لقد ظلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ حرب الخليج الثانية تحاول بشكل كبير الاحتفاظ بعلاقات ودية مع روسيا، وتفضل العقود التجارية معها من أجل ضمان الفيتو الروسي في مجلس الأمن، بالإضافة إلى تأمين مصدر ثابت لتسلحها، لكن هذه العلاقة بدأت اليوم تتعرض لتراجع كبير تحت حكم المحافظين الجدد في طهران، والسبب يعود إلى التأخر الروسي في تزويد إيران بصواريخ 5300 وكذلك بسبب تأخير تشغيل محطة بوشهر، وهذا ما جعل النظام الإيراني يلوح للروس بالورقة الصينية كنوع من الضغط حينما تصل المفاوضات إلى طريق مسدود، وإيران اليوم تدرس إمكانية الاستعاضة عن الصفقة الروسية بأخرى صينية يطلق عليها صواريخ (9 HQ ) وهذا مما أغضب إدارة الكرملين في وقت تجرأت فيه إيران على مناورة روسيا بهذه الطريقة مع منافستها التجارية الصين، ومع أن النظام الصاروخي بالتحديد هو واحد من الأسلحة التي تتهم فيها روسيا الصين بسرقة ملكيتها الابتكارية عبر تقليدها دون رخصة· لكن تنامي العلاقات الإيرانية الصينية ليس جديدا، فالبلدان يعملان على تعزيز التبادل التجاري والعسكري بينهما بشكل كبير لاسيما منذ أواخر التسعينيات، واليوم الصين هي أكبر شريك تجاري لإيران بتبادل تجاري يتجاوز 37 مليار دولار سنويا مقارنة ب 4 ملايير هي نصيب روسيا التجاري أيضا، ولا ننسى بأن إيران هي ثاني أكبر مصدر للنفط إلى الصين، كما أن الصين هي أكبر مورد لوقود المحركات إلى إيران· هذا، وفي الوقت الذي انخفضت فيه صادرات البترول الإيرانية زادت نسبة التجارة بين الصين وإيران، لكن إيران ربما سوف تتدارك الموقف وتتراجع وتعود إلى علاقاتها الاستراتيجية مع الروس، هذه الاستراتيجية التي مكنت إيران من تأمين مناوراتها السياسية في المنعطفات الصعبة، والقادة الإيرانيون يدركون كم يكون الأمر مكلفا لإيران في حالة تحدي قوتين عظيمتين في وقت واحد، لقد عاشوا هذا الوضع أيام الإمام الخميني حين عادى الاتحاد السوفياتي من منطق إيديولوجي ديني والولاياتالمتحدةالأمريكية الشيطان الأكبر، فتعاون الروس وأمريكا مع العراق عسكريا طيلة الحرب العراقية الإيرانية مما دفع بإيران في التسعينيات من استعادة دورها في جنوب شرق آسيا ووفر لها حليفا قويا في وجه عدوين شريسين هما طالبان في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق· واليوم يغامر المحافظون الجدد في طهران بالعلاقات مع روسيا لأنهم يرونها أصبحت دولة صغيرة وغير قادرة على تلبية مطالبهم وتطلعاتهم الإيديولوجية المبالغ فيها، ولذلك هم الآن يغازلون الصين على حساب روسيا، وهذا معناه أنهم في غفلة من أمرهم، فروسيا ما تزال دولة عظمى لها مصالح كبرى ليس من ضمنها إيجاد دولة نووية متطرفة سياسيا في المنطقة· هذا في وقت أصبحت فيه العلاقة بين تركيا وإسرائيل كذلك على فوهة بركان في وقت كان فيه بالإمكان زيادة على التبادل التجاري هناك خطط لإقامة مشاريع في مجال الطاقة والزراعة والمياه بين تركيا وإسرائيل، وهذا بسبب اعتراض البحرية الإسرائيلية قافلة المساعدات الإنسانية التي كانت في طريقها إلى قطاع غزة واتخاذ تركيا لعدة مبادرات خلال الشهور الماضية لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وهذا ما اعتبره الكثير السبب في رد فعل إسرائيل العنيف، وقد يكون رد الفعل هذا ليس بسبب حصار غزة فقط ولكن لدور تركيا المتنامي في المنطقة خاصة تجاه إيران، وهذا معناه أن إسرائيل لا تريد السلام· وإذا كان هناك من يحتاج إلى دليل على أن الحكومة الإسرائيلية لا تريد السلام مع العرب ومع الفلسطينيين وحتى مع الأتراك، فقد جاء الدليل القاطع بالهجوم الذي شنته قوات الكومندوس الإسرائيلية، لم