يتجدد عند كل مناسبة تاريخية، الحديث عن واقع ومستقبل العلاقات الجزائرية-الفرنسية، فبرغم العبارات الدبلوماسية التي تحث على التعاون، والتي تستعمل عند كل زيارة لمسؤول من البلدين، إلا أن الواقع يشير عكس إلى ذلك، لعدة أسباب، لعل أهمها رفض فرنسا الاعتراف بجرائمها بالجزائر، بل أكثر من ذلك عودة الحديث في الآونة الأخيرة عن "الآثار الايجابية للاستعمار"، ومحاولات بعض السياسيين الفرنسيين المساواة بين الضحية والجلاد، من خلال الحديث عن قتلى من الجانبين، وارتفاع صوت الحركى، المطالبين بحقوقهم "المهضومة" والداعين إلى تمكينهم من حق العودة إلى الوطن الذين وقفوا ضده وعارضوا استقلاله بل وشاركوا في آلة القتل الاستعمارية. وبرأي المحللين فان العلاقات بين البلدين، لن تعرف طريقها إلى "الصفاء" طالما هناك إصرار فرنسي رسمي على رفض "الوجه الفرنسي الاستعماري القبيح" والتستر على الحقائق ورفض فتح الأرشيف أمام المؤرخين لمعرفة حقيقة الاستعمار وما ارتكبه من مجازر في حق ملايين الجزائريين من تشريد وقتل وتهجير وإبادة بكل الترسانة العسكرية التي كانت تحوز عليها فرنسا آنذاك. المعطى الجديد في العلاقات هذه المرة، يتمثل في استعادة فرنسا لنفوذها في بعض دول شمال إفريقيا، ومحاولة فرض طوق من النار حول الجزائر، واستغلت الحكومة الفرنسية السابقة أحداث الربيع العربي، لدخول ليبيا بحجة تغيير نظام القذافي، وحولت ليبيا إلى خراب، وغذت النعرة الطائفية والفكر القبلي، وحولت الجماهيرية إلى مناطق تحكمها ميليشيات مسلحة تفعل فيها ما تشاء. وتكشف الأحداث التي شهدتها منطقة المغرب العربي ودول الساحل على مدار ما يقارب السنة، كيف نجحت فرنسا في استعادة موقعها على عدد من الدول المحسوبة تقليديا ''كمستعمرات قديمة''، مثل تشاد ومالي والنيجر، إلى جانب استغلال باريس ما يسمى بالربيع العربي، لتنصيب أنظمة سياسية موالية لها في كل من ليبيا وتونس بدرجة أقل، بينما ظلت الجزائر بمثابة البلد الوحيد الذي ''يغرد خارج السرب''، والتي أصبحت مطوقة بحكومات موالية لفرنسا، وتستعد هذه الأخيرة لشن حرب على الحدود الجنوبية بحجة محاربة الإرهاب. وتثير هذه التحولات الجيو سياسية في المنطقة مخاوف سياسيين ومحللين، يرون بأن الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وثرواتها النفطية، لن تكون بمعزل عن أي محاولة فرنسية لمحاولة استهدافها عبر بوابة الجنوب، وهو السيناريو الذي تحدث عنه "عراب" الربيع العربي اليهودي برنارهنري ليفي، الذي قال في تصريح لقناة فضائية عربية، انه يتمنى أن يمتد لهيب الخريف العربي إلى الجزائر، التي قال انه يملك بها "أصدقاء" أي بعبارة أخرى يملك "اذرع" سيحاول تحريكها في الوقت المناسب. وهو ما يفسر دعوة الوزير الأول عبد المالك سلال، لتشكيل جبهة وطنية قوية لقطع الأيدي التي تحاول العبث باستقرار البلاد. هذا المعطى الجديد، يضاف إلى الإرث التاريخي، و ما يسمى "حرب الذاكرة" التي البلدين لن تنتهي فصولها، دون وضع النقاط على الحروف خصوصا بعدما سنت فرنسا في سنة 2005 قانون تمجيد الاستعمار الذي صب الزيت على النار بين الجزائر وباريس. ويعتبر ومراقبون للعلاقات الجزائرية الفرنسية أن "الذاكرة التاريخية" لازال المحدد الرئيسي في تحديد بنية وطبيعة العلاقات السياسية بين البلدين منذ استقلال الجزائر في ستينيات القرن الماضي، ولذلك فان مستقبل العلاقات بين باريس والجزائر سيظل محكوم بمدى تغير فرنسا لطريقة تعاملها مع الجزائر وتاريخها، هذا التعامل الذي يجب أن