الهدف .. الألعاب الأولمبية    البروفيسور قاشي فتيحة: تراجع في بعض أنواع السرطان في الجزائر    الطارف..أيام طبية لجراحة الأطفال ببوحجار    وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية : وضع جهاز متكامل لتموين السوق خلال رمضان    تعزيزا للانفتاح الأكاديمي ودعما للنشر العلمي ذي البعد الدولي..الشروع في طبع مجموعة من الكتب الجامعية باللغة الإنجليزية    المديرية العامة للأرشيف الوطني : ضبط وتوحيد المصطلحات الأرشيفية محور يوم دراسي بالجزائر العاصمة    وزير الصحة يلتقي بنقابة الأعوان الطبيين في التخدير والإنعاش    الجزائر- كوبا : التزام مشترك بمواصلة تنسيق والتشاور وتعزيز التعاون    المديرة العامة لصندوق النقد الدولي"الاقتصاد الجزائري تعافى بشكل جيد"    صمود الشعب الصحراوي    رانجيل سعيد بزيارة الجزائر    من أجل مرجعية أصيلة..    نحو بناء منظومة أخلاقية تتناسب مع تراثنا الديني والثقافي    وصول مئات الحافلات    سايحي يستقبل ممثلة البرنامج الأممي الإنمائي    محاولات لإغراق الجزائر في المخدّرات    الحرب الأوكرانية الروسية تشتعل    بوابة الاستعداد لرمضان..    دعاء في جوف الليل يفتح لك أبواب الرزق    التعامل مع الناس.. والأمل المفقود!    تمجيد قسد / تأثيم حماس : ثنائية الإفك    ضرورة توسيع التعاون العملي عبر برامج علمية مشتركة بين البلدين    يعزي مجيد بوقرة في وفاة والده    استشهاد شاب برصاص الاحتلال الصهيوني    بين منطق القوة والهشاشة البنيوية ج2    يحقق للجزائر تموقع أكبر ضمن سلاسل القيم الإنتاجية    اجتماع هام ترأسه الوزيران عرقاب و عجال بمعية السيدة طافر    الوزير الأوّل: الجزائر أرض المعجزات    الجزائر تتدعّم بخمسة سدود جديدة    مولوجي تبرز عزم القطاع على مواصلة العمل    هواية الغوص في تيبازة.. ولع لاكتشاف البحر وحماية البيئة    "المقطفة" و"الدرسة" و"الشاربات".. تحضيرات المرأة البليدية في شعبان    بن ناصر يغيب عن تربص مارس ويورط بيتكوفيتش    تنقل صعب للوفاق إلى بشار وأولمبي الشلف للتأكيد    التفكير منصب حاليا على التأهل لدورة الامتياز    الرئيس تبون يضع الجالية في صلب اهتماماته    ارتفاع كمية المخدرات المحجوزة إلى أزيد من 8 قناطير    رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي في الجزائر بعد رمضان    150 مشروع استثماري بعين تموشنت    غارا جبيلات مدرسة وطنية لصناعة كفاءات الغد    "الدوبارة".. من واحات بسكرة إلى أزقة عنابة العريقة    الإبداع الإسلامي بخصوصية جزائرية متجذّرة    سوريا : بدء انتشار الأمن في الحسكة وعين العرب    لأول مرة منذ نحو عامين..12 فلسطينيا يصلون غزة من معبر رفح    حق الشعب الصحراوي لا يسقط بالتقادم    الاحتلال الصهيوني يجدد اعتداءاته على الضفة الغربية    برنامج متنوع ممتد للفنون والفكر الإسلامي    استكتاب حول الجهود الجزائرية في الدراسات الثقافية    تصدير المواد الأولية لصناعة الأدوية إلى تونس قريبا    المولودية تنعش آمالها    كقطب إقليمي الجزائر مؤهلة لتموين القارة الإفريقية بالأدوية    حظوظ الشبيبة تتقلّص    رحو مدرّباً لمازيمبي    قويدري: العمل على تحقيق رقمنة شاملة لقطاع الصناعة الصيدلانية في 2026    لحظات حاسمة في محطات تاريخية فارقة    التوعية للحد من استعمال المضادات الحيوية    الرالي السياحي الوطني للموتوكروس والطيران الشراعي يعزز إشعاع المنيعة كوجهة للسياحة الصحراوية    شهر شعبان.. نفحات إيمانية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نحو بناء منظومة أخلاقية تتناسب مع تراثنا الديني والثقافي
نشر في أخبار اليوم يوم 04 - 02 - 2026


مراصد
إعداد: جمال بوزيان
استمرار الأمم مرهون باحترام سُلَّم القِيم..
