مشروع قانون الإنتخابات ...60 بالمئة من المواد جديدة كليا    بالصور.. العميد نورالدين قواسمية في زيارة إلى مدرسة أمن الطرقات ومركز التكوين والتكاثر السنوتقني بباينام    العاصمة: تفكيك شبكة إجرامية أثارت الرعب بين السكان    بسكرة: وفاة سيدة وابنتها في حادث مرور باوماش    أول تعليق من زطشي بعد إستبعاد ملف ترشحه من " الفيفا"    الإرهابي المكنى "أبة" يسلم نفسه للسلطات العسكرية ببرج باجي مختار    21 سؤالا ينتظر 7 وزراء بالبرلمان هذا الخميس    جيجل: إنتشال جثة فتاة بالشاطئ الصخري للمنار الكبير    سيدي بلعباس: وضع حيز الخدمة لشبكة الغاز الطبيعي لفائدة أكثر من 360 عائلة برأس الماء    هذا ما قاله عطّار لرئيس بعثة الأوروبية بالجزائر    الرابطة الثانية لكرة القدم : جمعية وهران تستفيد من إعانة مالية من السلطات الولائية    تصعيد النزاع بين البوليساريو والمغرب يهدد الاستقرار الإقليمي    الفنانة هيفاء رحيم:أحلم بتجسيد سيرة حياة الفنانة وردة الجزائرية.    صفقة انضمام بن العمري للأهلي السعودي تتجه نحو الفشل    زغماتي: الاعتداد بنسخ شهادات الميلاد الرقمية لاستخراج صحيفة السوابق القضائية    التجارة الإلكترونية في الجزائر.. هل تحل محل التقليدية؟    صبري بوقادوم يزور ليبيا    ارتفاع طفيف في أسعار النفط    بن رحمة بعيد عن التهديف مجددا رغم تألقه    صندوق "الكناص" يفتح أبوابه استثنائيا يومي الجمعة والسبت    وهران : استلام قريب ل 700 مسكن عمومي إيجاري بوادي تليلات    بطراوي: استهلاك 50 ألف طن من اللحوم البيضاء شهريا    السيد بوقدوم: ضرورة التمسك ب"الموقف الإفريقي الموحد" لتمكين القارة من مقعدين في مجلس الأمن    سلفستر ستالون يعرض قصره للبيع بسعر 130 مليون دولار    السعودية: رئاسة الحرمين تقترح تغيير ساحات المسجد الحرام    وفاة الصحفية تنهنان لاصب سعدون    إصابات كورونا العالمية تتجاوز عتبة ال 100 مليون حالة    مع بدء توزيع اللقاحات.. إرتفاع في عدد الإصابات والوفيات بفيروس كورونا في المغرب    غراندميزون: رفض فرنسا الاعتراف بجرائمها.. "تملص مشين تاريخيا وسياسيا"    عالم سياسي فرنسي.. ماكرون يظهر ازدواجية ملحوظة بخصوص الأرشيف المصنف على أنه سر-دفاع    مجلس الشيوخ الأمريكي يؤجل قرار محاكمة ترامب    ليس غريبا أن يتصدّر الإعلامي الصفوف الأولى    نبراس التاريخ والذاكرة الوطنية    الاستحقاقات المقبلة فرصة لتكريس الشفافية    الرقمنة النواة الأساسية لمحاربة التهريب والفساد    وزير الخارجية بوقدوم يُستقبل من طرف رئيس جمهورية الكونغو    رفض فرنسا إبداء الندم وتقديم الاعتذار للجزائر أمر "مقلق"    شرقي يعرب عن قلقه إزاء الوضع في "جدو" بالصومال    التلقيح الوسيلة الأنجع للحد من خطر "كوفيد 19"    5 وفيات.. 243 إصابة جديدة وشفاء 193 مريض    "آلان بورت" يرغب في مواصلة مشواره مع "الخضر"    سفير فلسطين يستبعد إمكانية عقد مؤتمر دولي للسلام    بلماضي في زيارة لملعب "تشاكر"    تعادل أمام التلاغمة وودية أمام "الكاب"    بطاقتان حمراوان و أول هزيمة للمولودية    "كوفيد 19" دفع بالثقافة إلى احتلال منصات التواصل الاجتماعي    جديدنا مجلة تكون الصيغة المكتوبة لندواتنا    برنامجنا المتنوع كان عامل جذب مهم    51 ألف مسافر استعملوا القطارات منذ استئناف الرحلات    سدود لا تسدّ...؟!    نشاط 35 بالمائة من التجار غير قانوني وملزمون بالشطب    تعاون مقاولاتي    الانتقال الطاقوي تأخر كثيرا في الجزائر    الواجب الإنساني كان دافعنا لتحدي الموت    إبنة الراحلة عبلة الكحلاوي تكشف عن وصيتها الأخيرة    وفاة الداعية عبلة الكحلاوي متأثرة بكورونا    كورونا تفتك بالداعية عبلة الكحلاوي    وفاة الداعية الدكتورة عبلة الكحلاوي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الزّهد في الدّنيا والزّهد في الآخرة!
نشر في الخبر يوم 04 - 12 - 2020

لفظ أو مصطلح (الزّهد) لم يرد في حديث ثابت، بل ما ورد إلاّ في الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، ولكن معناه جاءت فيه أحاديث كثيرة وقبل ذلك آيات قرآنية، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “والقرآن مملوء من التّزهيد في الدّنيا، والإخبار بخستها، وقلتها وانقطاعها، وسرعة فنائها. والتّرغيب في الآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها. فإذا أراد الله بعبد خيرا أقام في قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة.. ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار”.
