الاتحاد الإفريقي يوفد بعثته للمصالحة إلى ليبيا    أولوية إخراج المرتزقة ثم توحيد الجيش    المجتمع الدولي يلتزم بدعم الانتخابات اللّيبية    استفتاء حول تقرير المصير أو حرب لا نهاية لها    اتفاق مغربي-صهيوني على اكتشاف البترول والغاز بالداخلة المحتلّة    رفع الحجر الجزئي عن كل الولايات من اليوم    ممثّلو نقابة الأطباء الخواص عند بن بوزيد    تحويل 37 دواءً مستوردا إلى الإنتاج المحلي    الوضع الوبائي بيد المواطن والرّهان على التّلقيح    الجزائر تحتضن الأربعاء الجمعية العامة ال 4 لآلية الإتحاد الإفريقي للتعاون الشرطي "أفريبول"    كشف مجاني لسرطان الثدي وإرشادات لتجنّب الإصابة    ضرورة تصنيف احتفالية المولد النبوي الشريف ببني عباس    الاحتفال بالمولد النبوي: تسجيل 31 حريقا وإسعاف شخصين بسبب استعمال المفرقعات بالعاصمة    «كابتن الزعتري» يحصد جائزة التحكيم في مهرجان جونة    تظاهرة ثقافية وازنة بدار الثقافة كاتب ياسين    35 مشاركا من 16 ولاية في ملتقى خنشلة الأدبي    الوزير الأول: احياء ذكرى المولد النبوي "مناسبة لاستحضار خصال ومآثر الرسول صلى الله عليه وسلم"    وزير العدل يستقبل رئيس جمعية المحامين لسلطنة عمان    بوڤرة يضبط برنامج التحضير ويطالب بوديتين    منتخب "الخيول" يرفض اللعب في تشاكر ويطالب الفيفا بتغيير الملعب    غلام الله يحذر من مخاطر "صهينة الإسلام"    تخفيض يصل إلى 50 بالمائة على نفقات وضع أجهزة "سير غاز"    سطيف: ولادة نمر بنغالي أندونيسي بحديقة الحيوانات    بلجود: الدولة عازمة على المضي في بناء دولة جديدة تتحقق فيها التنمية للجميع    صحفي فرنسي يكشف سبب تجميد ديلور لمشاركته مع الخضر    دعم رباعي للخضر قبل موقعة بوركينا فاسو    وزير الاتصال يشارك في المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون بتونس    بالصور.. بلعابد يشرف على حفل تكريم الفائزين في التصفيات الوطنية النهائية من مبادرة " تحدّي القراءة العربي"    الجزائري أيمن بن عروس يسجل هاتريك جديد..    بشهادة إيطالية.. بن ناصر يستعيد مكانته في ميلان    مالي.. مقتل إمرأة برصاص الجنود الفرنسيين شرق منطقة جوسي خلال مهمة إستطلاعية    "الجزائر تملك احتياطات طاقة غازية غير تقليدية تغطي 150 سنة من الاستهلاك والتصدير"    الرئيس تبون مدعو لزيارة مصر    الكاف يتغنى بأرقام محرز    استئناف الرحلات نحو كندا ورفعها نحو تونس    شوارع مدينة عنابة تغرق في الأوساخ    منتجو شعبة الحليب يدعون إلى إيجاد حل لمسألة هامش الربح    تير يدعو إلى تطوير الثقافة البنكية والمالية بالجزائر    كرة القدم/ الرابطة الاولى (موسم 2021- 2022): خلافة شباب بلوزداد مفتوحة     مركب الحديد والصلب "توسيالي" لوهران: الشروع في إنجاز مصنع إنتاج الحديد المصفح شهر نوفمبر القادم    وزير الصحة:إعادة فتح الفضاءات الرياضية..بشرط    الكاتبة سهام شريط تعرض عملها "جزء من التاريخ .. قصة زوجين"    المشاركون يدعون وزارة الثقافة لإنشاء مرصد للأدب والثقافة المهاجرة    أين صوت المثقف العربي من فلسطين؟    أزمة الغاز    قراءة في كتاب "الخائن والعدم".. شهادات تكشف النقاب عن خفايا وصول ماكرون للسلطة    تيزي وزو: 10 سنوات سجنا نافذة ضد المتهم بقتل جاره طعنا بسكين    توزيع أزيد من 3000 وحدة سكنية بمختلف الصيغ في الفاتح نوفمبر القادم بباتنة    مالي.. الحكومة تكلف رسميا المجلس الإسلامي الأعلى بالتفاوض مع أياد أغ غالي و أمادو كوفا    ورقلة.. توقع انتاج 1.44 مليون قنطار من التمور    هذه شروط السفر عبر الرحلات البحرية من الجزائر    اتفاق مغربي- إسرائيلي للتنقيب عن البترول والغاز في الداخلة المحتلة !    الرئيس تبون يقف بمقام الشهيد دقيقة صمت ترحما على أرواح الشهداء    من واجب الأسرة تلقين خصال النبي لأبنائها    في قلوبهم مرض    عامر بن بكي .. المثقف الإنساني    حقوق النبي صلى الله عليه وسلم علينا    قبس من حياة النبي الكريم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العنف الرمزي في رواية " وادي الحناء " للكاتبة جميلة طلباوي
مساهمة
نشر في الجمهورية يوم 22 - 09 - 2021

«وادي الحناء" رواية للكاتبة والمبدعة جميلة طلباوي، صدرت عن دار ميم للنشر بالجزائر في طبعتها الأولى سنة 2018 ، .. رواية تسافر بالقارئ إلى الأقاصي البعيدة هناك، لتحط رحالها في أعماق الصحراء ضمن مسارات متعددة أثناء العرض والتحليل، وتحت غطاء الدعاوى الزائفة حاولت الكاتبة أن تعالج موضوعا في غاية الأهمية من خلال إبراز مظاهره وتجلياته، وهي رؤيا تسلط الضوء على المجتمع الصغير" تيمي " متسائلة عن الأسباب والعوامل التي أدت إلى ظهور أنماط معينة من التفكير الذي انبثقت منه إشكالات جديدة وأسئلة يومية ممتدة في الزمكان..
