتعل..    وجه الفلسطيني.. الحرب على التصورات    6 أسئلة حول الفارس الملثّم وصوت الطوفان    الجزائر حاضرة في مونديال أمريكا    خصم قوي للجزائر في ثمن النهائي    برشلونة يُحقّق أرقاماً قياسية    وزارة التجارة الداخلية توقع اتفاقية تعاون    التصريح بصحّة الحاج.. إجباري    الجزائر ستبلغ مصاف الدول النّاشئة بأمان    وقف العدوان الصهيوني على غزة ضرورة ملحة    "البوليساريو" تودع طعنا لدى المحكمة الأوروبية    تحديد مجالات التعاون المستقبلية وفق ورقة طريق 2026    إطلاق فضاء رقمي للمؤسسات للتصريح ببيانات الإنتاج    ترقية الاستثمار ودعم القدرة الشرائية    المتابعة الدقيقة للمشاريع الهيكلية وتسريع وتيرة معالجة الملفات    برنامج ثري ومتنوّع للاحتفال بيناير في بني عباس    الجزائر فقدت رجلا فذّا انخرط مبكرا في النّضال ضد الاستعمار    مطالب بترحيل 160 عائلة من حي عمار كرشيش    استقرار في إنتاج اللحوم بنوعيها في 2025    أولمبيك مرسيليا يصرّ على ضم حيماد عبدلي    دعوات لتعزيز مسؤولية السائقين للحد من "إرهاب الطرق"    فتح استثنائي لمكاتب بريد الجزائر الكبرى غدا الجمعة لضمان استمرارية الخدمة    رئيس الجمهورية يهنئ الشعب الجزائري بحلول سنة 2026 ويؤكد: الجزائر ماضية بثبات نحو مصاف الدول الناشئة    11 إصابة في حادث مرور بسبب الجليد بالطريق الوطني رقم 46 بالجلفة    وزير الداخلية يدعو الولاة إلى تسريع وتيرة الإنجاز والتحضير المبكر لسنة 2026    اختتام المهرجان الدولي للمونودراما النسائي بالوادي بتتويج عرض إيفواري    اتفاقية شراكة بين الصندوق الوطني للتقاعد وبنك التنمية المحلية لتحديث خدمات صرف المعاشات    اشتراطات صحية صارمة للحج: إلزام الفائزين بالتصريح بحالاتهم الطبية لموسم 1447ه/2026م    مظاهر احتفالات غريبة تغزو المجتمع!    تنصيب لجنة وطنية لمتابعة ملفات التراث الثقافي غير المادي تكريسا لحمايته وتثمينه    تقدم ملموس في مشاريع إعادة تأهيل البنايات والتهيئة الحضرية بالعاصمة    نسبة تقدّم معتبرة للمشاريع بالعاصمة    هذه مضامين الدعاء في السنة النبوية    نص قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر "مطلبا شعبيا"    على المجتمع الدولي في مواجهة بؤر التوتر ومنع اتساعها    أمطار رعدية مرتقبة بعدة ولايات    "باس بلو" الأمريكية تتوج السفير عمار بن جامع "دبلوماسي سنة 2025"    فرض حالة الطوارئ في اليمن    صون التراث المادي وغير المادي والسينما بحضور خاص    عودة "الخضر" إلى المونديال وتألق الرياضات الجماعية والفردية    مباراة ثأرية بأهداف فنية لبيتكوفيتش    تنصيب فوج عمل متعدّد القطاعات    الإعلان عن الشروع في إنتاج أقلام الأنسولين من الجيل الجديد    اكتشاف قراء جدد ومواهب متميزة    ملتقى وطني للأدب الشعبي الجزائري بالجلفة    الاستعمال العقلاني للمضادات الحيوية أولوية وطنية في إطار الأمن الصحي    "الخضر" بالعلامة الكاملة في الدو الثمن النهائي    معنى اسم الله "الفتاح"    .. قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا    الرابطة الأولى موبيليس : الكشف عن برنامج الجولة ال14    التقوى وحسن الخلق بينهما رباط وثيق    الجزائر ماضية في ترسيخ المرجعية الدينية الوطنية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تونس.. الرئاسة تُواجه انقلابَيْن
نشر في أخبار اليوم يوم 09 - 11 - 2013


بقلم: محمد هنيد
تعيش الثورة المضادة اليوم في المنطقة العربية معركة حاسمة بعد أن حققت انتصارا كبيرا على الأرض في مصر، وهي تسعى إلى نسج المنوال نفسِه في كل منطقة الربيع بآليات تراعي خصوصية كل دولة حدث فيها تغيير للنظام أو هو بصدد الحدوث، كما تستبق هذه الحركة المضادة مناطق أخرى قد يمتد إليها هذا الربيع.
