سفيرة الولايات المتحدة تشيد بقوة ومتانة العلاقات الجزائرية-الأمريكية    اجتماع للحكومة: ترتيبات جديدة للتكوين المهني ومتابعة برامج تنموية وإقرار استيراد مليون رأس غنم لعيد الأضحى    تمديد استثنائي لآجال إيداع طلبات استيراد الخدمات إلى غاية 31 جانفي    حيمران: تنويع الاقتصاد أكبر رهان للجزائر في 2026 لمواجهة التقلبات الدولية    عصاد: رأس السنة الأمازيغية عرس لكل الجزائريين والأمازيغية مشروع وطني جامع    الحكومة تحضّر لاستيراد مليون رأس غنم    الحديث عن إجراءات ردعية ليس له أساس من الصحة    هبوط اضطراري لطائرة بمطار الجزائر الدولي    مطالبة الكيان بالسماح لمنظمات الإغاثة بالعمل في قطاع غزة    الأفناك يحسمون قمة "الفهود" ويضربون موعدا مع النسور    تأكيد على أن سلامة المواطنين تعد من أولويات رئيس الجمهورية    تأتي لتعزيز القدرة على مكافحة الجريمة في الوسط الحضري    فرصة للتطرق إلى "واقع وآفاق القيام بأنشطة علمية مشتركة "    أهمية "توحيد آليات جمع وتحليل بيانات حوادث العمل"    ترقب ارتفاع طاقة تخزين المياه إلى 9 مليارات متر مكعب    " تناولنا السبل الكفيلة و التحديات المرتبطة بمعالجة ملف الهجرة"    يا له من انتصار.. باقتدار    موجة برد    قانون جديد لتأطير قطاع الجمارك    وزارة البريد تعلن عن فتح الباب    الإعلام أخلاق ومسؤولية    60 معرضا وصالونا يجسد التنوّع الاقتصادي بالجزائر    انطلاق التجارب التقنية للخط المنجمي بشار- تندوف- غارا جبيلات    استمرار التحذيرات من تفاقم أزمة المرضى في غزة    العميد ينفرد بالصدارة و"الكناري" يتعثر مجددا    دورة تكوينية لموظفي مكتبات الجامعة حول نظام "رفيد"    توظيف كفاءات شابة وكسر الحواجز البيروقراطية    مؤسسات تربوية جديدة تدخل الخدمة بالعاصمة    مسابقة وطنية للحوليات المهنية    وتيرة متسارعة لتهيئة حديقة لحمازة بديدوش مراد    جولة سياحية لحفظة القرآن بقسنطينة    خمول الشتاء أم كسل في الغدة الدرقية؟    وفاق سطيف يقرر فسخ عقود خمسة لاعبين    تعثر الرويسات يدخل الفريق في أزمة    ورشات فن التدوين تتواصل    علولة يعود عبر "الأجواد لا يرحلون..."    "الباهية" تراهن على توسيع المسارات السياحية    سعيود: قانون المرور الجديد يجسد رؤية سياسية واضحة قائمة على الوقاية وتحميل المسؤوليات    الخضر في أفضل رواق لبلوغ ربع النهائي    تغيير عنوان البريد الإلكتروني الرسمي    38 عاماً على رحيل محند أمزيان يازورن    ندوة أكاديمية يوم الغد الأربعاء بالعاصمة    هل كان الإبراهيمي قريباً من صدّام؟    مادورو أمام المحكمة    هل في غَارا جْبيلات خطأ إملائي؟    10 أمراض تفرض على الحجاج التصريح الإجباري    سجال حاد بين الرئيسين الأمريكي والكولومبي    المديرية العامة للضرائب تغير عنوان بريدها الإلكتروني    تلقيح 3.8 مليون طفل    عرض فني يعكس عمق التاريخ الأمازيغي..أوبرا الجزائر بوعلام بسايح تحتفي بيناير 2976    كأس إفريقيا للأمم-2025 /ثمن النهائي/:تحضيرات مكثفة ل"الخضر" تحسبا لمواجهة الكونغو الديمقراطية    النجاح في تلقيح أزيد من3.8 مليون طفل خلال المرحلة الثانية    التصريح بصحّة الحاج.. إجباري    هذه مضامين الدعاء في السنة النبوية    معنى اسم الله "الفتاح"    .. قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا    التقوى وحسن الخلق بينهما رباط وثيق    الجزائر ماضية في ترسيخ المرجعية الدينية الوطنية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من غشنا فهو منا
نشر في صوت الأحرار يوم 08 - 06 - 2012

من الثابت أن واجهة الشيء مهما كانت جميلة وبرّاقة إلاّ أنها لا تعكس الجوهر، وإذا أردت أن يكون حكمك دقيقا ما عليك إلاّ أن تبحث في التفاصيل حيث السراديب والدهاليز
كلما حلّ موعد امتحان شهادة البكالوريا في هذا البلد أجدني أتابع بعض الوقائع وأتابع بفضول غريب الأسئلة المقترحة والمواضيع التي اختيرت للتلاميذ خاصة في المواد التي أفضلها كثيرا وهي اللغة العربية،الفلسفة،اللغة الفرنسية والتاريخ والجغرافيا.
