قدّم الأستاذ والفنان محمد إسلام عباس المسرحية التربوية التوعوية للأطفال «القفّة الذكية»، كتتويج لورشة تفاعلية دامت تسعة أيام، ضمن فعاليات ورشة مسرح الطفل بالمهرجان الوطني الثامن عشر للمسرح المحترف. وجاء هذا العمل ثمرة مسار تكويني استوعب 26 طفلًا، تراوحت أعمارهم بين العاشرة والسادسة عشرة، وشكّل امتدادًا لمرحلة أولى انطلقت خلال الدورة السابعة عشرة للمهرجان (من 20 إلى 30 ديسمبر 2024)، بمرافقة الفنان سمير تواتي. وركّز عباس، من خلال هذا التكوين، على تفعيل الميولات المسرحية لدى الأطفال في ظل التحول الرقمي المتسارع، انطلاقًا من قناعة مفادها أن المسرح لا يمكنه الانفصال عن التحولات التكنولوجية التي يعيشها الجيل الجديد. وتحت شعار «نحمي تراثنا بعقولنا»، جاءت مسرحية «القفّة الذكية» بلغة عربية مبسّطة ممزوجة بالدارجة، لتسلّط الضوء على أهمية التراث والهوية، وتطرح رؤية جديدة لكيفية توظيف التكنولوجيا كأداة لحماية الذاكرة الجماعية بدل أن تكون عاملًا في طمسها ونسيانها. وعالج العمل ثيمات متداخلة، على غرار التراث والهوية، الوعي الرقمي، العلاقة بين الأجيال، وحماية الذاكرة الجماعية، من خلال بناء درامي مبسّط يناسب الفئة العمرية المستهدفة دون التفريط في العمق الفكري والرسالة التربوية. واعتمدت «القفّة الذكية» على شخصيات الجدة، الطفل 1، الطفل 2، الطفل 3، الطفلة، إضافة إلى شخصية السارق في دور صامت، فيما جاء الفضاء الركحي منزليًا بسيطًا، استُخدمت فيه عناصر رمزية مثل القفّة، الهواتف، حامل الملابس، الحايك الأبيض التقليدي، الملابس العصرية، واللباس الأسود الملثّم. وتمحورت الرسالة المركزية للمسرحية حول فكرة مفادها أن التكنولوجيا ليست بديلًا عن التراث، بل وسيلة لحمايته وتثمينه متى استُخدمت بوعي ومسؤولية، في إطار تفاعل إيجابي بين الماضي والحاضر. وفي هذا السياق، نوّه محمد إسلام عباس، مدير مسرح سوق أهراس الجهوي، إلى خمسة أهداف رئيسة سطرتها الورشة، تتمثل في تعريف الأطفال بأساسيات المسرح، استثمار طاقاتهم، تنمية مهاراتهم الأدائية، تعزيز الاعتماد على النفس في التعبير الحر، وتمكينهم من تقنيات وعناصر العمل المسرحي. كما شدد عباس على أهمية إدماج تقنيات الاتصال والتحول الرقمي في عالم المسرح، من أجل رسم مستقبل مختلف لأطفال اليوم، معتبرًا أن المسرح حياة متجددة، ولا بد أن تتطور من داخلها بما يخدم الفن والحياة معًا. وأوضح أن الطفل إذا نشأ في بيئة فكرية متطورة، سيكون أكثر قدرة على الإبداع والعطاء مستقبلاً، مؤكّدًا أن كل ما يُبذل اليوم في مجال مسرح الطفل يصب مباشرة في مصلحته. وأشار المتحدث إلى أن استقطاب الطفل في زمن الشاشات الذكية يتطلب مخاطبته بلغته وأسلوبه، وإدماج التكنولوجيا الحديثة في الأعمال المسرحية، مع الحفاظ على عنصر التشويق طوال مدة العرض، التي قد تصل إلى 45 دقيقة. وفي هذا الإطار، دعا إلى توظيف الفن الحركي (Kinetic Art) والتقنيات الرقمية الجديدة في تقديم نصوص مسرح الطفل، بما يتلاءم مع ذهنيات أطفال اليوم. وخلص عباس، الذي يملك تجربة تمتد لأكثر من 31 سنة في مسرح الطفل، إلى أن تعميق هذا الفن مرهون بتجديد آلياته، إعادة قراءة الموروث برؤية عصرية، احترام ذكاء الطفل وإنسانيته، إدماج التقنيات البصرية الحديثة، واستثمار المسرح كوسيلة تربوية مرافقة تساعد الأطفال على فهم التكنولوجيا واستعمالها بشكل إيجابي ومسؤول. وأكد أن مسرح الطفل لا يقتصر على مخاطبة الصغار فقط، بل يشكّل فضاءً للحوار بين الأجيال، وعنصرًا فاعلًا في بناء الهوية الثقافية وترسيخ القيم لدى طلائع الجيل الجديد.