حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَحِيمٌ" فلا تقس كاملا على ناقص، ولا تقارن صفة قائمة بذاتها على صفة طارئة عاملة بالأسباب أومنفعلة بغيرها على صفة تشبهها في اللفظ ولكنها تحتاج إلى سبب لتقوم، فعزة من سماه القرآن الكريم "عزيز" هي عزة بشرية محكومة بأسبابها الظرفية المؤقتة الزائلة فلا يجوز، مجرد ورود خاطر، مقارنتها بعزة العزيز الذي له العزة جميعا، وحتى الصفات الراقية التي خلعها رب العزة على رسوله (ص) من مثل الرأفة والرحمة في قوله تعالى "حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" التوبة: 128 ، فهي رأفة الله ورحمة من رحمة الله و"نفحة" من نفحات الرؤوف الرحيم محكومة ببشرية رسول الله (ص)، وبما أودع الله فيه من خلق عظيم "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" القلم:04 . بعد هذا الدرس العقدي القويم، يختم الله (جل جلاله) هذه الجولة مع الهداية، وأصناف الناس منها وصفاتهم ومآلاتهم في الآخرة..بالحديث عن السماوات السبع للدلالة على أن هذه الأرض التي نعيش على ظهرها، هي واحدة من سبع أرضين، وأن هذه السماء التي فوقنا هي واحدة من سبع سماوات، فوق هذه سماء الدنيا، وأن من نتعامل معهم من الخلائق المنظورة هم أعداد قليلة من خلق الله، وأن هذه الأرزاق الوفيرة هي جزء صغير مما خلق الله في كونه..وأن "مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا" الحديد:04 ، كله متحرك بأسباب الله وعلمه، لأنه(سبحانه) وتعالى خالق كل شيء " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" البقرة: 29، ولأنه عليم فسوف يعلمكم بما لم تكونوا تعلمون. هنا تبدأ قصة خلق الإنسان ومعها تولد قصة أخرى هي نشأة منهج الإيمان، في الكلمات الأولى التي تلقاها آدم (ع) بأمر واحد هو الأكل من الجنة حيث يشاء، وبنهي واحد هو عدم الاقتراب من شجرة محرمة دل عليها اسم الإشارة "هذه" لتكون معلومة لآدم وزوجه حواء، في أول أوامره ونواهيه لأب البشر في أولى مراحل "التدّرب" على المنهج الإيماني، ومعها قصة ثالثة هي عصيان إبليس (عليه اللعنة) لأمر ربه وتوعّده آدم (ع) وذريته بالغواية والاحتناك، لتعود الأحداث كلها إلى الإصطراع حول مشروعية "الصراط المستقيم" وحول أحقية من يأخذ به بميراث الجنة ومن يحيد عنه تلقاء ميراث النار. إن إيراد جزء مهم من قصة آدم (ع) في سياق الحديث عن المنهج الإيماني الذي كذب به الفاسقون، جاءت كأنها جملة معترضة لتفسير الرابطة التاريخية بين الذين كفروا بمنهج الله من قريش والذين خرجوا عنه من المشركين والكفار في يثرب، والذين أنكروه من أهل الكتاب، لاسيما اليهود الذين كانوا يسكنون يثرب (المدينةالمنورة) قبل هجرة الرسول(ص) إليها، وبين "المعصية الأولى" التي حدثت في تاريخ البشرية مع بداية الخلق، والتي أسس لها إبليس (عليه اللعنة) بردّ أمر الله القاضي بالسجود لأدم (ع) سجود تكريم طاعة لله، فكان منه العصيان والتمرد والقياس الفاسد، ليرسم الله لخلقه المكلفين منهج الإيمان الذي على أساسه تتم حركة المكلفين في الأرض، وعلى أساسه يتم الحساب والثواب والعقاب، فالمتأمل في قوله تبارك وتعالى " كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ" البقرة:28 ، وما تلاها من تعنيف وأخبار بإحاطة اسم الله (جل جلاله) بكل شيء في الآية 29 من هذه السورة، ثم الجملة المعترضة، التي قدّمت شطرا مهما من قصة آدم (ع) وبداية حركة التمرد الإبليسي على منهج الله، إلى آخر آية عقبت على هذا الانحراف بقوله تعالى "وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)" البقرة: 39. قلنا: إن المتأمل في هذه السياقات القرآنية يسجل ملاحظتين، هما قمتا عقيدة التوحيد والولاء والتسليم للمنهج، لأن لهما علاقة وطيدة بما جاء به آدم(ع) وما بُعث به جميع المرسلين إلى خاتمهم محمد(ص)، وهو ما يجعلني أقف طويلا مع قصة آدم(ع) لأبيّن أسرار العلاقة السببية بين كفر إبليس (عليه اللعنة) وكل أنواع الكفر الأخرى ومستوياتها وبواعثها وأهدافها..