ومن ذلك قوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ} النحل:96، {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} النساء:77، {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} الأعلى:16، {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} طه:131؛ ولهذا وجدنا كثيرا من الأئمة الكبار ألّفوا كتبا وعنونها به، ومن هؤلاء الأئمة الذين تركوا لنا كتبا بعنوان (الزّهد) الإمام ابن المبارك، والإمام أحمد، والإمام أبو داود، والإمام وكيع، والإمام هنّاد بن السّري والإمام البيهقيّ، وغيرهم رحمهم الله تعالى، وفي ذلك دلالة كبيرة على أهمية هذا الخُلق ومركزية هذا المقام الجليل في منظومة التزكية الإسلامية، وتزداد قيمة هذا الخلق أهمية وخطورة في زمننا هذا الذي غلبت عليه المادية وركب النّاس فيه الشّبهة والحرام من أجل المادة ومتاع الدّنيا القليل.
لا أريد أن يكون حديثي ترغيبا في الزّهد وبيانا لفضله، فهذا السياق كثيرا ما سمعنا فيه المواعظ والدّروس، ومنّا من قرأ فيه الكتب والطّروس! وإنّما أريد أن أتحدث عن الزهد في واقع الناس، حيث التناقضات والتقلبات والعجائب والغرائب! ومن أعجب العجائب أنّ أول خاطر خطر على قلبي هو فكرة الزهد في الآخرة! فمُذ كان الزّهد ومنذ وُجِد الزّهاد كان زهدهم في الدّنيا الفانية وزينتها الزائلة ومتاعها القليل الضّئيل، ولكنّنا نعيش زمانا زهد أكثر الناس فيه في الآخرة! سواء أمم الكفر التي ذهبت بهم المادية بعيدا بعيدا، فخاضوا لجج الشّذوذ بكلّ صوره وأنواعه! وغرقوا في بحر الغرور بآماله الكاذبة وأمانيه الخادعة: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين}، أو الكثير من المسلمين الذين ابتعدوا عن قيم دينهم قليلا قليلا، ونقضوا أحكامه عروة عروة، وقلّدوا الغرب تقليدا أعمى حتى قلّدوه في الزهد في الآخرة، وفي شذوذاته البائرة، ومساراته الخاسرة، ومبادئه الكافرة، وأخلاقه الفاجرة! قال صلّى الله عليه وسلّم: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضَبٍّ لسلكتموه»، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنّصارى؟ قال: «فمن؟!»، رواه البخاري.
إنّ زهد الكفار في الآخرة مفهوم وإن كان منكرا كبيرا، فأكثرهم لا يؤمن بها أصلا، فمن الطبيعي بالنسبة إليه أن لا يحسب لها حسابا ولا يهتم بها أساسا، والآخرون منهم عقائدهم ضالة وتصوراتهم منحرفة، فلا يقدرون للآخرة قدرها! ولكن العجب حقّا حين يزهد مسلم في الآخرة! والإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان التي لا يجهلها جاهل، ولا يخفى علمها على صغير أو كبير!، ولكن من أصدق من الله قيلا: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.
ثم خطر لي خاطرٌ ثانٍ تمثّل في هذا السّؤال: هل يحقّ لنا نحن المسلمين في هذا الزمان وهذه الظروف أن نكون زهّادا؟! إنّ تصوّر كثير من المسلمين للزّهد تصور خاطئ! إذ يجعلون الزهد مرتبطا بالفقر أو مظهرا من مظاهره أو يجعلون الفقر شرطا أساسا له! وهذا لا شكّ سوء فهم لمعنى الزهد، فداود عليه السّلام كان زاهدا مع أنّه ملك! وأبو بكر الصّديق رضي الله عنه كان زاهدا مع أنّه كان من أغنى الصّحابة! وكذا عبد الرحمن بن عوف والزّبير بن العوام وغيرهما من سادات الصّحابة والتابعين، ومثلهم كثير من العلماء الذين يعدّون من الزّهاد مع أنّهم كانوا من الأثرياء! وأبرز مثال لهم الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله فهذا العالم العَلَم كان من أغنى الناس، وكان من أكبر الزّهاد في الوقت ذاته! وله كتاب شهير عنوانه ((الزّهد))! فليس الزّهد إذًا فقرًا ومسكنة، بل الزّهد سلوك نبيل يتسامى بنفس صاحبه عن حطام الدّنيا الفانية مع امتلاكها والقدرة عليها! أمّا من زهدت فيه الدّنيا -كحال المسلمين اليوم- فهذا لا سبيل له لأن يكون زاهدا، ولا لأن يحدث النّاس عن الزّهد وفضائله!
إنّ الزّهد في الدّنيا هو نِتاج معرفتها في حين أنّ الزّهد في الآخرة هو نتاج الجهل بها! كما أنّ الزهد في الدّنيا فرع عن امتلاكها والاقتدار عليها في حين أنّ الزّهد في الآخرة فرعٌ عن الكفر بها وعدم التّفكير فيها أصلا! والأصل أن يكون المسلم متمكنّا في الدنيا، زاهدا فيها بعد اقتداره عليها، غير مغتر ولا غافل بزخرفها وزينتها! راغبا في الآخرة ساعيّا لها، حريصا على ما ينجيه فيها، مستعيذا بالله تعالى ممن زهدت فيهم الدّنيا، وممن زهدوا في الآخرة!!!
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.