الرئيس تبون يتلقى برقيات إطمئنان وتمنيات بالشفاء من رؤساء هذه الدول    تونس تفتح تحقيقا حول ضلوع مواطن تونسي في هجوم كنيسة نوتردام بفرنسا    الصحراء الغربية: وقفة إحتجاجية أمام ثغرة القائدية بأم دريقة بالقطاع العملياتي ميجك المحررة    الفريق السعيد شنقريحة يقوم بزيارة عمل وتفتيش إلى قيادة القوات البحرية    منتخب زيمبابوي يبحث عن طائرة لِسفرية الجزائر    شارك أساسيا لأول مرة .. مدرب كالياري يتحدث عن وناس    محكمة فرنسية تدين الملالي    بن دودة: إعداد مخطط دقيق لتفعيل دور الهياكل الثقافية    كورونا : 306 إصابة جديدة، 184 حالة شفاء و 8 وفيات    السفير اللبناني بالجزائر حاضر في إفتتاح قاعة الصلاة بجامع الجزائر    الجلفة: وفاة امرأة حامل اختناقا بغاز أحادي أكسيد الكربون بحاسي بحبح    غرداية/المولد النبوي الشريف: أجواء احتفالية تحت تأثير البروتوكول الصحي    الوزارة الأولى: الحجر الكلي.. ممكن    7000 عسكري لحماية المدن الفرنسية    توقيف مسلح بمدينة ليون الفرنسية    ورقلة: التصويت يتواصل في ظروف عادية عبر المكاتب المتنقلة    طعن حارس القنصلية الفرنسية في السعودية    المولد النبوي: إخماد 7 حرائق بسبب المفرقعات    تسجيل عدة إصابات بكورونا في صفوف اتحاد الجزائر    مخطط أمني خاص لتأمين مكاتب الانتخاب في استفتاء الفاتح من نوفمبر    نحو تحويل 500 ألف مركبة إلى نظام "سيرغاز"    بولخراص: الجزائر ستنجز تدريجيا محطات توليد الكهرباء    رزيق: يدعو إلى الالتزام بنظام المداومة الخاص بالأعياد و العطل الوطنية    الفريق شنقريحة: الاستعداد لمواجهة التحديات الأمنية القائمة والمحتملة يعتمد على الوعي لدى الأفراد العسكريين    الشروع في تصدير 40 ألف طن من "الكلنكر" نحو دولة الدومينيكان    أدرار.. حجز 3574 وحدة من المشروبات الكحولية    مجمّع الشروق ينظم يوما مفتوحا للدفاع عن الرسول    معسكر: تكريم التلاميذ المتفوقين في الأطوار الدراسية الثلاثة    الحكومة التونسية تقرر الحجر مجددا    أردوغان ينشد "طلع البدر علينا" ببرلمان بلاده    وزير التجارة : الحمد لله تحقق حلمي بالصلاة في جامع الجزائر    آيت علي :"30 بالمئة من العقار العمومي غير مستغل"    ألمانيا تعلن العودة إلى الحجر الصحي الشامل لمواجهة موجة كورونا الثانية    الصحافة الوطنية تؤكد أن "الكلمة الأخيرة" تعود للشعب    مشروع التعديل الدستوري يتضمن "فرصا جديدة لترقية الشرائح الهشة في المجتمع"    تعرّف على إمام أول صلاة بجامع الجزائر    بركاني: الوضع الوبائي الحالي لا يشكل خطرا على الاستفتاء الدستوري    الحكم بالسجن 17 عاما على رئيس كوريا الجنوبية السابق    نادي "قطر" يفكر في التراجع عن التعاقد مع "بلايلي" !    مسعود جاري والي وهران يكرم أيقونة الصحافة المكتوبة    كورونا: ألمانيا تغلق المطاعم والمنشآت الترفيهية    "جامع الجزائر".. عندما تنير "المحمدية" شمال إفريقيا    رمز للسيادة والدين الأقوم    متى ينتهي الجدل حول حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟    رسميا إطلاق قناة "الذاكرة" في شهر نوفمبر    إسم يبحث عن رسم    تأييد الحكم في حق المحتال على 10 بنائين    مكتتبو عدل يحتجون    عواد و كوريبة و زرقين أبرز المستقدمين    تكريم مجاهدي مغنية    الإذاعة و التلفزيون .. من رهان السيادة إلى تحدي الرقمنة    ورشات للتوعية والتوجيه والإصغاء    إعارة اللاعب سومانا والحارس معاشو    توقع إنتاج 700 ألف قنطار برسم الحصاد الخريفي    ضبط قائمة المستقدمين وبرنامج التحضيرات    احتفلوا بالمولد ولا تلتفتوا إلى الأصوات الناشزة    المفتش العام لوزارة الشؤون الدينية يكشف تفاصيل افتتاح قاعة الصلاة التابعة لجامع الجزائر    مواقف نبوية مع الأطفال... الرحمة المهداة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فوق الطاولة
نشر في الجمهورية يوم 28 - 09 - 2020

كم هؤلاء الذين تعاوروا على طاولة المقهى، تلك الّتي اِنزوت في قَرَن حيث تتيح للجالس نظرَة شاملَة وهو يكاد يتستّرُ كنجديّ ينصبُ كمينا. أحادِيث كثيرَة خلّفها هؤلاء على مرّ ساعات اليوم وإلى وقتٍ متأخرٍ من الليلِ، يفتحُ المقهَى أبوابَه للزّبائن الأوفِياء مع تباشير الصّبح الأولى، كقطراتِ غيثٍ تُوشي بسيلٍ عارِم، يلجُ أوّل زَبون و يليه الثّاني فالثّالث...، الكلّ بخيرٍ حسب الرّدودِ الأولى حدّ المجاملةِ، الدفعَة الأولى غالبًا ما يدخلون المقهى على عجلٍ ويخرجون على وجلٍ لما ينتظرهُم من مسافات يقطعونَها في سفرِهم، أو حاجات تستدعِي البُكور، فلا مجَال للجلوسِ حدَّ المكوثِ وتبنّي شعارَ "القهوة لا تُشرب على عجلٍ" ، ففي هكذا حالات تكونُ الرّفيق المُؤنس لكادح مبتئس ضلّت أحلامه وعسُرت أيّامهُ.
