يبدو عالم اليوم أكثر استجابة ومطواعية للتوجهات الأمريكية، مقارنة بما كانت تبدو عليه الحال إلى سنوات خلت. تراجع إلى حد كبير الأخذ والرد حول "تراجع القوة الأمريكية"، أو بشأن رجعة الحرب الباردة، وفيما عنى التنين الصيني وطرق حريره وسفنه. تراجع الضجيج حول اليورو كمزاحم للدولار، وحول اليوان الصيني وآفاق اقتداره العتيد. لم يتخط اليورو دائرته القارية، ولا استطاع داخلها أن يعوض عن غياب العمق السياسي الموحد. وليس من السهل في ظل رأسمالية الدولة الصينية تحت قيادة الشركة – الجهاز، أي الحزب الشيوعي الصيني، أن يتحول اليوان الى ملاذ مغر للمستثمرين مقارنة بسيولة وسهولة الدولار. أما العملات المشفرة، التي نُظر إليها سابقاً على أنها تضمر كموناً أفقياً، شبكياً، مشاعياً، يزعزع في أقل تقدير "عمودية" رأس المال، ودور المصارف المركزية ووزارات الخزانة فقد تحول من منافس متخيل الى حليف، بعد أن تبنت واشنطن سياسة تملك البيتكوين كأصل احتياطي استراتيجي. واليوم باتت غالبية العملات الرقمية المستقرة مرتبطة بالدولار، ما يجعل نمو قطاع التشفير حافزا على زيادة الطلب العالمي على الدولار الرقمي. لا بل تماشى ربط العملات المشفرة بالدولار مع انتقال السياسة النقدية من النموذج النيوليبرالي المنادي بتحرير الأسواق الى مرحلة من المركنتيلية الرقمية الهجومية والمزاجية. جرى تجاوز النيوليبرالية، ليس بالديمقراطية الاجتماعية، إنما من على يمينها... بمعية المركنتيلية التشفيرية. بدلا من نوستالجيا "اليد الخفية" لدعاة التزاحمية المفتوحة على مصراعيها، حلّت فانتازيا "السوط الجمركي". النيوليبرالية، بل الرأسمالية نفسها، كانت تستظل بوهم أن الثروة يمكن أن تتراكم الى ما لا نهاية. المركنتيلية عنت، سواء حين رافقت بدايات تشكل الرأسمالية الغربية، أو بالشكل التي تستعاد فيه اليوم، عودة الى العلاقة الصفرية: الثروة ثابتة ومحدودة، لا يمكنني أن أربح أنا وأنت. وما ينطبق على مفهوم الثروة بحد ذاتها، يرتبط على ركيزته اليوم: توطين البيانات. مع هذه المركنتيلية الجديدة، لم ترجع الرأسمالية القهقرى الى نمط من الاقطاعية، إقطاعات منصات التكنولوجيا الكبرى، إلا عندما يجري تغييب الانتفاخة التي تشهدها رأسمالية الدولة من أمريكا الى الصينوالهند مرورا بالبلدان الأوروبية، حتى تكاد رأسمالية الدولة في عصرنا ترادف مآل الرأسمالية. فالدولة هي منصة المنصات. وحتى "العملات المشفرة" التي بدأت كتمرد على الدولة، قد تم استيعابها لتصبح رأس مال سيادي. إذا كانت "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" (عنوان للينين)، فإن "تأميم الرقمية" هو أعلى مراحل كل من الرأسمالية والإمبريالية معاً. بعيداً عن رغبويات المعوّلين على منظومة "دول البريكس"، أفهمت الولاياتالمتحدة القاصي والداني في هذا العالم أن الخروج عن منظومة التعامل بالدولار مكلف جدا. فأي جسم مالي يختار العمل ضمن نظام مقاصة بديل يفقد فورا موطئ قدمه في نظام السوفت. بالنتيجة أقلعت الهند والبرازيل عن الخطاب الدعائي حول "عملة البريكس الموحدة" وجاء سن قانون جينيوس الأمريكي في يوليو 2025 ليوصد الباب الذي خاطرت بفتحه تقنية البلوكشين، وفرض معايير صارمة للغاية على أي محفظة رقمية تتعامل بالدولار، وما اتصل بمعرفة العميل ومكافحة غسيل الأموال، بما يجعل أي محفظة لا تفصح عن هويتها وغير خاضعة للرقابة الأمريكية غير قادرة على التحويل إلى النظام المصرفي التقليدي. واشترط هذا القانون أن يكون غطاء العملات الرقمية سندات خزانة أمريكية أو نقداً في البنك المركزي. بالتوازي، زاد اعتماد ادارة دونالد ترامب على سلاح الرسوم الجمركية. استخدمها مع الحليف قبل الخصم. لأجل المقايضة الأمنية مع أوروبا، وحمل بلدان القارة "العجوز" على زيادة إنفاقها ضمن حلف شمالي الأطلسي وشراء الغاز الطبيعي المسار الأمريكي. ولأجل معركة الحدود مع كندا والمكسيك. ولأجل تشكيل سوق جدارية بإزاء الصين، واستنزاف الفائض التجاري الصيني. مع البناء على أن الرسوم الجمركية هي وسيلة لتمويل خفض الضرائب داخل أمريكا وإعادة إنعاش الصناعات فيها. رغم أن العدائية الحربية ضد نظام الرئيس فلاديمير بوتين خفتت بعد انقضاء ولاية جو بايدن، ورغم التعامل الخشن من قبل دونالد ترامب مع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي، إلا