دليل قاطع جديد ضد بن سلمان    الصين : مقتل 5 تلاميذ وجرحى 18 أخرين بحادث دهس استهدف طلاب مدرسة    وهران: أربعة أحكام ب 20 سنة سجنا في قضية تهريب 6 قناطير من الكيف    حجز كمية معتبرة من الأقراص المهلوسة على مستوى المركز الحدودي ام الطبول    650 ألف موظف تونسي يبدأون إضراباً عاماً    دروغبا يودع المستذيل الأخضر ..    الكوليرا: فتح منبع سيدي الكبير بتيبازة الأسبوع المقبل    7061 جزائرية تعرّضت للعنف والاحتجاز والاعتداء الجنسي في 2018!    عمدتا بالإستثمار في‮ ‬الصحراء الغربية المحتلة‮ ‬‭ ‬    بسبب الحرب في‮ ‬اليمن    الاعتماد على المتعاملين المحليين خيار استراتيجي    تحسباً‮ ‬لنهاية مرحلة الذهاب    الطبعة الأولى للدورة الدولية لفوفينام فيات فوداو    المرحلة الرابعة للبطولة الوطنية للرافل    "الكاف" توقف شارف وسيكازوي مؤقتا    جددت عزمها على تطوير تعاونها الطاقوي‮ ‬مع الاتحاد الأوروبي‮ ‬    ارتفاع منتوج الصيد البحري إلى 1200 طن    لمواجهة المخاطر التي‮ ‬تتربص بالجزائر    من مطار هواري‮ ‬بومدين‮ ‬    تيارت    تزامناً‮ ‬والإحتفال بذكرى المولد النبوي    عرفانا بجهوده في‮ ‬خدمة الوطن والدين    وضعيتها تدهورت جراء زلزال ماي‮ ‬2003    سيتم تجسيده قريباً‮ ‬    ‮ ‬الكابة‮ ‬ملجأهم للحصول على الأدوية المفقودة    إنزال وزراي‮ ‬بالبرلمان    الأطباء الجزائريون يمكنهم الاستفادة من الخبرة التركية    الجيش الجزائري في المرتبة الثانية عربيا و23 عالميا    السياسي تنشر المعلومات الكاملة    القبض على رئيسها بتهمة الفساد المالي    سفير فلسطين يكشف عن أمل جديد لتحقيق المصالحة الوطنية    هيئات ومراكز دولية تتكالب على الجزائر    إعذار 380 مستثمر و إلغاء 87 مشروعا بالمناطق الصناعية    الولاية بحاجة إلى عدد كبير من اليد العاملة    *نسعى لرد الإعتبار بالتأهل إلى دور ال 32*    العثور على جثة شيخ في مزرعة بطافراوي و أخرى لعجوز ببئر الجير    البخل طال حتى الدعم المعنوي    الرئيس الموريتاني يدافع عن قوة دول الساحل في محاربة الإرهاب    عشقت آلة القيتارة منذ صغري وطموحي خدمة الفن الأصيل    تسليم المشروع خلال الثلاثي الأول ل2019    تتويج عادل مكاوي من الجلفة بالجائزة الأولى    ظاهرة الحرقة في ميزان شريعة الإسلام    بالإسلام يسود الأمن    مداخل الشيطان وخطواته    مشروع *نادي البحث عن العمل* بجامعة مستغانم    أحزاب تتحفظ عن كشف أسماء مرشحيها لانتخابات *السينا*    تسجيل 20 حالة مؤكدة لداء البوحمرون بمستغانم    شباب بلوزداد في مقابلة لا تقبل القسمة على اثنين    الأسود تعبير عن العمق الإنساني    آخرأجل للتسجيل يوم 31 جانفي 2019    مسابقة لاكتشاف المواهب بخنشلة    تغير العادات الغذائية رفع معدل الإصابة بالسكري    "رقبة" تاجر مخدرات تشعل مواقع التواصل    رحلة صيد تنتهي بمجزرة كلاب    صياد يعثر على كائن غريب    الشيخ شمس الدين”يجوزلك تدي منحة التقاعد تع باباك إذا ما شرطولكش الوظيفة”    رعية كوبي يعتنق الإسلام بمسجد الهدى    4آلاف حالة قدم سكرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





إطلالة تاريخية على بلدة الجمعة نصهاريج
نشر في الشروق اليومي يوم 15 - 09 - 2007


بقلم: أرزقي فراد
اقترن ذكر الجمعة نصهاريج بالبعد الحضاري العريق للإنسان الأمازيغي الذي عمر هذه الأرض المعطاء منذ الأزمنة البعيدة ، وقد رصع تاريخها بمآثر أعلام كثيرة سادت وأبدعت عبر التاريخ ، في إطار الحضارتين المتآلفتين : الأمازيغية والعربية الإسلامية، لكن النسيان طوى الكثير منها ولم نعد نعرف منها ألا القليل ، كما ارتبط ذكرها أيضا بوجود زاويتين عامرتين، زاوية سيدي سحنون العريقة وزاوية ثلا مقرن .