نحو بناء منظومة أخلاقية تتناسب مع تراثنا الديني والثقافي
تَرصُدُ أخبار اليوم مَقالات فِي مختلف المَجالاتِ وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ لها وقراءتِها بِأدواتِهم ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ الأساتذةِ والنُّقَّادِ والكُتَّابِ وضُيوفِ أيِّ حِوار واستكتاب وذَوِي المَقالاتِ والإبداعاتِ الأدبيَّةِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ.
*****
العولمة ومنظومة قيم الأخلاق
أ.محمد حيدوش
الأخلاق حاجة إنسانية قبل أن تكون علمية وهي ركيزة بناء الإنسان والمجتمع الصالح. تُعرف الأخلاق لغة بأنها جمع خلق والخلق مصدر يدل على التقدير والطبع والسجية وهي الصفات والسجايا التي تميز النفس الإنسانية فطرية أو مكتسبة. اصطلاحًا هي صفات مستقرة تؤثر تأثيرًا محمودًا أو مذمومًا على سلوك الإنسان وتُعد الإطار الذي يوجه الإنسان بين الخير والشر والصواب والخطإ وهي من الدوافع الحية التي تحكم التصرفات وتُعد مرجعًا قيميا وثقافيا لكل مجتمع.
أهمية الأخلاق في تربية المواطن الصالح
تُعد الأخلاق الأساس في تكوين المواطن الصالح الواعي بمسؤولياته وحقوقه فهي تُرسخ القيم التي تجعل من الإنسان عضوًا فاعلًا ومساهمًا في ازدهار مجتمعه. الدراسات الحديثة تؤكد ضرورة تعزيز الأخلاق في التربية المدرسية والمجتمعية كجزء لا يتجزأ من تنمية حس المواطنة والانتماء الوطني لما لذلك من أثر في بناء شخصية متزنة وملتزمة بالقيم الإنسانية والدينية قادر على مواجهة تحديات العصر بالحكمة والرزانة.
مقارنة بين الأخلاق في المجتمع الغربي والمجتمع الشرقي
تتشابه القيم الأخلاقية الجوهرية في معظم المجتمعات كالشجاعة والعدل وضبط النفس والصدق لكن طرق تطبيقها وأولوياتها تختلف بسبب الخصوصيات الثقافية والاجتماعية. ففي المجتمعات الشرقية تُعد الروابط الأسرية والاجتماعية والعشائرية عنصرًا أساسيًا في تحديد السلوك الأخلاقي ويراعى فيها التقاليد التي تفرض احترام الكبير والاحتفاظ بالمكانة الاجتماعية حتى وإن أدى ذلك إلى بعض التقاليد والتقييدات على الحرية الشخصية. أما في المجتمعات الغربية فتسود القيم الفردية والكرامة الشخصية ويتم الحفاظ عليها حتى في رعاية المسنين الذين قد يعيشون في دور خاصة بعيدًا عن الأسرة مع احترام لحقوقهم وكرامتهم.
تأثير العولمة والإنترنت على الأخلاق
العولمة الحديثة رغم مزاياها في ربط الشعوب وتيسير التواصل حملت آثارًا سلبية على منظومة القيم الأخلاقية للمجتمعات. فقد ساهمت في تشتيت الهوية الثقافية وتغليب مبادئ الاستهلاك والرفاهية الزائفة مما أدى إلى ضعف الروح الوطنية وانهيار البوصلة الأخلاقية عند الشباب خصوصًا. الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي تطرح تحديات إضافية تتمثل في انتشار القيم غير البناءة وانعدام الرقابة الذاتية مما يستدعي بناء منظومة أخلاقية متينة تتوافق مع تراثنا الديني والثقافي.
