احتضن مسرح عنابة، أوّل أمس، في أمسية مفعمة بالروح الفنية، العرض المسرحي "الورطة"، في إطار برنامج التعاون الاستراتيجي "المسرح في رحاب الجامعة"، الهادف إلى تعزيز الذائقة الجمالية لدى الطلبة، وربط الفضاء الأكاديمي ببراح الإبداع الركحي. ويُعدّ هذا العمل الذي أنتجته جمعية "شباب وفنون تابلاط" لولاية المدية، رحلة سيكولوجية غائرة في أعماق النفس البشرية، حيث اشتبك النص الذي صاغه هاني محفوظ مع قضايا المسؤولية الأخلاقية والتبعات غير المتوقّعة للأفعال الإنسانية، واضعًا الجمهور أمام تساؤلات وجودية جريئة، حول كيف يمكن موقفا واحدا أو هفوة عابرة، أن تقلب موازين الحياة رأسًا على عقب، محوّلة المسارات العادية إلى مصائر شديدة التعقيد. وتجسّدت هذه الرؤية الفلسفية بوضوح من خلال الإخراج المحكم لمجيد هلالي، الذي أحسن إدارة التوتر الدرامي المتصاعد على الخشبة، مانحًا العرض إيقاعًا متسارعًا يحبس الأنفاس، ويجنّب العمل الوقوع في الرتابة. كما لعبت سينوغرافيا إيمان داوي دورًا محوريًا في تعميق الإحساس بالحصار النفسي، إذ تحوّلت عناصر الديكور والإضاءة إلى أدوات درامية ناطقة، بما تعجز عنه الكلمات، لترسم جغرافيا الضياع والارتباك التي تعيشها الشخصيات. وعلى مستوى الأداء التمثيلي، شكّل الحضور القويّ للثنائي مراد مجرام ومحمد هلالي العمود الفقري للعرض، حيث قدّما أداءً اتّسم بالصدق، والاحترافية العالية، متنقلين بسلاسة لافتة بين حالات الخوف، والندم، والمواجهة؛ ما أسّس لجسر وجداني مباشر مع الجمهور الذي ملأ القاعة، وتفاعل مع مجريات العرض.