ولعل أهم الأعلام التي مازالت طافية على سطح الذاكرة : الشيخ العالم لونيس بن القاضي الصهريجي الزواوي الذي يرجح أنه عاش في مطلع القرن التاسع عشر ، والشاعر مزيان أوحماذوش ( معاصر للشاعر الكبير سي محند أومحند) والشيخ الصالح الذي هاجر إلى الشام في ركب الشيخ المهدي السكلاوي الايراثني سنة 1847م ، والشيخ محند والحاج مؤسس زاوية ثلا مقرن سنة 1903م ، والمناضل الكبير بناي واعلي أحد القادة البارزين في صفوف قيادة حزب الشعب الجزائري في الأربعينيات من القرن الماضي ، الذي اشتهر بإيمانه بالكفاح المسلح كوسيلة لتحرير الوطن ، وبدفاعه عن البعد الأمازيغي في الشخصية الجزائرية، والمناضل النقابي الشهيد عيسات يدير مؤسس الاتحاد العام للعمال الجزائريين سنة 1956م ، والمغني الشيخ أعراب بو يزكارن ، والمناضل المرحوم الهاشمي نايت الجودي الذي ناضل من أجل تكريس حقوق الإنسان و بناء الدولة الديمقراطية وغيرهم . ومما يؤكد أهمية هذه القرية ، زيارتها من قبل شخصيات وطنية نذكر منها الأمير عبد القادر، ورئيس حزب الشعب الجزائري مصالي الحاج .
تقع قرية الجمعة نصهاريج في عرش آث فراوسن الذي تحده شرقا أعراش أث خليلي ، وآث بوشعيب ، ويحده غربا عرش آث يراثن ، أما من الشمال فيحده وادي سيباو بحوضه الأوسط الذي يشكل جزءا من أراضي الجمعة نصهاريج ، ويحده جنوبا عرش آث يحي (عين الحمام ). وبالنظر إلى خصوبة أراضي أحواض وادي سيباو – الذي ينبع من جرجرة ويصب غرب مدينة دلس بعد قطعه لمسافة 120كلم - فقد استقر به العمران البشري منذ العهود الأمازيغية القديمة ، واذا كان المؤرخ اليوناني الشهير (هيرودوت) قد ذكر بأن مصر وحضارتها( هبة) وادي النيل ، فان رفاهية أعراش آث فراوسن، وآث خليلي ، وآث بوشعيب ، و آث يراثن ، وآث جناذ ، وآث واقنون ، وعمراوة ، قد صنعتها خيرات وادي سيباو. لذلك فمن الطبيعي أن تستقطب خصوبة أراضيه اهتمام الأجناس الوافدة إلى الجزائر كالاحتلال الروماني الذي شق طريقا بين مدينتي دلس وبجاية عبر أراضي وادي سيباو، مع إقامة عدة مستوطنات على طول هذا الطريق، ذكر منها السيد محمد الصغير فرج في كتابه [تاريخ تيزي وزو ] مستوطنة ( بيدا)bida municipium الواقعة في قرية الجمعة نصهاريج الحالية، وقد عرفت