يقوم حسب الأسرة الثورية على أساس الاحترام المتبادل بين الدولتين. وبدوا أن هذا الانفراج لن يكون قريبا، بفعل إصرار الساسة الفرنسيين من اليمين واليسار، على رفض الاعتراف بجرائم فرنسا الاستعمارية، وهي عبارة قالها صراحة وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، والذي رسم خطوط حمراء لن يتجاوزها الاشتراكي هولاند في علاقاته مع الجزائر، واعتبر بان إقرار الرئيس الفرنسي بمجازر 17 أكتوبر 1961 لن يكون أبدا ممهدا لاعتراف فرنسي صريح عن مجازرها الاستعمارية. وتبرز التصريحات الأخيرة لمسؤولين فرنسيين، بأن اللوبيات المعادية للثورة الجزائرية لا تزال نافذة وتخوض معركتها في فرنسا على خلاف الجزائر، وتعتبر بأن التاريخ سلاحا استراتيجيا. بل أكثر من ذلك، يحاول الفرنسيون في الآونة الأخيرة، عبر تقارير إعلامية، وأشرطة، التشكيك في تاريخ الثورة، والمساواة بين الضحية والجلاد وبين جيش جرار قوامه نصف مليون جندي مدعوما بالحلف الأطلسي، وبين شعب أعزل واجه دبابات وقنابل عدوه بصدور عارية، مع عودة الاتهامات الفرنسية، للجزائر بارتكاب مجازر ضد الأقدام السوداء والمدنيين الفرنسيين وقد اشتعلت هذه الحرب في عهد ساركوزي وقبله، فقانون فيفري 2005 فسح المجال لمناقشة قضايا الاستعمار والاستعباد، وعلى هامش ذلك كانت لوبيات الأقدام السوداء وقدماء الجيش والحركى وغيرها تستغل هذه الحرب لخدمة مصالحها السياسية وموقعها الاجتماعي ومن أجل تبييض وجهها تاريخيا. ويؤكد المؤرخون على ضرورة البحث في التاريخ واستظهار الحقائق لدحض ادعاءات الفرنسيين الممجدة للاستعمار، وفتح نقاش جماهيري ووطني حول مطلب تجريم الاستعمار وتجديد مطالبة فرنسا بالاعتراف بما ارتكبته من جرائم في حق الشعب الجزائري. ويشير المحللون إلى أن هذا النقاش الوطني يجب أن يكون ردا على إصرار فرنسا على تمجيد الاستعمار، وتسعى بذلك إلى طمس الذاكرة وتحريف التاريخ وتقديم الاستعمار الفرنسي على أنه جهد لنقل الحضارة إلى الجزائر. فالجزائريون الذين دفعوا ثمنا غاليا مقابل الحرية والاستقلال ضيعوا في كثير من المناسبات فرصة فتح ملف جرائم الاستعمار. بالمقابل لم تفوت فرنسا الاستعمارية أية فرصة تأكيد التزامها بتمجيد الاستعمار. وأعادت فرنسا الرسمية الاعتبار لقدماء منظمة الجيش السري، وللجزائر الفرنسية بواسطة قوة القانون الممجد للاستعمار.وتعتبر المجاهدة زهرة ظريف بيطاط أن فرنسا مجبرة على الاعتراف بجرائمها التي ارتكبتها في الجزائر. وقالت بيطاط إن عددا من المؤرخين والسياسيين الفرنسيين والناشطين هم الأكثر مطالبة لحكومة بلادهم للاعتراف بمسؤوليتها الأخلاقية على جرائمها الدموية طيلة فترة استعمارها للجزائر. وأكدت بيطاط أنه من الخطأ الاعتقاد أن الجرائم الفرنسية يقصد بها فترة الثورة التحريرية فقط، لكنها امتدت منذ دخول فرنسا إلى الجزائر منذ عام 1830.ودعت عضو مجلس الأمة، المجتمع المدني في الجزائر إلى أن يكون في مقدمة القوى التي تؤسس للوعي الوطني وتعمل في مجال التاريخ وكشف الحقائق ودعوة الشباب إلى الاهتمام بالثورة وبالتاريخ، لمنع محاولات التشويه والتزييف التي تقوم بها فرنسا، والتي تستفيد من وسائل الإعلام تستغل قصد تزييف الحقائق التاريخية وتجميل الماضي الاستعماري والإجرامي لفرنسا في الجزائر، ومن حراك قوي للجمعيات والمنظمات التي تدور في فلك خيار «الجزائر فرنسية»، لدرجة سعيهم لتجريم المجاهدين الجزائريين ومحاكمتهم على ما قاموا به إبان الثورة، مشيرة إلى أنها كانت ضحية لهذه المحاولات.