فبطلة الرواية " عويشة التيماوية " في هذا السياق لعبت دورا طلائعيا عبر مجريات الحياة داخل الواقع المعيش والمحيط الذي تنتمي إليه، بمواصلة دراستها بكل إصرار وعزيمة متحدية الظروف الصعبة، فقد شكل هذا الأمر عتبة مهمة داخل حركية السرد ، متخطية بذلك الحواجز الصلبة، محاولة قدر الإمكان تجاوز منطق النظام البطريكي الذي ألقى بكامل ثقله على الآخر المختلف/ الأنثى " الضريبة لم تكن سهلة أن كسرت عادات وتقاليد القصر الكبير وسافرت خارج المدينة لطلب العلم، وهذه حكاية أخرى " ولكن في خضم هذا الجو المتوتر، فإن الواقع يبرهن على بنية الإخفاق والابتذال والانحطاط الفكري في ظل تعطل الفاعلية الإيجابية التي تراعي مصلحة الجميع الذكر والآخر/ المرأة، ويتعلق الأمر، في تقليص الحياة واختزالها في أبعاد محددة ضيقة الأفق لا تمت بأي صلة إلى الواقع، وهي تجربة حاملة لخصوصية كان لها عظيم الأثر في البوح عن المسكوت عنه، من خلال إنزال الستار عن عتمة التخلف والجهل المتسيد:
" كلماتي يومها أربكته وهو الذي كان شعلة إصرار وعزيمة، لكنها لم تنتشله هذه المرة من أخطبوط الإحباط الذي بدأ يمد أذرعه الخبيثة ويطوقه ليشل مسيرته الدراسية، بعد أن كان مصرا على مساعدتي من أجل أن أواصل دراستي غير مبال برد فعل أهله ورد فعل مجتمعنا الصغير في " تيمي ". كان يسندني إلى جانب أخي الأكبر موسى، و لالة حليمة زوجة شيخ الزاوية ".
فالروائية جميلة طلباوي من خلال المقطع السردي تبدو هذه الظاهرة في نظرها رؤيا ساذجة تفتقر لإمكانية الفهم وشروط التبادل الإنساني في ممارسته البراغماتية الجادة، فكسر حاجز الصمت يتطلب تخطي الرقابة الاجتماعية وسياسيات القمع والكبت كحالة مصيرية تغوص في متاهات التحديات الكبرى التي تقوض أركان المثال التاريخي المكرور القابع في مخيلة الضمير الجمعي أو الذاكرة، أو بمعنى آخر، فنحن في سباق مع الزمن إما أن نقتل التخلف أو يقتلنا التاريخ بتعبير غازي القصيبي.
كما تتضح معالم هذا الانبطاح في الانكسارات والهزائم في تلويناتها المختلفة، حيث جعلت من "عويشة التيماوية" تتنازل عن سقف طموحاتها بالذهاب إلى وهران من أجل مواصلة دراستها، لصالح الأيديولوجيات المتكلسة والمفاهيم المنحطة والذكورية المتزمتة المنحرفة التي تتنافى رؤاها مع الدين والعلم والحضارة بالمفهوم الواسع لهذا الثالوث، وبالتالي، ففي ظل انوجاد سيادة الوضع القائم، تصبح الحرية ليس ملكا خاصا ضمن الإمكانات والخيارات في أبعادها ومفاصلها المرجوة بل خاضعة لمنظومة عرفية تتخذ على عاتقها تقرير حق المصير، وتجدر الإشارة، هنا، إلى الوظيفة التي أوكلت للمرأة في المجتمع التيماوي الصغير، حيث اقتصر دورها على الزواج وإنجاب الأولاد غير مكترث بتطلعاتها ومتطلباتها النابعة من دواخل النفس البشرية التي تقود المرء إلى الارتقاء إلى مرتبة الإنسانية التي يليق بمقامها :
« صرت متأكدة بأن الفرح الحقيقي في عرفنا هو أن يصبح لي زوج وأولاد، أما الطموح الذي كنت ألهث خلفه لم يكن الفرح الحقيقي الذي تتوق إليه الأنثى ورقة الحناء الجميلة التي تبقى وظيفتها الأساسية تزيين العائلة ".
