احتضن المسرح الوطني الجزائري، يوم الخميس، ندوة فكرية قدّمت إضاءات هامة حول أرشيف المسرح الجزائري خلال الفترة الممتدة بين 1973 و1980، وذلك في إطار لقاء علمي نسج على منوال ملتقى ستينية المسرح الوطني الجزائري المنظم في 29 جوان 2024. وأدار الندوة الدراماتورج والمخرج زياني شريف عياد، حيث قدّم الفنان المخضرم عبد الحميد رابية قراءة شاملة للمتن المسرحي العام لتلك المرحلة، مستعرضًا ملامح التجربة قبل خمسة عقود، وما حملته من تحولات فنية وجمالية. من جهته، تطرق الباحث المسرحي كامل الشيرازي إلى السياق العام الذي طبع نتاجات المسرح الوطني الجزائري خلال عشرية السبعينيات، مبرزًا تنوّع الأعمال من حيث الأشكال والموضوعات، وارتباطها بتوجهات اجتماعية وسياسية وثقافية وتاريخية وإيديولوجية عكست روح المرحلة. وبدوره، طرح الباحث إبراهيم نوّال رؤيته حول ملامح التكوين المسرحي في السبعينيات، مستعرضًا نماذج من الاشتغال الفني التي أتاحتها فضاءات المعهد الوطني للفنون الدرامية والكوريغرافية، والمعهد البلدي، إضافة إلى مسرح الهواة. وفي مداخلة تناولت مسألة الاقتباس المسرحي، قدّم الروائي والكاتب المسرحي محمد بورحلة مقاربة تحليلية للاقتباس في السبعينيات، مستندًا إلى نموذج الأخذ عن الكاتب الروسي نيكولاي غوغول، من خلال مسرحية "يا الأخ راك متسلل" (1973)، التي أخرجها عبد الله أورياشي واقتبسها رفقة عبد الحميد رابية عن مسرحية "المفتش"، باعتبارها تجربة عاكسة لسياقها الفني والفكري. وفي ورقته الموسومة ب**"النصوص الجزائرية"**، تناول الإعلامي والروائي والناقد بوزيان بن عاشور أعمال المسرح الوطني الجزائري ما بين 1973 و1980، مشيرًا إلى أن هذه المرحلة اتسمت ببحث فني معمّق تُوّج بابتكار في تصميم الديكور والإخراج، إلى جانب توسّع ملحوظ في القضايا المطروحة. كما واصل الأستاذ الدكتور مخلوف بوكروح اهتمامه بظاهرة الجمهور المسرحي، مقدّمًا معطيات رقمية حول الحضور الجماهيري للعروض المسرحية خلال السبعينيات، ما يعكس المكانة الاجتماعية للمسرح آنذاك. وفي السياق ذاته، توقف الإعلامي والروائي نجيب سطامبولي عند النقد الصحفي للمسرح خلال تلك الفترة، مبرزًا ثراء الكتابات النقدية لجيل من الصحفيين في صحف مثل "الشعب" و**"النصر"** و**"المجاهد"** و**"الجمهورية"** و**"الثورة والعمل"**، ومؤكدًا امتداد هذا الزخم من ستينيات القرن الماضي. ومن جانبه، كشف الأستاذ محمد غرناوط عن معطيات استثنائية في تاريخ الحركة المسرحية بقسنطينة ما بين 1900 و1954، مشيرًا إلى تأليف محمد بلخنشاش مسرحية "صالح باي" سنة 1919، ومبرزًا منهجيته العلمية في توثيق ذاكرة مسرح قسنطينة، المتوّجة بكتاب "قسنطينة ذاكرة مسرح 1974–2014". وعلى النهج ذاته، استعرض غوتي عزري، المدير السابق لمسرح وهران الجهوي، محطات من تاريخ المسرح الوهراني، مستحضرًا حقبة تألق فيها الراحل عبد القادر علولة. واختتم اللقاء بمداخلة لمدير مسرح عنابة الجهوي، مهدي ريزي، الذي ركّز على جهود توثيق الريبرتوار الركحي لمسرح بونة، مؤكدًا أهمية ترسيخ الذاكرة المسرحية وبناء المستقبل عبر نقل التجارب والأفكار إلى الجيل الجديد، في إطار مخبر فني مفتوح يستدعي استثمارًا واسعًا في التوثيق والإبداع.