ازدهارا مدنيا في القرن الثالث الميلادي تحت حماية حامية عسكرية مرابطة فيها . هذا وتذكر رواية شعبية شفوية ذات مسحة أسطورية سمعتها عن السيد مقراني علي ، أنه عندما عزم حاكمها على جلب الماء إلى المستوطنة المذكورة ، وعد من ينجح في تحقيق هذا المشروع بتزويجه ابنته ، وتضيف الرواية أنه تنافس شخصان حول هذا المشروع ، التجأ أحدهما إلى جبل ثامقوط لجلب الماء في حين اتجه الثاني نحو جبال جرجرة ، وقد كان النجاح حليف الشخص الثاني ، في حين انتهت جهود الأول بإيصال الماء إلى عين [ ثلا زاوش] الكائنة في عرش آث بوشعيب . وتضيف الرواية أن أهل الجمعة نصهاريج قد تأكدوا من وجود هذه القناة الناقلة للمياه من جرجرة إلى قريتهم حينما قام أحد أعيان جرجرة بإلقاء بعض المحاصيل الزراعية في المنبع فوصلت إليهم .
هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن علماء الآثار الفرنسيين قد اهتموا بتاريخ هذه القرية لاعتبارات استعمارية استهدفت ربط الصلة بين الوجود الروماني والفرنسي ، وقد تم ذلك على حساب تاريخ الحضارتين الأمازيغية والعربية الإسلامية ، ومن ابرز علماء الآثار الذين اهتموا بهذه القرية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر العالمان : vigniral فيقنيرال ، وjacques martin جاك مارتان .
ورغم تمسك الأهالي بلغتهم وثقافتهم الأمازيغية ، فان ذلك لم يمنعهم من احتضان الحضارة العربية الإسلامية التي تتجلى في مظاهر عدة ، كانتشار التعليم العربي عبر الكتاتيب والمدارس القرآنية والزوايا، دون إقصاء اللغة الأمازيغية التي تطورت بفضل هذه المدارس بالحروف العربية ، خاصة في المجال الفقهي . ومن هذه المظاهر أيضا أسماء الأماكن الجغرافيا ذات الجذور العربية ، منها اسم (الجمعة نصهاريج ) الذي يتركب من كلمتين : ( الجمعة ) وهو آخر أيام الأسبوع كانت تعقد فيه سوق جهوية كبيرة تتسوق فيها أعراش عديدة ، و (الصهاريج ) التي تعني العيون ، علما أن هذه القرية تشتهر منذ القديم بمياهها الغزيرة وعيونها الدافقة حتى أطلقت على بعض أماكن القرية منها : ثلا مقرن – حيث مقر زاوية الشيخ محند والحاج – ومعناها العين الكبيرة ، وثلا مومن التي يرجح آن تكون منسوبة إلى رجل زاهد متعبد مواظب على أداء الصلاة .