في الغالب لا أجد تفسيرا مقنعا لهذا الفضول اللحوح لمعرفة ما يجري، وأكتفي بأنه الحنين إلى عهد جميل ولّى وراح ناهيك عن اشتغالي بالتعليم سنوات ليست قليلة.
أعترف أن ما يصلني من أخبار من قبل زملاء المهنة السابقة وما أتابعه بحكم عملي في الصحافة يثير في نفسي الشعور بالدوران، حتى إنني أخشى على قلبي من أن يتوقّف نبضه أو على كوكب الأرض من أن يفقد عناصره الحيوية..
من الثابت أن واجهة الشيء مهما كانت جميلة وبرّاقة إلاّ أنها لا تعكس الجوهر، وإذا أردت أن يكون حكمك دقيقا ما عليك إلاّ أن تبحث في التفاصيل حيث السراديب والدهاليز، فمثل عمل فرق التفتيش وقمع الغش في قطاع التجارة الذين لا تغرنّهم الواجهات الرخامية والبلاط الملون وأضواء المحلات ويقصدون ما وراءها ليفتشوا أماكن إعداد الطعام والشراب والحمامات وما إلى ذلك حتى يحكموا على مستوى الجودة ومعايير النظافة..
مثل ذلك يحدث أو ينبغي أن يحدث مع قطاع التربية ومراكز الامتحانات تحديدا وخاصة امتحان البكالوريا وهو الأهم لأنه تتويج لمسير التعليم بمختلف أطواره من أجل وصول أفضل التلاميذ إلى التعليم العالي والمتخصص في مختلف الشعب.
حتى لا يتم الاكتفاء بالأرقام التي تجيدها الوزارة الوصية وتسوق لها في مثل هذه المناسبات من حيث عدد التلاميذ المترشحين ومن حيث الأساتذة المؤطرين والإجراءات المتخذة للسير الحسن لهذا الامتحان، لا بد من إثارة التصاعد المخيف لظاهرة خطيرة هي ظاهرة الغش في الامتحانات والتي لا مس مختلف الأطوار والامتحانات وبخاصة امتحان البكالوريا.
بشهادة المربّين والخبراء وحتى النقابات فإن ظاهرة الغش أصبحت مشكلة حقيقية تهدد السير العادي للامتحانات وحتى سلامة الحرّاس والمراقبين، والسبب هو تحول الغش من سلوك فردي محدود إلى سلوك جماعي ومع سبق الإصرار ودون أي خشية أو تردد.
هذا العام مثلا تحدث المجلس الوطني لأساتذة التعليم الثانوي عن فضائح خطيرة خلال امتحانات البكالوريا تتعلق بالغش الجماعي، حيث اقتحم أولياء تلاميذ قاعات الامتحان من أجل مساعدة الممتحنين على الإجابة الصحيحة، بل إن بعض الأساتذة قد تنكروا في زيّ ممرضين يقومون بتوزيع الأجوبة.
المشكلة أن الحالات السالفة تمرّ دون ضجة بفعل التواطؤ وبفعل خوف الحرّاس على حياتهم وبفعل حالة التخلّي الغريبة التي لوحظت في مؤخرا لغياب صرامة القانون والحضور القوي لشخصية الدولة في الشؤون العامة.