في تونس -مهد الثورة وأول شرارات الحريق الهائل الذي ضرب رأس الدولة الأمنية- تتوالى الحملات وتتعاقب خطط الدولة العميقة من أجل إلحاق المشهد التونسي بنظيره المصري الذي لم يكتمل بعد خاصة وأن من موّل الانقلاب الأول من دول الخليج أعلن صراحة أنه يمول الانقلاب الثاني ليعيد المنطقة العربية إلى حظيرة الوصاية.
في هذا الإطار يتنزل الفصل الأخير من الحوار الوطني الدائر في تونس، وهو كما يعلم الجميع جولةٌ انقلابية جديدة تُرغم فيها الأقليةُ الخاسرة في الانتخابات -من بقايا نظام الاستبداد- الأغلبية المنتصرة على قبول الحوار وشروطه بوثائق ممضاة مسبقا، أو التهديد صراحة بموجة جديدة من الاغتيالات والحرائق الاجتماعية التي سيشعلونها حتما هنا أو هناك.
في هذا الإطار أيضا يتنزل الخطاب المفاجئ لأول رئيس عربي منتخب في التاريخ من أعلى منبر الأمم المتحدة ليطالب بفك الأسر عن ثاني رئيس منتخب في دول الربيع -والأول في مصر منذ العصر الفرعوني- ثم ليدعوَ إلى فك الحصار -العربي قبل الصهيوني- عن غزة المحاصرة.
خطاب الأمم المتحدة
لا تكمن خطورة خطاب الرئيس التونسي الشرعي -أو الرئيس المؤقت كما تسميه الدولة العميقة وإعلام بن علي في تونس- في مضامينه وفحواه من دعوة علنية لنصرة قضايا عربية عادلة تحدد مستقبل الأمة كلها كالمطالبة بإعادة الرئيس المختطف في مصر، بل تكمن في طبيعة الخطاب السياسي الجديد الذي أنشأه الربيع العربي.
الخطاب السياسي الرسمي عند العرب من وكلاء الاستعمار هو نفسه منذ بداية القرن معجما ودلالة وأصواتا وتراكيب واستعارات، لا يخرج في أقصى صور تحرره عن دعوات غير واقعية تتغنى بالمجد والعروبة والحرية والطلائعية والمقاومة والممانعة لتخفي أشرس أنظمة القمع والاستبداد منذ خطب عبد الناصر حتى خطابات الأسد مرورا بشطحات القذافي الثورية رغم الاختلافات السياقية والمرجعية لكل خطاب.
أزمة هذه الخطابات كلها أنها لم تكن نابعة من فضاء الحرية لأن لا أحد من أصحابها يملك شرعية إصدار الخطاب أصلا، فكل الزعماء العرب تقريبا نالوا السلطة غصبا وقهرا أو احتيالا، وهو ما يميز خطاب الرئيس التونسي الجديد الذي هو خطاب الإرادة الحرة أساسا.
فكم تباكى النظام الرسمي العربي على فلسطين علنا وهو يعقد سرا كل أنواع الصفقات مع أعدائها، حيث كان الخطاب محكوما بمتطلبات الداخل العربي العاطفي -من ناحية الاستهلاك الجماهيري للخطاب عند عبد الناصر مثلا- ومحاصرا بمساحة التعبير المتاحة على الصعيد الدولي من حدود المنطوق به وفضاء المسكوت عنه أو بعبارة أخرى ما قد يقال وما لا يمكن أن يقال.