علاقة أهل قرية الجمعة نصهاريج بالأتراك العثمانيين تميز عرش آث فراوسن خلال العهد التركي بحفاظه على استقلاليته ، فقد أدرج الضابط الفرنسي ( louis rinn / لوي رين ) في كتابه (le royaume d Alger sous le dernier dey ) عرش آث فراوسن ضمن الأعراش الخارجة عن نفوذ الحكم التركي العثماني ( ص66)، وبعبارة أخرى فان هذا العرش كان لا يدفع الضرائب ، ولا يتدخل الأتراك في تعيين قادته ، وعليه فهو لم يدرج ضمن قبائل المخزن التي كانت تخضع للأتراك العثمانيين وتخدمهم ، على غرار عرش عمراوة. غير أن ما يلفت الانتباه هو إدراج الضابط الفرنسي [جوزيف نيل روبان ] في كتابه[ La Grande Kabylie sous le régime turc] منطقة [مقلع] الواقعة في عرش آث فراوسن ضمن عرش عمراوة الفواقة الخاضع لحكم الأتراك(ص49) ، فهل يعني ذلك أن قرى عرش آث فراوسن قد انقسمت إلى مجموعتين إحداهما مستقلة والأخرى موالية لحكم الأتراك ؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تحرشا متواصلا على أراضي آث فراوسن الواقعة في حوض وادي سيباو ، من قبل عائلة آث قاسي القوية التي كانت تشكل رأس الحربة في مخزن عمراوة ؟
ومهما يكن من أمر فقد أصر أهالي قرية الجمعة نصهاريج على الاحتفاظ بحريتهم رغم انتصار القائد التركي(علي خوجة) على سي أحمد واعلي أوبختوش ما بين 1720و1730- الأمر الذي أدى إلى زوال نفوذ بقايا آث القاضي السياسية - لذلك اضطر الحكام الأتراك إلى تغيير سياستهم و تليين موقفهم إزاء الأهالي ، فسعوا إلى كسب ود المرابطين الأشراف ، لما لهم من وزن ونفوذ في أوساط السكان ، خاصة عن طريق منحهم عدة امتيازات، وبناء المساجد في مناطقهم ، ويندرج في هذا السياق بناء مسجد قرية الجمعة نصهاريج الذي بناه يحي أغا بن مصطفى في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي ، وقد لعب – برأي الأستاذ أحمد كديد – أحد أجداده دورا بارزا في جلب هذا المشروع كما سنوضح لاحقا . و لعله من ثمار هذه السياسة المرنة أن تمكن الحكام الأتراك من تمرير قواتهم العسكرية عدة مرات من مدينة الجزائر إلى بجاية عبر( فج أكفادو ) بفضل [ لعناية] - أي حماية - أشراف آث بوشعيب، وآث يجر .
الاحتلال الفرنسي لقرية الجمعة نصهاريج
لم يتخلف أهل الجمعة نصهاريج عن واجبهم الوطني عندما تعرضت الجزائر للغزو الفرنسي، فقاوموا الاحتلال الفرنسي مقاومة شرسة تحت قيادة خليفة الأمير عبد القادر احمد الطيب بن سالم المدعم ببلقاسم أوقاسي إلى سنة 1847م ، ورغم انتصار الفرنسيين فان الجهاد لم يتوقف بل استمر تحت قيادات جديدة برز فيها بوبغلة مابين (1851-1854) ، والمدعو[ بن علي ناث قاسي] العائد من تونس في مطلع سنة 1856 لدعم مقاومة الشيخ الصديق بن أعراب بعرش الاربعاء ناث يراثن، والشيخ أعمر مقدم زاوية أمحمد بن عبد الرحمن بعرش آث إسماعيل ، وجاءت عقبها ثورة الشيخ الحداد والمقراني سنة 1871م التي شارك فيها أهل عرش آث فراوسن بالنفس والنفيس .
هذا وقد شجع انتصار الفرنسيين على تمركز فرقة من اليسوعيين في مقلع حيث أسست مدرسة سنة 1873م ، تعد في طليعة المدارس الفرنسية في منطقة القبائل ، ومما تجدر الإشارة إليه أن موجة الاستيطان الفرنسي قد اشتدت عقب إخفاق ثورة 1871م، إذ تم استقدام آلاف العائلات من فرنسا خاصة من منطقتي الألزاس ولورين ، وفي سياق توطين الفرنسيين والأوروبيين عامة ، تم تأسيس مستوطنة مقلع سنة 1880م على مساحة قدرها( 2291هكتارا) تمت مصادرها من الأهالي ، خاصة أراضي الأوقاف ، ومما يرجح ذلك أن موقع هذه المستوطنة كان يسمى في الماضي ( أعرقوب الجامع ) ومعناه أرض الجامع ، وقسمت إلى خمسين (50) ملكية. وبعد مرور عشرين سنة باع منها المستوطنون أربع وعشرين قطعة للجزائريين .