تطوير الأخلاق في منظور إسلامي
في الإسلام الأخلاق ليست مجرد قواعد سلوكية بل هي جوهر الدين وغاية بعث الأنبياء كما قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . التربية الأخلاقية في الإسلام تقوم على تنسيق القلب واللسان والجوارح وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات. لتطوير أخلاقنا في العصر الحديث لا بد من إعادة الاعتبار للقيم الإسلامية الأصيلة كالعدل الرحمة الصدق والتعاون عبر التربية الأسرية والمدرسية والمجتمعية مع الاستفادة من الوسائل التكنولوجية لتوجيه الشباب نحو أفضل القيم والمعايير.
خلاصة: مقولة حافظ إبراهيم
الشاعر المصري حافظ إبراهيم أبدع في تصوير خطورة الأخلاق في استمرارية الأمم حين قال: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا . هذه العبارة تلخص حقيقة أن تقدم الأمم وازدهارها لا يقوم فقط على العلم والمعرفة بل على أخلاق الأفراد الذين يحملون تلك المعرفة ويطبقونها. فالأخلاق هي الأساس المتين الذي يحفظ المجتمعات من الانحلال والفساد ويفتح لها آفاق البناء والتقدم وبفقدانها يضيع كل شيء حتى العلوم والمعارف.
بهذا المنظور تظهر ضروة أن لا نكتفي بكثرة العلم بل نحتاج إلى القليل من الأخلاق ليكن العلم نافعًا وهذا هو المطلب الأساسي للمجتمع الإنساني المعاصر.
/////
فلسطين المقدسة..
بين حقيقة بركة الرب ومنهجية حركة الضم
أ.د.غازي عناية
سميت فلسطين بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة بالاستي التي نزحت من جزيرة كريت اليونانية واستقرت في الساحل الغربي الجنوبي لبلاد الشام من بلاد كنعان العربية على البحر الأبيض المتوسط سنة 1200 ق.م. وقد اندمجت هذه القبيلة اليونانية مع العرب الكنعانيين وأصبحت جزءا منهم كنعانيون عرب.
إن البركة بركة إلهية عقدية روحية دينية إيمانية نفسية علمية مادية معنوية. إن بركة فلسطين من بركة الله باركها في كل شيء: في مسجدها وشد الرحال إليه والصلاة فيه وبارك ما حولها من: جبال وسهول ووديان وأشجار وثمار وفاكهة وزروع وغرس وجعل طهارتها من طهارة أنبيائها.
إن بركتها حقيقة إلهية مطلقة جعل وراثتها وبركتها لمن وحّد الله وآمن بكلمات ربه الحسنى فكان مسلمًا مؤمنًا موحدًا بالله تعالى.
إن سنة الله في تبريك الأرض نابعة من حقيقة قدرة خالقها في التوريث لأنبيائه ومن آمن معهم ومنهم وعلى رأسهم نبي الله وكليمه موسى (عليه السلام) المسلم المؤمن الموحد ومن آمن معه ووحد الله من بني إسرائيل وبما صبروا مصداق قوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (سورة الأعراف الآية 137).
وقد شملت بركة العناية الإلهية ريح سليمان (عليه السلام) وهواء بيت المقدس وعواصف أمطارها وبإعجاز لغوي بياني يدخل البركة في نفوس مؤمنيها كما قال تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْء عَالِمِينَ (سورة الأنبياء الآية 81). فقد قال: إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ أي بحرف الجر في ليترك أثرًا عميقًا في قلوب ساكنيها. ومثل ذلك ما ورد في قوله تعالى في سورة الفجر: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي (سورة الفجر الآيتان 29 و30). وقوله في عِبَادِي تترك أثرًا أعمق في نفوس مؤمني أهل الجنة فيكون المؤمن فيهم مما يزيده فرحًا وسرورًا وتمتعًا بنعيم الجنة أوسع.