خطاب الحرية القادم من تونس يتجاوز شخص الرئيس وحتى مؤسسة الرئاسة نفسها ليعبر حقا ودون أدنى مبالغة عن تحول نوعي في مرتكزات الخطاب السياسي العربي المعاصر.
نقول المرتكزات لأن ذلك هو ما يميز الخطاب وليس فحواه ومضامينه، إنّ ما يميزه هو ما تأسس عليه وما جعله ممكنا وهو مبدأ الشرعية الانتخابية.
فتونس اليوم وخاصة بعد الربيع لا تُقيَّم هندسيا ولا تُقرأ كميّا بمساحتها وعدد سكانها بقدر ما تقيّم وظيفيا كقوة نوعية ضاربة استطاعت أن تستنهض في لحظة تاريخية نادرة إرادة أمة بأكملها.
فالأساس الذي يقوم عليه الخطاب السياسي الأميركي مثلا -للمقارنة فقط- هو في أغلب الأحيان مبدأ القوة الغالبة رغم ما (يتزيّا) به من دثار الحرية وحقوق الإنسان والقانون الدولي وغيرها من الأصباغ التي ذهبت بكثير منها شمس الربيع العربي ومن قبلها غرف التعذيب في منتزهات الحرية الأميركية في أبي غُريب.
ردود الانقلابيين
ردود الفعل على هذا الخطاب التاريخي كانت معبرة عن حجم الصدمة التي خلقها في العرف السياسي القائم منذ نشأته رغم كثافة الأحداث الدولية التي تتهاطل يوميا.
نظام الانقلاب سارع في مصر برفض الخطاب متعللا بالسيادة المصرية ومستنكرا التدخل التونسي في شأن مصري داخلي، برز ذلك من خلال حملة إعلامية على مؤسسة الرئاسة ودعوة السفير المصري إلى التشاور، وكأن الدم النازف في مصر وأشلاء الأبرياء وجثتهم المحروقة في رابعة لا تعني أمة العرب في شيء.
الموقف المصري يفهم في إطار حماية الانقلابيين لانقلابهم وهو أمر مشروع انقلابيا، لكن المستغرب هو موقف أهم مهندسي الانقلاب وداعميه في المنطقة العربية أي دولة الإمارات التي يتقاطر عليها يوميا موظفو الرئيس الهارب من القيادات الأمنية والحزبية لهندسة الانقلاب في تونس.
هذا بعد أن نجح المهندسون الخليجيون في استقطاب المثقفين العرب ونخبهم من كتاب ودعاة وروائيين وشعراء وفنانين وراقصات لنشر ثقافة الطاعة والتحذير من الفتنة وكتابة الدساتير العربية.
لا شك أن دولا خليجية أخرى ممن باركت الانقلاب وباركت صنيع منفذيه قد استنكرت هذا الخطاب لما فيه من تهديد مباشر لمصالحها ولوجودها السياسي خوفا من التغيرات التي قد تطيح بامتيازات وثروات كونتها منذ عقود في هذه المنطقة على حساب نهضة الأمة وقوت الجياع من أبنائها.
لكن الأسئلة التي تبقى قائمة كثيرة، وعلى الداعمين لمنظومة الاستبداد العربية الإجابة عنها أو على الأقل أخذها في الاعتبار: إلى أي حد تستطيع هذه القوى تكبيل الوعي؟ كم من الزمن يمكن لها المحافظة على واقع الاستبداد ومبدأ الوصاية وحق توريث الأوطان بمن عليها؟
إلى متى مصادرة إرادة الإنسان العربي والقيام بأعمال الوكيل الاستعماري في المنطقة؟ ألسنا أحق من غيرنا بالنهضة والتحرر؟ ألسنا أحق من ماليزيا وتركيا وإسبانيا وإندونيسيا بالنماء والخروج من التخلف والتبعية؟ من قدم من الأمم أكثر مما قدمه العرب من التضحيات ومن ضريبة الدم منذ قرون إلى هذه اللحظة؟
من العبث الوقوف أمام حركة التاريخ خاصة مع الصحوة الجديدة لقوى الأمة الحية، وبتعبير أدق: من العبث الوقوف أمامها بنفس آليات القرن الماضي ووسائله.