هذا وقدر الكاتب الفرنسي[ آلان ماهي Alain Mahé ] في كتابه [ Histoire de La Grande Kabylie ] عدد سكان هذه المستوطنة سنة 1936م ب 182ساكنا ، موزعين على النحو التالي : 52 فرنسيا ، و92 أهليا (جزائريا ) ، 38 أهليا مجنسا . والجدير بالذكر أن بلدية مقلع كانت في العهد الفرنسي مصنفة ضمن البلديات ذات الصلاحيات الكاملة التي يسيرها مجلس منتخب على غرار البلديات الفرنسية ، خلافا لنظام البلدية المختلطة المطبق حيث يقل المستوطنون الفرنسيون، والمتميز بوجود متصرف إداري معين على رأس اللجنة البلدية.
عائلة الشيخ محند والحاج ودورها العلمي والتنويري
لعبت عائلة الشيخ محند والحاج دورا رائدا في نشر العلم والمعرفة وإصلاح ذات البين وتحصين المجتمع بالقيم الأخلاقية الإسلامية ، وقد دأب أبناؤها على طلب العلم في الزوايا المحلية – أي الموجودة في منطقة القبائل - كزاوية سيدي منصور وزاوية عبد الرحمن الايلولي ، كما كان البعض منهم يطلبون العلم في الأزهر الشريف. هذا وتنتسب هذه العائلة إلى قرية أث عيش التي نزح مؤسسها[ سيدي علي والقاضي] من المغرب ، وتنتمي إلى فرع لقواضي المتكون من العائلات : كديد (عائلة الشيخ محند والحاج) ، وكادي ، وخليل ، وهي من صلب آث القاضي الذين أسسوا إمارة في القبائل الكبرى خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر(م) كان مقرها في جبل كوكو بعين الحمام .
وفي مقابلة مع السيد أحمد كديد (حفيد الشيخ محند والحاج ) ذكر أن أجداده (عائلة لقواضي) قد لعبوا دورا بارزا أثناء عقد الاجتماع الخاص بمنع المرأة من ميراث العقار في النصف الثاني من القرن الثامن عشر (1749م) ، هذا وقد خلد أهل الجمعة نصهاريج هذا الحدث بوضع نصب تذكاري حجري بموقع( أصفصافن ) حيث عقد الاجتماع ، وأضاف المتحدث أنه يملك في مكتبته وثيقة مخطوطة وردت من الجامع الأزهر بمصر تعاتب العالم المشرف على ذلك الاجتماع ، وتنتقد تزكيته لقرار حرمان المرأة من الميراث .
ومن أبرز علماء هذه الأسرة الشيخ لونيس بن القاضي الصهريجي الزاووي صاحب التآليف العديدة ، لعل أهمها كتاب[الآجرومية] الذي توجد نسخة منه في المكتبة الوطنية بالحامة تحت رقم 3089 ، وحسب المعلومات المستقاة من الأستاذ أحمد كديد ، فقد كان هذا العالم يستنسخ الكتب لبيعها خاصة في مدينة الجزائر التي كان يقصدها خلال شهر رمضان، لتقديم الدروس بجامع سيدي رمضان ، وكان أحد قادة الأتراك العثمانيين معجبا بدروسه ، لذلك قرر مكافأته بما يرضيه ، فطلب منه أن يبين طبيعة المكافأة التي يرغب فيها ، فأشار عليه الشيخ لونيس بن القاضي بأن أفضل هدية تسره هي بناء مسجد في قريته الجمعة نصهاريج ، فكان له ما أراد . ومهما يكن أمر هذه الرواية الشفوية فان المصادر التاريخية – منها بحث جوزيف نيل روبان – تشير إلى أن يحي أغا هو الذي شيد مسجد هذه القرية في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي (1819م ؟).
