بقلم: سعيد الشهابي لماذا لا يستطيع الغرب أن يعيش إلا باختلاق الأزمات للآخرين؟ أليس بإمكان زعمائه تطوير أدائهم ليتناسب مع القيم العالمية التي توافقت عليها الشعوب منذ الحرب العالمية الثانية؟ لماذا لا يسود مبدأ أنا وأنت بدلا من إما أنا أو أنت ؟ وماذا يعني مصطلح التعايش السلمي إذا كان البقاء مرتبطا بما يملك كل طرف من قوّة عسكرية مفرطة؟ فليس هناك من معنى منطقي لأساليب الاستئصال والاستبعاد في عالم يطلق زعماؤه شعارات تروّج للحوار والتفاهم بدلا من المواجهة والاقتتال. فهذا لا يتحقّق بإصرار الطرف القويّ على توجيه السياسة العالمية وفق رؤاه ومصالحه فحسب. وكان صادما جدّا حالة الصمت الدولية التي تفشل في منع العدوان وتخذل المغلوبين على أمرهم بعدم منع حدوث الحرب. ويتذرّع الكثيرون بأن أحدا لا يستطيع الاعتراض على أمريكا أو منع عدوانها. وفي هذه الحالة يُفترض عقد جلسات لمجلس الأمن الدولي لمناقشة العدوان قبل حدوثه وخلال ذلك وبعد انتهائه. ولكن الواضح أن هناك إحجاما دوليا عن محاولة عرقلة المشاريع الأمريكية خصوصا تلك التي يتصدرها دونالد ترامب. وهذه ليست حالة صحّيّة أبدا بل أنها تراجع كبير عن المسؤوليات الإنسانية التي تقتضي منع حدوث العنف. والغريب أن تتماهى دول كبرى مثل روسيا والصين والهند مع سياسات ترامب وتحجم عن التعرّض لممارسات الرئيس الأمريكي. فما قيمة ترسانات الأسلحة لدى هذه الدول؟ وما جدوى الثروات الاقتصادية العملاقة لديها؟ وأين هي الدبلوماسية المتحرّكة التي تهدف لوقف النزاعات المسلّحة والحروب؟ أين هو داغ همرشولد الذي ضحّى بحياته في طريقه للتوسط في نزاع الكونغو في العام 1961 عندما كان أمينا عاما للأمم المتحدة؟ وأين هو خافيير ديكويلار الذي نشطت الأممالمتحدة في عهده نسبيا وأصدرت بيانات عديدة حول الحرب العراقيةالإيرانية وصولا إلى القرار 598 الذي أوقف الحرب في جويلية 1988؟ في عالم تتعدد أقطابه يُتوقع حدوث اختلاف في أولويات هذه الأقطاب ومصالحها واستراتيجياتها. ولمنع التصادم بين الدول يُفترض أن يُحترم دور الأممالمتحدة التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية للتعبير عن رغبة الأطراف الدولية التي خاضت تلك الحرب المدمّرة في تثبيت قواعد الحوار والتفاهم بدلا من اللجوء للقوّة عند أول اختلاف في السياسات. وبدون ذلك فكأنّ العالم أكمل دورة استمرت ثمانية عقود شهدت بعض الأدوار البنّاءة للأمم المتحدة في احتواء الأزمات والسعي لمنع الحرب ولكنها لم تنجح في إقامة نظام دولي محكم يحول دون نشوب النزاعات المسلّحة بتكريس الحوار كخيار أول عند الاختلاف. ولا بدّ من الاعتراف بأنها لم تنجح في ذلك تماما فقد حدثت الحرب الكوريّة وخمس حروب بين العرب و إسرائيل وحرب شبه القارّة الهندية (1972) والحرب العراقيّة – الإيرانيّة (1980-1988) ولكن كان للأمم المتحدة دور في وقفها بعد أن أنهكت الأطراف المشاركة فيها. ومن المؤكد أن هذا ليس وضعا مثاليا لأن المطلوب أن لا يحدث الصدام المسلّح الذي ينجم عنه مصرع الآلاف من البشر. وفي الغالب لا ينجم عن تلك الحروب تغيرات جوهرية في التوازن السياسي أو العسكري. فحتى أمريكا لم تستطع حسم الحروب لصالحها دائما برغم قوتها المفرطة فما أن تنتهي من حرب حتى تلاحقها تبعاتها وتؤسس بذلك لحروب قادمة. إنها دوامة الصراعات المسلّحة التي تحصد أرواح البشر وتستنزف ثروات البلدان وتسلب الأمن عن الشعوب. العالم يعيش هذه الأيام هاجس التنمّر الأمريكي في الشرق الأوسط وما يمكن أن ينجم عنه من تكريس للأزمات بدلا من حلّها. وصراع واشنطن مع إيران مضى عليه قرابة نصف قرن وما يزال يمثل هاجسا لدى البلدين. ولن تكون هذه المرّة مختلفة عن سابقاتها. فالصراعات المسلّحة تلاحق القائمين بها ردحا وتؤسس لنزاعات أخرى قد تكون أكثر دمويّة. وامتلاك أمريكا ترسانة عسكرية