لقد تناولت عناية البركة الإلهية لبيت المقدس إعجازًا قرآنيًا لا مثيل له يتعلق بشروط الفتوى المتعلقة ببركة فلسطين ومنها: الضمائر والحروف وحركات الإعراب. وتأصيلًا لبركة الله لفلسطين ورمزها المسجد الأقصى فقد عبر الله عن بركته بالضمير المرفوع أو المضموم لأن الرفع أو الضم أقوى من الفتح والكسر ومثال ذلك: البركة الإلهية للمسجد الأقصى قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (سورة الإسراء: الآية 1).
فقد وردت مباركته بكلمة حَوْلَهُ فكانت أكثر أثرًا في نفوس قارئيها المؤمنين أكثر مما لو وردت حوله مفتوحه أو مكسورة مثلًا ككلمة من حولهِ . فبحركة الضم أقوى حركات الإعراب في اللغة العربية تحدث القرآن عن قوة وعظمة وقداسة بلد الإسراء والمعراج فلسطين ومسجدها الأقصى المبارك.
ويكاد يتفق المؤرخون على أن مدينة القدس كان اسمها اورسالم بناها أحد رؤساء قبيلة اليبوسيين الكنعانيين العرب سالم وقد نسبت إليه. وذلك قبل نشأة التاريخ الإسرائيلي بعدة قرون أي قبل إسرائيل أي يعقوب (عليه السلام) الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل. وبقيت فلسطين عربية إلى الفتح الإسلامي وقد صُبغت بالعربية عِرقا وسُلالة وبالاسلام دينا وهذا هو حكم الله في فلسطين إلى قيام الساعة متوجٌ بالعهدة العمرية عند فتح القدس التي تضمنت تحريم سكنى يهود بني إسرائيل فيها بناءً على طلب القساوسة النصارى. وبعد قيام دولة يهود بني إسرائيل في فلسطين سنة 1948م غيروا اسم القدس إلى أورشليم باللغة العبرية. ومعناها مدينة السلام كما يزعمون. وهذه المنهجية أي منهجية الضم أي حركة الضم أقوى حركات القرآن تحدث القرآن بها أيضا عن قوة وعظمة الشيء: كالمُلك والعهد والبراءة ومواطن العجب والسلام وغيرها. فعلى سبيل المثال: عندما نص القرآن على مُلك الله أورد مفردة المُلك مضمومة الميم للدلالة على عظمة ملك الله فقال تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ (سورة آل عمران الآية 189). وكذلك في الدعاء لله وردت منهجية الضم في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ (سورة آل عمران الآية 26). وللدلالة على عظم العهد فقد جاءت المنهجية بالضم بدلًا من الكسر مع أن لغتنا تقتضي كسر الهاء إذا جاءت بعد ياء ككلمة عليهُ فقد وردت مضمومة بدلًا من الكسر. وهذه معجزة بيانية منهجية انفرد بها القرآن الكريم في إعجازه اللغوي على لغتنا العربية لغة القرآن لغة أهل الجنة فقال تعالى مؤكدًا لمنهجية الضم أي الرفع: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (سورة الفتح الآية 10). فقد وردت عَلَيْهُ مضمومة بدلًا من الكسر لتدل على عظمة العهد.
والشيء نفسه فقد ورد الرفع أو الضم في ميدان العجب بدلًا من الكسر كما في قوله تعالى: قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (سورة الكهف الآية 63). فقد وردت كلمة أَنسَانِيهُ مضمومة مع أنه من المفروض أن تأتي مكسورة لأن قبلها ياء وذلك لعجب ما حصل من الحوت المشوي حيث جرت فيه الحياة وذهب إلى البحر وغاص فيه وفتى موسى (عليه السلام) ينظر إلى ما حصل من الحوت عجبًا.
والشيء ذاته لفرعون فقد عبر عن عظمة ملكه بالميم المضمومة إعجابًا بنفسه وجبروته وحكمه وظلمه مصداق قوله تعالى: وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (سورة الزخرف الآية51).
وكذلك المنهجية عينها للشيطان في إغوائه لآدم فقد وردت كلمة مُلك بالميم المضمومة ليكون إغواؤه أكثر تأثيرُا في نفس آدم وفي وسوسته له. قال تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْك لَّا يَبْلَىٰ (سورة طه الآية 120).