ليس أدل على فشل هذه الوسائل القهرية وعلى نفاد صلاحيتها من أنها لم تعد تحقق النتائج نفسها التي كانت تحققها من قبلُ.
ولنا في الحالتين المصرية والسورية أنصع الأمثلة على تعطل أدوات الإرغام التي صارت تنتج عكس ما تسعى إلى إلغاء إنتاجه.
في مصر لا يزيد التضليلُ الإعلامي والقمع الوحشي المتظاهرين إلا عزيمة وصمودا لمواصلة النضال من أجل إسقاط الانقلاب وعلى رأسهم أُسَر شهداء الأمس القريب حيث صارت الحركة الثورية تغذي نفسها بنفسها.
ولم تزد جرائم سفاح الشام أحرار سوريا وحرائرها إلا عزما على المضي في الإطاحة به وبالعصابات الإجرامية والطائفية المحيطة به.
إن مقارعة الظواهر الاجتماعية نفسها بالوسائل القمعية نفسها في أزمنة مختلفة وظروف متباينة يؤشر على استنفاد الاستبداد عند العرب كل وسائل وجوده، وهو يعيش حقا آخر أيامه على الأقل في شكله الذي نعرف.
تونس مرة أخرى
يستطيع النموذج الثوري التونسي من خلال صموده إلى اليوم في وجه كل الرجات الارتدادية الكبيرة التي أعقبت الربيع العربي أن يقدم نموذجا سياسيا وحضاريا جديدا للمنطقة العربية برمتها.
بل إن تأسيسه لخطاب سياسي جديد هو أحد أهم المؤشرات الخارجية على هذا النموذج الحضاري الوليد.
قد يتجاوز خطاب تونس في خطورته القيمة الإستراتيجية لمصر وللثورة المصرية التي يراهن عليها النظام العالمي الجديد مدعوما بوكلاء الداخل وبالثروة العربية الخليجية الهائلة.
منطق الثورة المضادة كان عليه أن ينطلق من تونس لو أراد الإطاحة بالربيع العربي واحترام تسلل الهزات التي عرفتها المنطقة، لكن تركيزه على مصر الذي قد يفسر بالأهمية الإستراتيجية لهذه الدولة المحورية -ومجموع التقاطعات التي تمثلها في المنطقة من عمق أفريقي وجوار فلسطيني وتماس سعودي وجوار ليبي- ليس في محله.
فقراءة الثورة المضادة لِخُطة إعادة الاستبداد كانت هندسية ومرتبكة ولم تكن وظيفيّة ودقيقة.
فتونس التي صدرت إلى العالم ثورة نوعية استوردت من مصر لقاحا ضد الانقلاب من خلال وعي جديد بوحشية الثورة المضادة وبدموية الدولة البوليسية وببشاعة هياكل الاستبداد.
تونس الوظيفية وتونس النوعية كونت الحركة التي أيقظت المارد المصري ومن ورائه العربي من نومهما، فالتجربة التونسية كانت درسا لِما يُمكن أن يكون وأهمُّه أن استبداد العرب ودولهم البوليسية أوهن من بيت العنكبوت إذا ما توفر شرط واحد هو التوْق إلى الحرية وإرادة الحياة لأن (الشعب إذا أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر) كما غنّى يوما ابن تونس البار أبو القاسم الشابي قبل أن يضيف محذرا (حذار فَتحت الرماد اللهيب ومن يَبذر الشوك يَجن الجراح).
فعلا لن يجني الانقلابيون غير الجراح اليوم أو غدا.
* أستاذ محاضر بجامعة السوربون الفرنسية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.