ومن علماء هذه الأسرة أيضا الشيخ الصالح الذي كان مقربا من الشيخ المهدي السكلاوي الايراثني زعيم الطريقة الرحمانية في الأربعاء ناث يراثن وما جاورها من أعراش ، ويحتمل أن يكون قد هاجر معه إلى الشام سنة 1847م عقب انهزام الأمير عبد القادر ، لكنه لم يلبث أن عاد إلى أرض الوطن ، حاملا أرجوزة الشيخ السكلاوي حول التصوف والمتكونة من (178) بيتا ، علما أن هذا المخطوط في حوزة الأستاذ أحمد كديد ، ومن المرجح أن يكون الشيخ الصالح هو ناسخه . وجاء فيه على الخصوص :
( قال الشيخ الولي الصالح السالك المسلك الزاهد الورع شيخ الطريقة والحقيقة شيخنا ووسيلتنا إلى ربنا الشيخ المهدي السكلاوي الزواوي المغربي نفعنا الله به وبأمثاله . آمين .) الحمد لله على ما أنعما حمدا كثيرا طيبا معظما
ثم سلام الله مع صلاته على النبي وآله وصحبه
وبعد هاك رجزا للمبتدئ به يكون سالكا ويهتدي
جمعته من كتب الطريقة أصل الشريعة كذا الحقيقة
هذا وأرجو الله في الهداية به في الابتداء وفي النهاية
فواجب على المريد الاجتهاد في حفظ قلبه أخي من الفساد
واختتمت هذه الأرجوزة بعبارة : ( ... منظومة السيد الشيخ المهدي السكلاوي الارثني عرشا الزواوي الجزائري إقليما الأشعري اعتقادا المالكي مذهبا الذي هاجر لدمشق الشام برحمة الله ورحمنا معه آمين . ) . ويستخلص من هذه الجملة أن هذه المنظومة قد كتبت بدمشق .
وبعد رجوعه إلى أرض الوطن استجاب الشيخ الصالح لدعوة آث قاسي الذين طلبوا منه الإقامة في حماهم للاستفادة من علمه وحكمته ، وبموازاة ذلك كان يلقي بعض الدروس بزاوية سيدي منصور ، ويبدو أنه عاد إلى قريته قبل اشتعال فتيل ثورة المقراني والشيخ محمد أمزيان الحداد سنة 1871م . وفضلا عن التأليف فقد استنسخ- على غرار أجداده - عدة كتب في الفقه والنحو والحساب وكذا مصاحف القرآن( أنظر الصور ) ، توجد بعض نسخها في حوزة عائلة كديد .
ومن الأعلام البارزة أيضا الشيخ السعيد الذي اشتهر بعلمه الغزير ، وكان مقربا من رموز الطريقة الرحمانية أمثال الشيخ محند واعلي أوسحنون الايراثني ، والشيخ محمد أمزيان الحداد اللذين قادا ثورة 1871م بمنطقة الزواوة وما جاورها ، وكذا عائلة أبي القاسم البوجليلي المشهورة بالعلم والتقوى والورع . ومما يؤكد إعجابه بالشيخ الحداد أنه أوصى بدفنه بجنبه ، وهو ما تم بالفعل حسب الملاحظة المدونة على هامش مخطوط منظومة الشيخ المهدي السكلاوي المذكورة آنفا .