ولعل أسوأ حالات الغش هي حالات الغش الجماعي التي يتم ضبطها أو مواجهتها، ولن ينكر أحد أن ما حدث في اليوم الأخير من الامتحان بأحد المراكز بخنشلة يثير الاستغراب فعلا، إذ أقدم المترشحون الذين يزيد عددهم عن 320 على تحطيم المركز واستعانوا بالأسلحة البيضاء مانعين الحراس من المغادرة عقابا لهم على منعهم من الغش وإحباط المحاولات المبيّتة لفعل ذلك مما جعل روح الانتقام تسري في دمائهم فكسّروا الطاولات والكراسي وأمطروا المركز بالحجارة وحطموا كلية زجاج النوافذ وأصابوا بعض المراقبين وأعوان الأمن بجروح، كما أنه وحسب التقارير الإعلامية تدخلت »قوات خاصة« من أقران المترشحين مدجّجة بكافة أنواع الأسلحة البيضاء واحتلوا مدخل المركز.
الصورة السوداء ذاتها حدثت وبدرجة أقل في أحد المراكز بتيبازة بسبب إقصاء 4 ممتحنين وكادت الأمور تنفلت بعد ضغوط مجموعة من التلاميذ لمنع إقصاء زملائهم.
مثل هذه الحالات التي تم كشفها بشكل جماعي أو فردي، وما خفي كان أعظم، تؤشر إلى تفاقم هذه الظاهرة الآفة في مختلف الامتحانات الرسمية والفصلية وفي مختلف الأطوار لتجد صورة الجلية في امتحان البكالوريا نظرا لأهميته، مما يعني أن المعالجة »الأمنية« للظاهرة عبر مختلف الإجراءات المتخذة لا تكفي وحدها ولو حشدنا عدد المراقبين والملاحظين في الحجرات والمراكز ليصبح عددهم مساو أو أكبر من عدد المرشحين أنفسهم.. !
لا يجدي نقل أجوبة التلاميذ الممتحنين إلى ولايات أخرى ولا استحداث الملاحظين ولا كثرة المراقبين والحرّاس ولا التشفير ليمنع الغش الفردي المحدود ولا الغش الجماعي المبيّت وبالعنف والضغط، مثلما لن ينجح دائما في منع محاولات ابتكار وسائل وتكنولوجيات لكسر إرادة التزوير والغش، لأن الخاسر الأكبر في النهاية هو مصداقية الامتحان والشهادة ومصداقية الدولة والمجتمع أيضا.
على الوزارة الوصية أن لا تستهين بظاهرة تصاعد الغش في المدارس والثانويات، وأن لا تكتفي باعتبارها ظاهرة موجودة في كل الدول، لأن العنف والإصرار الجماعي على الغش وتهديد المراقبين هو ظاهرة محلية خالصة لن تنجح معها إلا مقاربة بيداغوجية تربوية لا تغفل صرامة القانون وردعه، ومن حق أولياء التلاميذ والمجتمع عموما أن يحرصوا على توفر شروط النزاهة والمساواة والمنافسة الشريفة، وأما تغييب أرقام حالات الغش والاستهانة بها وعدم التبليغ عنها باعتبارها ليست هامة هو من قبيل الفرار عن مسؤولية مواجهة الظواهر السلبية الكثيرة في المنظومة التربوية الجزائرية.
سيكون غير لائق من الناحية الأدبية على الأقل التغني بأرقام الناجحين في البكالوريا وغيرها دون الالتفات إلى السلبيات والآفات التي تسيء كثيرا إلى المدرسة الجزائرية وإلاّ فسحنا الطريق للغش الذي نخر مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية حتى يكمل ما تبقى بالوصول إلى المدرسة فيهدد مستقبلنا جميعا.. !
كان أبو حيّان التوحيد يوصي في ليلته الثالثة عشرة فيقول:» غاية المعرفة الاتصال بالمعروف« فهل صارت المعرفة عندنا بلا غاية حتى لا تتصل بمعروف وتنهى عن هذا الغش الذي صار منكرا ينخر كل شيء..؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.