واستنادا إلى ذلك، تعد إستراتيجية تقديس الأفكار المتوارثة المدخل الأساسي في رسم مسارات الحياة الاجتماعية في أشكالها الرمزية، حيث تستمد مقوماتها وحضورها من الواقع المعيش الذي يعد المتكأ الحقيقي واللبنة الرئيسة للأنظمة الذكورية التي بواسطتها تعمل على صرف انتباه المجتمعات عن القضايا والتغيرات المهمة، وبالتالي، يكون لها انعكاس مباشر على مستوى الوعي الذاتي الأنثوي المنضوي في حقيقة الأمر على مقاصد قبلية في كل عملية إدراكية، ويتجلى ذلك عبر التصرفات والأحاسيس والمشاعر الطافحة بالضعف والخوف في إبداء الرأي والمشاركة في الإجابة عن الأسئلة المطروحة في ساحة الحدث، تقول الساردة:
" أذكر يومها كيف أن السي عثمان انتفض من الغضب وهو يطلب من لالة حليمة أن تساير العصر، وأن تغير من نمط تفكيرها كي تساعد سيدي الشيخ على مسايرة العصر هو الآخر، فتتغير نظرته للسياسة وهو يؤكد لها بأن الحياد ليس في صالح الزاوية، اقترب منها وهمس في أذنها: فكري في المستقبل ".
لأن الذاكرة الإنسانية الجمعية بمثابة الحارس الذي يضرب بيد من حديد، وتتحرك حسب المناخ السائد المنسجم مع الأوضاع الاجتماعية والثقافية..الذي يمنع النبش والحفر في حركة التاريخ بالقضاء على التجاذبات الفكرية والحوارات المنتجة واللجوء إلى سياسة تبرير الأفعال، هذا الأمر أدى بالكتابة لأن تولد من رحم المعاناة والدعاوى الباطلة من خلال رصد المتغيرات المنحرفة التي لم تطلها أيادي النقد والمراجعة التي أفرزتها الوقائع الاجتماعية بعاداتها وتقاليدها التي شغلت حيزا كبيرا في توسيع دائرة الهوة بين الرجل والمرأة، لذلك، فالبوصلة الحقيقية كما ترى الكاتبة والروائية جميلة طلباوي لا تقيم اعتبارا للفوارق الاجتماعية بما فيها فارق اللون الذي شكل عتبة مهمة في حركية السرد وفصول المتن الحكائي لرواية " وادي الحناء ".
ومن أجل الظفر بحياة كريمة ألقت الكاتبة الضوء على اليومي انطلاقاً من التفريق بين الواقع والزيف، إذ جعل من الروائية جميلة بشكل خاص تعمل على تعرية الأوهام المصطنعة وتبيان الوظائف الجوهرية للذوات، يكشف عن الكيفية التي من خلالها يتم إلحاق الجزء بالكل عبر بناء مجتمع مفتوح في تمفصلاته العملية التي يتحقق من جرائها كما ترى المشروع الإنساني الذي تؤطره الممارسات الأكثر موضوعية وعمقا وصدقا والتي تنبع من صميم الواقع الذي يكون بمنأى عن كثير من المفارقات، وقد عبرت عنه الروائية بقولها الآتي" لون الحناء صوت الحياة " إذ تشغل هذه الرمزية المتجلية في لون الحناء القضاء على كل مظاهر الصراع الطبقي الذي يمنح الحياة الاستقرار والهدوء، ويجنب الكينونة القلق الأنطولوجي عبر المسارات الحياتية بحيث يخرجها من القفص الحديدي المغلف بمنطق العادات والتقاليد، وتبعا لذلك، فإن تجاوز الضعف والعجز يترتب عنه شعور يتطلب القفز عن كل أشكال اللامساواة والتفاوت الطبقي الذي يحصل به تقدير الآخر/ الأنثى على مستوى الإيقاع اليومي، فالمرأة مثلها مثل أوراق الحناء فهي تسحق لتزين الآخرين، ونستطيع معاينة ذلك من خلال نبرة الساردة التي جسدت معانيها في سحر الحناء كأفق يتطلع إلى عالم أفضل يطيح بتلك المعاني والدلالات في توحشها وفي منطقها المتعالي المفتقر إلى الحس الأخلاقي :
« لطالما انتبهت إلى سحر الحناء، وإلى السر الكامن في لونها، في رائحتها وفي رمزيتها المرتبطة بالفرح. بدأ وعيي بضرورتها الجمالية مذ كنت طفلة، أمد يدي الغضة لتخضبها والدتي بالحناء احتفالا بالأعياد والمناسبات السعيدة، أذكر أنها كانت تدندن بأغنية مازالت عالقة بروحي: بنيتي وريقة حنة، وبها قلبي يتهنا: فأنام كملاك، وأنهض باكرا لأحل رباط الحناء وأبدأ في تفتيت ما يبس منها ليظهر لونها جليا زاهيا في كفي، أستنشق رائحتها وأسعد ".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.