ومنهجية ضم الأحرف نفسها فقد وردت كلمة ورسولُهُ في معرض براءة الله ورسوله من المشركين فقال تعالى: وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَاب أَلِيم (سورة التوبة الآية 3). فبدلًا من عطف كلمة ورسولُه على الله وبحيث لا يتغير المعنى فقد أملت العناية الإلهية أن يأتي بجملة اسمية مسبوقة بواو استئنافية وذكر وقال ورسولُه مضمومة على اعتبار أن الله وكذلك رسوله بريئان من المشركين فرسوله المضمومة أشد أثرًا وأعمق فهمًا إلى الناس بأن رسول الله بريء أيضًا من المشركين.
وكذلك منهجية السلام فقد جاءت مضمومة مرفوعة بدلًا من أن تكون مفتوحة أو مكسورة كما في قوله تعالى: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (سورة الذاريات الآية 25). فجاء سلام إبراهيم (عليه السلام) مرفوعًا مضمومًا فكان أبلغ من سلام الملائكة الذي جاء منصوبًا مفتوحًا مع أن سلام الملائكة وسلام إبراهيم (عليه السلام) جاء بعد كلمة قول فسلام إبراهيم (عليه السلام) المضموم المرفوع كان أبلغ من سلام الملائكة لأنه يفيد الديمومة والثبات والاستمرار والتجدد وهذا عكس سلام الملائكة المفتوح فهو لا يتصف بهذه الصفات فيحتاج إلى تجديد.
/////
تأملات قرآنية
أ.د.هاشم غرايبة
يقول تعالى في الآية 51 من سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .
اصطفاء الله أمتنا بأنها خير أمة أخرجت للناس لم يكن لأن العرب أفضل من غيرهم بل هي مكرمة منه تعالى وابتلاء يستحقونها إن أدوا متطلباتها والتي بيّنها الله بجلاء في كتابه الكريم وجعلها الوصفة الصحيحة لاستحقاق الخيرية.
كما بين بالمقابل الوصفة المؤدية إلى البوار والهلاك من خلال ما آلت إليه الأمم الأخرى التي حباها سابقا بأنعمه وأنزل عليها رحمته بأنبياء دعوهم إلى اتباع منهج الله فلما كفرت بتلك النعم واعتقدت بنفسها العزة وأن الخيرية هي في ذاتها أذلها الله فمنها من نالت جزاء ذلك الإستئصال الشامل فاستبدل بها قوما آخرين ومنها من سلط عليهم الذلة والمسكنة فأذاقها الله لباس الجوع والخوف.
لذلك من رحمة الله بهذه الأمة أن بين لها كل سننه في خلقه بالتفصيل وذكر لها قصص الأقوام السابقة ليس للتسرية ولا التسلية بل لأخذ العبر والدروس.
هذه الآية الكريمة لم تجد من المفسرين القدامي اهتماما مناسبا. فلم يكن اليهود ولا النصارى في وضع متفوق يجعل في موالاتهم مصلحة ولا نفعا كما أنهم لم يكونوا يشكلون خطرا حقيقيا فلم يكونوا بعد يحتلون أرضا للمسلمين ولا يدنسون مقدساتهم ولا يشنون عليهم الحملات ويستعملون على حكمها أتباعهم.
لم يدر بخلدهم أن هذه الآية لما يحن زمان تأويلها بعد لذلك اعتقدوا أنها معنية بالتعامل الفردي مع القاطنين بينهم ذلك الزمان ففسروها على أنها تعني الموالاة الشخصية.
ولما أن جاء أوان استحقاقها وتبين أن الموالاة المقصودة هي على صعيد النظام السياسي والعلاقات الدولية لذا تحاول الأنظمة الحاكمة للمسلمين تجاوز هذه الآية الكريمة بل تتجاهلها وتضعها في رأس القائمة التي تسعى عبثا لإلغائها من القرآن لذلك فهي تستبعدها من المناهج المدرسية بذريعة أنها تحض على الكراهية وتنفر من التعامل مع اتباع العقائد السابقة.