يكن فقط هجوما على ناشطين مدنيين يسعون لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة وإيصال المساعدات إلى أهلها المحاصرين بل كان هجوما لإحباط وإيقاف مساعي إحياء مفاوضات السلام، فإسرائيل استخدمت هذا الهجوم كذريعة لإلغاء الاجتماع الذي كان مقررا مع رئيس الولاياتالمتحدةالأمريكية الذي كان يتوقع فيه مطالبة أوباما رئيس حكومة، إسرائيل نتنياهو بتسريع عملية وعجلة المفاوضات، فإسرائيل تتصرف من منطق غطرسة القوة، ولا ترى حاجة للسلام والتنازلات التي يتطلبها خصوصا في ظل حالة التشرذم الفلسطيني وضعف الموقف العربي، كما أنها ترى نفسها فوق القانون لأن المجتمع الدولي لا يقاطعها ولا يحاسبها على كل انتهاكاتها للقوانين والأعراف الدولية، وفي هجومها على أسطول الحرية تكون إسرائيل قد انتهكت القانون الدولي ثلاث مرات متتالية أو نستطيع القول في نفس الوقت المرة الأولى، لأن الهجوم على القافلة البحرية حدث في المياه الدولية وهذا انتهاك لميثاق الأممالمتحدة وقانون أمن البحار· الثانية: الجنود الإسرائيليون استخدموا القوة في مواجهة المدنيين، وهو أمر يخالف مبادئ الأممالمتحدة، الثالثة: الحصار على غزة باعتباره مخالفة صريحة وواضحة لميثاق الأممالمتحدة الذي يحظر مبدأ العقوبة الجماعية ويشد على الحماية والضمانات الإنسانية للمدنيين في مناطق الحروب والنزاعات، هذا ما يتطلب اليوم قبل الغد إنهاء الحصار على غزة وإنهاء معاناة ومأساة شعبها وأبنائها، فهناك تقريبا مليون وخمس مائة ألف فلسطيني يعيشون في ظروف غير إنسانية يحرمون فيها من أبسط الاحتياجات التي تكفلها كل الأعراف الإنسانية والمواثيق الدولية وإحصائيات، وتقارير الأممالمتحدة تشير إلى أن أكثر من 80% من سكان قطاع غزة يعشيون تحت خط الفقر ويعتمدون على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم وأكثر من 60% ليس لديهم إمدادات مياه، بينما تفتقد المستشفيات والمنشآت الصحية إلى كثير من الأدوية والمتطلبات العلاجية، ولا تسمح إسرائيل إلا بإمدادات تغطي ربع احتياجات سكان قطاع غزة وهذا وفقا لتقرير منظمات دولية· هذا في وقت تتهم فيه حركة حماس بتقديم مصالحها وحساباتها السياسية على معاناة أهل غزة وتعطيل جهود توحيد الصف الفلسطيني، وبالتالي إضعاف الموقفين الفلسطيني والعربي، لكن هذه المشكلة لا يجب أن يدفع ثمنها أطفال ونساء وشيوخ غزة، وهذا معناه أن تبرير الحصار لم يعد مقبولا أخلاقيا أو إنسانيا والواجب الآن رفعه بشكل دائم والبحث عن أسلوب آخر لحل الإشكالات القائمة مع حماس، خاصة وأنه قد مرت ثلاث سنوات ولم يحقق الحصار سوى زيادة معاناة الفلسطينيين، وهذا ما يجعلنا نقول إن أجواء الغضب العارم بسبب العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية يمكن أن توظف ليس لإنهاء الحصار على غزة فقط بل لمحاصرة إسرائيل دبلوماسيا خصوصا في ظل الإدانات الدولية والدور التركي المتنامي والداعم للموقف العربي خاصة وأنه قد قتل تسعة أشخاص كلهم من أصل تركي، وهذا مما جعل تركيا تقول حان الوقت لأن يقول المجتمع الدولي كفى ينبغي ألا يقتصر تحرك الأممالمتحدة على قرارها الذي يدين إسرائيل، ولكن يجب أن تقف وراء قرارها وأن تركيا قد سئمت المبررات الأمنية لكل تصرفات تل أبيب وأن إسرائيل لا يمكنها معاملة تركيا مثل دول أخرى في المنطقة وإلا سيكون الثمن غاليا جدا· كما أن هذا الهجوم هو بداية جديدة، فاعتبارا من تاريخ هذا الهجوم لن يكون هناك شيء كما كان من قبل، حيث كان هناك تحالف عسكري وثيق وعلاقات اقتصادية قوية لأكثر من عشر سنوات، وكانت هناك اتصالات بين كبار الوزراء والقادة العسكريين من البلدين منذ اندلاع الأزمة بين الدولتين·