وبين إيمان جميع الذين آمنوا بالمنهج الذي قدم الله لآدم(ع) نموذجا مصغرا منه في شكل أوامر قليلة ونواه قليلة وتكاليف محدودة، بل هو أمر واحد، ونهي واحد، وتكليف واحد، للدربة والتأهيل على استخلاف الأرض، وكيف تعامل معها آدم(ع) وزوجُه حواء (رضي الله عنها) ببشريتيْهما التي لا يمكن أن تتجرد من الضعف والنسيان والاسترخاء.. أما الملاحظة الأولى، فقد فرضتها منهجية العرض القرآني لموضوع الهداية إلى منهج الإيمان، وكأن البشرية لم تتغير منذ آدم(ع) إلى يوم الناس هذا، فالكفر هو الكفر، والإيمان هو الإيمان، فإذا رَانَ الشرك والكفر وصار للظلم شوكة وسلطان اختفى طابور المنافقين، فإذا استقوى الإيمان توارت حجافل الكفر وطال طابور المنافقين، ولذلك ساق الله جزءا مهما من قصة آدم(ع) في سياق متصل، بين حديث سبق قصة الخلق، وهو الحديث الإيماني المتعلق بكيفيات تعامل المشركين مع منهج الله، وحديث جاء بعد عرض قصة آدم(ع) وهو الحديث المتعلق بكيفيات تعامل أهل الكتاب مع منهج الله، وكأنّ الزمن جامد وحركة الناس فيه رتيبة ولا جديد فيها إلاّ متراجحة كفتيْ ميزان، منهج شياطين الإنس والجن ومنهج مؤمني الإنس والجن ورجحان كفة أحد المنهجين في حركة تدافع لا تتوقف. وأما الملاحظة الثانية، فتمثلها انكفاءة النص القرآني على نفسه، في مسألة العقيدة الثابتة، وهي التوحيد (مهما تغيرت الشرائع) ليبيّن للناس جميعا لماذا خلق الله هذا الكون؟ ولمن خلقه؟ ولماذا هيأه للإنسان؟ ومن هم المؤهلون لعمارته وماهو أصلهم؟ ومن أين جاؤوا، وكيف جاؤوا؟ وماهي الرسالة التي كلفوا بحملها؟ وماهي بداية "العداوة" بين الخير والشر؟ وما هو سببها الأساس؟؟ وكأن النص القرآني أراد أن يفتح ملف القصص القرآني في هذه السورة الأولى في الترتيب المصحفي- بقصة بداية خلق الإنسان، وكيف خُلق ومما خُلق..الخ، وعلاقة كل ذلك باستخلاف الأرض وبالمنهج الإيماني الذي وهبه الله لآدم (ع) وذريته، لذلك كانت اللقطات التي ساقها المولى(جل جلاله) في هذه السورة "مؤسِّسة" لما بعدها، لأنها تحدثت بإسهاب ووضوح عن مشيئة الله التي كشف عن جزء منها لملائكته (ع) بأنه جاعل في الأرض خليفة، أي أن هذا الإنسان لم يكن موجودا قبل هذا الإخبار الرباني- وكانت الأرض خالية من البشر، وشاء الله أن يعمرها بمن سوف يخلقه من تراب الأرض. ولأن المنهج الإيماني (آوامر ونواه وتكاليف)، بدأ مع بداية خلق آدم(ع)، فسوف أستعرض قصته كاملة، في هذا السياق، لأعتمدها "مرجعا" عاما لما سوف يأتي بعدها، وأكتفي عند ورود أي لقطة إضافية عنه- بالإحالة على هذا العرض الطويل، لاعتقادي أن فهم "جذور" العداوة بين آدم(ع) وإبليس (عليه اللعنة) سوف يضع بين أيدينا مفاتيح كثيرة لكل "ألغاز" العداوة بين معسكر الإيمان ومعسكرات الكفر والشر والفسق والضلال بكل مستوياتهم وبجميع أشكالهم وأصنافهم، في كل زمان وفي جميع بقاع الأرض، من منطلق أن الكفر ملة واحدة " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) " البقرة 30 /39. في هذه الآيات فقه عظيم لصناعة الحياة وفق المنهج الذي رسمه الله لآدم (ع) ولذريته أجمعين، إلى قيام الساعة، بعنوان كبير ضخم هو: أن صدور الآوامر والنواهي من الله للمخلوقين لا تقبل نقاش، ولا المراجعة، فهي تكاليف للتنفيذ، وليست "اقتراحات" للنقاش، فالله هو الذي يقول، وأقواله أفعال. وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا وقلنا: يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة. ولا تقربا هذه الشجرة. وقلنا: اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ قلنا: اهبطوا منها جميعا.. هذه هي المعالم الكبرى للمنهج الإيماني الذي بدأ آدم (ع) "التدرّب" عليه في مكان علوي من هذا الكون، ثم نزلت به المعصية التي تلتها توبة- إلى الأرض، فكيف كانت البداية؟ ولماذا أُنزل منهج السماء إلى الأرض؟ وهل علَّم الله آدم (ع) الأسماء أم المسمّيات؟، وكيف علمت الملائكة (ع) أن هذا المخلوق الجديد سوف "يفسد في الأرض ويسفك الدماء"؟؟ يتبع…