ما يدّعونه تضليل مبين فهذه الآية الكريمة لا تدعو إلى مثل ما يظنون فهي أمر لعموم المؤمنين الذين هم المسلمون بدلالة الأمر بعدم موالاة اليهود والنصارى مما يعني أن المؤمنين عند الله هم من آمنوا بالله ولم يشركوا به أحدا وبكل أنبيائه وكتبه ورسله وهذا ما تنفرد به العقيدة الإسلامية.
لقد جاء أمر الله باستعمال (لا) الناهية إذا فهو تحريم واجب التنفيذ ولا يجوز تعطيله بأي حجة لكن يجب فهم الأمر جيدا.
الموالاة تعني الاتباع بقصد الاحتماء بهذه العلاقة والولي هو النصير والمعين بدلالة قوله تعالى: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [سورة الأنفال الآية 40].
لذلك ليس المراد من هذه الآية قطع الأواصر الاجتماعية مثل حسن الجيرة والتعامل والصداقة والزمالة مع الأفراد الذين عقيدتهم يهودية أو نصرانية سواء في المجتمع المسلم أو خارجه فهذه علاقات فردية شخصية وهي نافعة للمجتمعات لا يترتب على قوتها أو ضعفها إضرار بالمنهج ولا تؤدي إلى إضعاف المجتمعى المسلم.
بل على العكس فقد أثبت التاريخ أن التعامل الحسن للمسلمين مع غيرهم قد أدى إلى تأليف قلوب معاديهم وإلى هداية الكثيرين إلى دخول الإسلام وبأعداد أكثر بكثير مما حققته الفتوحات والبعثات الدعوية.
هكذا نتوصل إلى أن المقصودين بالأمر الإلهي الوارد في هذه الآية الكريمة هم أصحاب القرار أي ولاة أمر المسلمين.
أعداء الأمة والساعون إلى إطفاء نور الله (الإسلام) هم ذاتهم منذ القدم لم يتغيروا ولم يبدلوا من عدائهم شيئا ونجد دائما أن الأصناف الثلاثة (الكافرين الملحدين والكافرين المشركين والكافرين بالرسالة الخاتمة) متصارعون فيما بينهم على المصالح لكنهم عندما يتعلق الأمر بمحاربة الإسلام تجدهم انخرطوا في حلف واحد.
هذا معنى قوله تعالى: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض لذلك فمن يدخل مع هذا الجمع في معاهدة تحالف وتنسيق أمني فهو يتبنى أهدافه وبالتالي فهو شريك في الكيد للدين.. وهذا معنى قوله تعالى: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ .
أخيرا يجب التنبه إلى خطورة مخالفة أمر الله فقوم صالح لم يشاركوا جميعهم في قتل الناقة واحد فقط من عقرها لكنهم لأنهم سكتوا عن فعلته وأقرها بعضهم أخذهم الله جميعا بذنبه.
/////
رغم تآمر أنظمة دول الشرق الأوسط عليها..
لماذا يتعاطف جزء واسع من أهل السنة مع إيران؟
أ.فاتح مومن
يثير تعاطف قطاعات واسعة من أهل السنة وشعوبهم مع إيران تساؤلات عميقة بل واستغرابًا لدى كثيرين خاصة في ظل الخلاف المذهبي والسجلات المعقدة للسياسات الإيرانية في المنطقة وتناقض هذا التعاطف مع مواقف أنظمة عربية وإسلامية ترى في إيران خطرًا استراتيجيًا . غير أن هذا التعاطف لا يمكن فهمه من زاوية مذهبية ضيقة بل من خلال قراءة أوسع للسياق السياسي والتاريخي والنفسي الذي يحكم وعي الشعوب.
أولًا: فلسطين... البوصلة التي لا تخطئها الشعوب:
السبب الجوهري والأكثر تأثيرًا هو موقف إيران المعلن والعملي من القضية الفلسطينية. فمنذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 م رفعت طهران شعار الموت لإسرائيل وقطعت علاقاتها معها وساندت حركات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي دعمًا سياسيًا وماليًا وعسكريًا صريحا ومطلقا...