أن ما تراجع – رغم استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، هو منسوب التحدي لواشنطن في موسكو. في الوقت الذي جهد فيه بايدن لإلحاق الهزيمة العسكرية بروسيا، راهن ترامب على احتواء موسكو في مقابل رفع كلفة حربها، والجدوى أساسا من هذه الحرب. بعد كل شيء ليس الأمر نفسه أن تشكل خطابك على أنك تحارب أوكرانيا لأنها حصان طروادة يحركه الغرب بقيادة الولاياتالمتحدة، وبين أن يصبح مناطك أن تجيد إدارة ترامب لعب دور الوسيط العادل بين موسكو وكييف. عمل بايدن على منع روسيا من استخدام الأصول الرقمية للالتفاف على العقوبات التقليدية، ساعيا الى عزل روسيا عن "عالم التشفير المالي". إدارة ترامب سعت في المقابل الى امتلاك هذا العالم واستتباعه لبنية تحتية شاملة هي الدولار. أما سلاح الرسوم الجمركية، فقد حمل دولة بحجم الهند كانت تتراخى في الالتزام بالعقوبات على روسيا لتصبح أكثر حذرا. كل هذا قبل غزوة كاراكاس، واختطاف الرئيس مادورو. فقدت روسيا آذاك مركزا أساسيا لغسيل أموال الطاقة. ناهيك عن انقطاع إمداد المصافي الصينية المستقلة من النفط الثقيل الفنزويلي الرخيص. لقد جاء اختطاف مادورو ليفرض مناخاً من المطواعية لأمريكا ليس فقط على فنزويلا الفصامية اليوم، بين "بوليفاريتها" وامتثاليتها العملية، بل على الكوكب كله. لم يسبق أن استشعر الكوكب برمته هذه المطواعية. حتى من بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فقد انسكبت الهيمنة الأمريكية في قالب من "العولمة" الاقتصادية، وبدت مؤطرة في إطار "حلف شمالي الأطلسي" كإمبراطورية غربية شاملة. كانت الأممالمتحدة والناتو والعولمة هي الوسائط، بين الهيمنة الأمريكية والعالم. بحيث يبدو المشهد كما لو أن هذه الهيمنة لا تتم إلا من طريق تلك الوسائط، فيما هذه الوسائط تلطّف من معنى هذه الهيمنة. لم تعد هنا، الدولة الأمريكية التي تخففت من العولمة ومن الأممالمتحدة ومن منظمة التجارة العالمية ومن القانون الدولي وحتى من الحلف الأطلسي هي التي ينتاب الكوكب كله مطواعية شاملة تجاهها، وبمثل هذه المطواعية يجري تتبع مسار التفاوض العويص مع إيران. هذا في الوقت نفسه الذي يتسمر فيه مئات ملايين المشاهدين عبر العالم وهم يشاهدون وقائع تصاعد صخب الانقسام الهوياتي كما الأورجي الإجرامية بين أوليغارشية الحزبين الديمقراطي والجمهورية في جزيرة إبستين. هناك من يأخذه تلقف هذا الصخب الى الإكثار من أحاديث التفسخ .. أن الامبراطورية الأمريكية تتصدّع، ولا-أخلاقيتها بلغت حدا لا يمكنه أن لا يؤثر على أسباب تجبرها مهما تطلب تظهير منحى الأفول من وقت. أما وقد أحبطت البدائل المتخيلة في مواجهة الهيمنة الأمريكية، يجد رافضو الهيمنة ما يحملهم على التعويض عن ذلك بالتعويل على ضمورها القيمي كما على أزمة مديونيتها المتعاظمة، سيما وأن تكلفة خدمة الفوائد باتت تتخطى موازنة وزارة الدفاع الأمريكية بأكملها، وهو ما اقترن بتراجع الحيازات الأجنبية لسندات الخزانة الأمريكية أيضا، الأمر الذي تواجهه أمريكا بالتشنج الجمركي وبالعمل على تصدير التضخم، أو استيراد الغلاء. لا يمكن مع ذلك الرهان على تضخم مديونية الأقوى عسكريا واستراتيجياً. مثلما لا يمكن في المقابل أخذ تقارير صندوق النقد حول المسار التراجعي للتضخم العالمي الا بحذر. في كتابه "صعود وسقوط القوى العظمى" تلقف المؤرخ البريطاني بول كيندي تهاوي الإمبراطوريات المتعاقبة بما يشبه الحتمية: بنتيجة تمددها الزائد. الترامبية هي بمثابة النزوع للالتفاف على هذا الأمر. تقليص الاستنزاف، في مقابل جرعات تذكيرية بالسطوة. التمدد الرقمي، مع عسكرة البنية التحتية. ومن دون العدول عن التمدد الترابي كليا، كما في حالة غرينلاند بل كندا نفسها. هل يمكن أن ينفع كل هذا على طول الخط؟ لكل شيء أجل. لكن الأمد الوجيز يختلف عن الطويل وليس هناك في عالم اليوم ما يمكنه أن يوحي لا أن المطواعية العالمية لأمريكا قابلة للتمأسس، ولا أنها موسمية. في هذه المطواعية يعبر الكوكب عن إرهاق كبير يلم به، وليس فقط عن حيرة لا تنتهي بين انتظار من يقارع أمريكا من خارجها، وبين انتظار من يهدم بيتها من الداخل، وإن كان هناك "حدس عالمي" بأن ترامب نفسه الذي يفرض مناخاً من المطواعية غير مسبوق على الكوكب يعرض البيت الأمريكي لاختبار عسير أيضا. القدس العربي