الشيخ محند والحاج مؤسس زاوية ثلا مقرن يعتبر الشيخ محند والحاج – المتوفى سنة 1938م – من أبرز علماء الجمعة نصهاريج المعاصرين ، وقد أكمل دارسته بزاوية سيدي منصور بعرش آث جناد (ولاية تيزي وزو ) ، ثم عاد إلى مسقط رأسه ليتفرغ للتدريس بزاوية سيدي سحنون لمدة إحدى عشرة سنة . وفي سنة 1903م أسس زاوية ثلا مقرن التي اختار لها موقعا محاذيا لمركز الآباء البيض المبشرين ، ولا شك أن الغاية من ذلك هي التصدي لسياسة المسخ والتنصير التي كانت تهدد الأهالي ، لذلك صارت مصدر قلق لهؤلاء المبشرين وحلفائهم من إدارة فرنسية ومجنسين ، فنظروا إليها بعين السخط ، وكانوا يتحينون الفرص من أجل عرقلة نشاطها ، فوجهوا لمؤسسها تهمة الإخلال بالنظام العام وبممارسة السياسة ، جراء تنظيمه لمختلف التظاهرات الدينية في الأعياد والمواسم الدينية التي كانت تستقطب جمهورا عريضا لحضور حلقات قراءة القرآن التي يشارك فيها الطلبة القدماء والمتمدرسون ، وكذا حلقات الذكر التي كان ينظمها مريدو الطريقة الرحمانية ، بالإضافة إلى تقديم العبر التاريخية من خلال استعراض حياة السيد الحسين بن علي بن أبي طالب خلال مواسم العاشوراء ، وكانت[ فكرة الجهاد] تلقي بظلالها في مثل هذه المناسبات ، الأمر الذي زاد من قلق الإدارة الفرنسية ، لذلك تعرض الشيخ محند والحاج لمضايقات عديدة بلغت – حسب ما صرح به حفيده الأستاذ أحمد كديد - إلى حد اعتقاله لأيام معدودة في الأربعاء ناث يراثن . وبالإضافة إلى سياسة الترهيب فقد حاولت الإدارة الفرنسية شراء ذمته بتخصيص مرتب له على أساس أن المسجد العتيق الذي أسسه الأتراك العثمانيون كان مدرجا ضمن المساجد الرسمية التي تتكفل بها الإدارة الفرنسية من حيث الصيانة ودفع مرتب الإمام ، غير أن محاولاتها ذهبت أدراج الرياح .
ومن المواقف المستحقة للذكر توقيع الشيخ لونيس بن محند والحاج – بصفته ممثلا لزاوية ثلا مقرن - عريضة علماء منطقة القبائل الكبرى الداعية إلى إسقاط فتوى منع المرأة من الميراث الصادرة سنة 1749م ، كما وقعها أيضا الشيخ الطيب أحمد بن أمزيان بصفته ممثلا لزاوية سيد سحنون الكائنة أيضا بالجمعة نصهاريج . وللذكر فقد نشرت هذه العريضة في جريدة البصائر، العدد 59، الصادر بتاريخ 6 ديسمبر سنة 1948م.
والخلاصة أن بلدة الجمعة نصهاريج ذات تاريخ عريق ومعالم حضارية أمازيغية وإسلامية ، تنطوي على كنوز ثقافية تتجلى في التراث الأمازيغي المتنوع كالشعر( مزيان أوحماذوش ) والقصص الشعبية ( الفيل أوبختوش ) والقوانين العرفية المسيرة للقرى والأعراش، والمحفوظة في الذاكرة الجمعية ، وقد أسمعني السيد علي مقراني نتفا منها . أما المخطوطات(كتب ووثائق) فمعظمها في حوزة عائلة كديد ما تزال كلها في انتظار جهود الدارسين و الباحثين ، الذين سيستقبلهم – بدون شك – الأستاذ أحمد كديد وغيره من مثقفي وأعيان البلدة بالأحضان والترحاب من أجل انتشالها من النسيان والاستفادة من محتوياتها ، وكذا إعادة الاعتبار لمؤلفيها الذين تحدوا كل الصعاب ، بأن درسوا وكتبوا وألفوا واستنسخوا العديد من المؤلفات العربية في شتى حقول المعرفة ، ورفعوا راية الجهاد في وجه الاحتلال الفرنسي ، وأسسوا الزاويتين : سيدي سحنون ، وثلا مقرن ، فضلا عن عدد من الكتاتيب في مختلف القرى المجاورة ، وبذلك نجحوا في التوفيق بين العرف الأمازيغي والحضارة الإسلامية التي خدموها بأقلامهم وألسنتهم وسواعدهم . فكانت هذه الزوايا بحق مرجعية روحية وحضارية واجتماعية حققت الاستقرار والسكينة لأهل المنطقة .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.