دقائق معدودات وصَارت المقهى تعجُّ بمرتادِيها ومريدِيها، أشبه بمجتمعِ النّحل والمسعَى يختلفُ، فشتّان بين المظهرِ والمخبرِ. كثرت طلبات النّادل وتعالَت صيحَاته الموجّهة " للقهواجي" طبعا تصلُ حدّ الصُّراخ أحيَانا. هكذا هي المقاهي الشّعبيّة غالبًا ولكم أن تتصوّروا بقية المشهدِ.
من يستعجلُني بسؤالِه عن الطّاولةِ المركونةِ في الزّاوية أُخبِرُه بأنّها تحتضِن الزّبونَ الثّاني، كهل في عقدِه الخامسِ حسنُ المظهرِ فصيح اللّسان إذا تكلّمَ..، فتحَ الجريدةَ واكتفَى بإشارَة إلى النّادلِ الذي ردّ ببديهة " كيما العادة عمي محمد" وراحَ هذا الأخير يقلِّبُ أوراق الجريدةِ بتمعّن وتؤُدة، لا جديد يُذكرُ غير أنّ الافتتاحيةَ تستحقّ القراءةَ رغم الجهدِ والابتذالِ الواضحِ من رئيسِ التّحرير ليكونَ المقالُ في مستوى الجريدةِ. لا بأس اِنصرفَ عمّي محمد مع آخر رشفةٍ دون أن ينتظرَ صديقَه على غير العادةِ.
الزّبونُ الثّالث شابّ في مقتبلِ العمرِ، يرتدي بذلة رياضيّة و يحملُ حقيبة متوسّطة الحجم، وهاتف ذكي يوشي بأنّ صاحبَه ميسورَ الحالِ من خلال المظهرِ على الأقلّ، بعد دردشةٍ مع النّادل تبيّن أنّه غريبٌ عن المدينةِ وصل من توّهِ، يبدو متعبًا وحقّا إنّ السفرَ قطعةٌ من عذاب، لا أخفِيكم أنّ النّادلَ وَسوسَت له نفسُه أنّ الشّابَ قصدَ مدينتَهم السّاحليّة بغية " الحرقة" لا ريب لولا أنّ آذانَه استرقت السّمعَ وهو يخبِرُ صديقَه عبر الهاتفِ أنّه على موعِد طالمَا انتظرَه، اليوم يجتازُ مسابقةَ الدكتورة. آه "إنّ بعض الظنّ إثم".
انصرفَ الشّابُ في هدوءٍ بينما كان النّادلُ يفتّشُ في الذّاكرة ويستحضِر لحظةَ اِنقطاعه عن الثّانويةِ عنوةً لقسوةِ الظُّروف آنذاك، كان ذلك قبلَ عقدين من الزّمنِ. لم ينتبهْ للزّبونِ الرّابعِ لولا مُناداته بكُنيتِه الّتي لا يعرفُها إلّا القلِيل، اِلتفتَ نحو الزّاوية وإذا الرّجُل يعرِفه حقّا، توجّهَ إليهِ مرحّبا ومُبادرا بالقول: أنت زبُون قديمٌ، وفي حديث على عجلٍ سأله الضّيف عن أحوالِ المدينةِ، وعن بعضِ الأصدقاءِ و زملاء المهنةِ وأعيان المدينةِ ليثبتَ اِرتباطَه الوثيقَ بالمكانِ رغم مرّ السِنين، حقيقةً إنّ التّاريخَ يحاصرُ جغرافية المكانِ ولو اِتّسعت، فشتّانَ بين العابرِ والمقيمِ، وبين العارفِ والمُجرِّب. أحادِيث كثيرَة خلّفهَا حديث الرّجلِ عن تجربتِه، واِسترسلَ في سردِه عن أيّامِه الّتي اِنقضت وأحلامه الّتي دُفنت في المدينةِ وعن آمالِه و خيباتِه و الكثير من آلامِ هذا الوطن حدّ الوجعِ .... لن أحدّثَكم عن اللّاحق ممّن سيجلِس على هذه الطاولة، باختصار لأنّ الأحاديثَ تتشَابه كما تتشابَه الأحلامُ في الثّلثِ الأخيرِ من الليل، وتظلّ الآمال معلّقَة ما دام الجالسُ يكتفي بالتّعليق وهو لا يجرّب معترك الحياة بما أوتي من قوّة ووسائل على بساطتها، فالعَزوف العَيوف يرى الأشياء من بعد ويحكم عن الظّاهر، أمّا النجاحات فلا تختار أصحابها .... وللحديث بقية خلّفته فوق الطاولة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.