في مقابل ذلك شهدت الشعوب السنية انحدارًا حادًا في مواقف أنظمتها الرسمية من التخاذل إلى التطبيع العلني مع إسرائيل وإعانتها في حروبها ضد أعدائها من حركات التحرر والمقاومة في فلسطين وضواحيها هنا نشأ وعي شعبي بسيط لكنه حاسم لسان حاله: من يقف مع فلسطين فهو أقرب إلينا مهما اختلفنا معه مذهبيًا.
ثانيًا: منطق عدو عدوي صديقي :
تعيش الشعوب السنية منذ عقود تحت ضغط الهيمنة الغربية–الأمريكية سواء عبر الاحتلال المباشر أو الانقلابات أو دعم أنظمة استبدادية أو الحصار الاقتصادي. ومع تصاعد الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل من جهة أخرى تشكل في الوعي الشعبي منطق تلقائي مفاده أن إيران تقف في خندق مناهض للهيمنة ذاتها التي تعاني منها هذه الشعوب.
هذا لا يعني تماما تبني المشروع الإيراني بل التقاطع المرحلي مع خصم مشترك وعدو يهدد الجميع.
ثالثًا: خيبة الأمل من الأنظمة السنية ويأس شعوبها من اتخاذها موقفا يشرفها ويشرفهم ويسترجع كرامتها وكرامتهم هذه الخيبة غير مرتبطة بالمذهب السني الذي يحاول البعض ربطه بها كما أن التعاطف مع إيران في جوهره احتجاج غير مباشر من الشعوب على الأنظمة الحاكمة في العالم السني في الشرق الأوسط التي فشلت في حماية أوطانها وعجزت عن نصرة فلسطين وقمعت شعوبها باسم الأمن والاستقرار .
في هذا الفراغ القيادي بدت إيران – رغم كل مآخذها – دولة تمتلك قرارًا سياديًا وتجرؤ على تحدي القوى الكبرى وهو ما تفتقده الشعوب في أنظمتها.
رابعًا: الفصل الشعبي بين إيران الدولة و إيران المشروع :
غالبية المتعاطفين من أهل السنة لا يناصرون التشيع السياسي ولا يتبنون نظرية تصدير الثورة ولا يغضّون الطرف عن أخطاء إيران في العراق أو سوريا. لكنهم يفصلون بين:
الموقف من إسرائيل والغرب (حيث يرون إيران صلبة) والسلوك الطائفي في بعض الساحات العربية (الذي يرفضونه).
هذا الفصل وإن بدا متناقضًا إلا أنه شائع في الوعي الشعبي المقهور الباحث عن أي قوة توازن.
خامسًا: أين يظهر هذا التعاطف شعبيًا؟
رغم العداء الرسمي أو التحفظ السياسي تظهر مؤشرات التعاطف الشعبي مع إيران في عدة دول سنية منها:
فلسطين: خاصة في غزة حيث يُنظر إلى إيران كداعمة للمقاومة.
الأردن: في الشارع الشعبي والأوساط الإسلامية والقومية.
الجزائر: تعاطف واضح مع كل طرف يعادي إسرائيل بغض النظر عن مذهبه.
تونس: داخل النخب الشبابية والتيارات المناهضة للتطبيع.
المغرب: رغم القطيعة الرسمية يبرز تعاطف شعبي مع أي قوة تناهض إسرائيل .
مصر: في الرأي العام غير الرسمي خصوصًا بين الشباب والتيارات القومية.
تركيا (جزئيًا): في أوساط ترى في إيران شريكًا في مواجهة المشروع الصهيوني.
باكستان: حيث يتداخل البعد الشعبي المناهض للغرب مع القضية الفلسطينية.
خلاصة القول:
تعاطف أهل السنة مع إيران ليس اصطفافًا مذهبيًا ولا تفويضًا سياسيًا بل هو تعبير عن أزمة أعمق:
أزمة قيادة وأزمة مشروع وأزمة ثقة في الأنظمة القائمة.
وحين تغيب الدول القادرة على حماية قضايا الأمة تبحث الشعوب – بوعي أو بدونه – عن أي قوة ترفع راية المواجهة حتى وإن كانت مختلفة عنها عقديًا أو ثقافيًا. فالشعوب بخلاف الأنظمة لا تحسب تحالفاتها بميزان المصالح الضيقة بل بميزان الكرامة والعدالة والرمزية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.