هائلة غير مسبوقة في التاريخ البشري الحديث لا يضمن لها انتصارا كاسحا في كل مرّة. ولذلك تسعى لعدم التورّط المباشر وتتجنّب استخدام قوّاتها البرّيّة لعلمها بما يمكن أن تتكبّده من خسائر. ويكاد يكون هناك إجماع على أن الحروب لا تُحسم إلا باستخدام القوّات الأرضية كما حصل مؤخرا في فنزويلا فقد اكتفت إدارة ترامب باختطاف رئيسها نيكولا مادورو وبذلك أزاحت الرئيس الذي لم تستطع التفاهم معه وبقيت حكومته قائمة مع أنّها ليست صديقة للولايات المتحدة. وهذا ما يحدث عندما لا تستخدم القوّات البرّيّة. فأمريكا تعتمد بشكل مباشر على قوّاتها الجوّيّة العملاقة وما تمتلكه من طائرات مدمّرة خصوصا اف-35 المتطورة. ولا يمكن التقليل من خطر هذه الطائرات. ويكفي إلقاء نظرة على ما تكبّدته غزّة من دمار ليس له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية إذ تمّت تسوية أغلب المباني بالأرض وأصبح على دول العالم إعادة بنائها. وبقي أهلها يعيشون بين الأنقاض ويرفضون النزوح عنها إلى مناطق أخرى برغم المحاولات الأمريكية لحثهم على ذلك. وكان يتوقّع أن تكون عروضه لهم مغرية جدّا بحيث يفضّلونها على البقاء بين ركام منازلهم ولكن ذلك لم يحدث. *هاجس التنمّر الأمريكي في الشرق الأوسط الواضح أن الرئيس الأمريكي بعد أن يئس من الحصول على جائزة نوبل للسلام ترك الحبل على الغارب وانفتحت شهيته على الحرب. وسوف يسجّل التاريخ إذا ما اندلعت أن العالم عجز عن اتخاذ موقف يمنع حدوثها ويجنّب منطقة الشرق الأوسط وشعب إيران مآسيها. والواضح أن الدول الأعضاء الثابتين بمجلس الأمن تحاشوا إزعاج الرئيس الأمريكي خشية ردود فعله غير المحسوبة. ومن المتوقّع أنه سيستمع للدعوات التي تحثه على التراجع وعدم شنّ حرب على إيران. فالذرائع التي طرحها لا تقنع الكثيرين. فقمع المتظاهرين الإيرانيين كان بالإمكان احتواؤه أو التخفيف منه بالوساطات من دول الإقليم بدلا من استغلال ذلك لشن حرب شاملة ستأتي على الأخضر واليابس. أما إسقاط النظام الإيراني فيجب أن لا يكون هدفا يبرّر التدخلات الأمريكية. فإيران ليست فنزويلا ولا هاييتي ولا العراق. ومن المؤكّد أن استمرار الأمريكيين في سياسة التنمّر والابتزاز لن تخدم أمن العالم واستقراره بل ستضيف لأسباب التوتر والخلاف بين الدول. ولا شكّ أن صمت الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية يساهم في تشجيع أمريكا على التدخل واستخدام القوّة ضد مناوئيها. فأين هو الاتحاد الأوروبي؟ وأين هي روسيا والصين؟ وأين هي التكتلات الإقليمية مثل أسيان و بريكس عن هذا التصدع الأمني والتهديد المستمر لأمن العالم واستقراره؟ فإذا عجز العالم عن التصدّي لسياسات ترامب فالأرجح أنها سوف تساهم في حدوث استقطاب دولي غير مسبوق وسوف تُستبدل لغة الحوار والتفاهم بلغة الدم والحرب. بعد أن آلت صفحة الحرب الباردة إلى التلاشي والزوال هناك مؤشرات قويّة على توجه العالم نحو حروب ساخنة بعد أن غاب الصراع الأيديولوجي عن المشهد وتلاشت خطوط التمايز بين الأنماط العديدة من الممارسات السياسية والتحالفات وتغيّرت أولويات الدول. وسيكون الخلاف الحالي بين أمريكاوإيران مؤشرا لمدى قدرة الدبلوماسية الدولية على منع الحرب وإعادة الأممالمتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى المسرح الدولي لترويج الأمن والسلم الدوليين. إن ضمان أمن العالم يحتاج لقادة أكفاء ولديهم مشاعر إنسانية فيّاضة واستيعاب لحركة المجتمع والسياسة. إن انتشار الأسلحة المدمّرة خطر محدق بالعالم. صحيح أن هناك قوانين ومعاهدات دولية تنظّم العلاقات بين الدول ولكن نزعة بعض الحكام لاستعراض القوّة والانتقام يضعف أثر الاتفاقات. والأمل أن تتعمق المشاعر الإنسانية ومنطق السلام لدى أصحاب القرار فذلك يساهم في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.