ضبط 1.82 كلغ من الديناميت ..21 كبسولة تفجير و9 أمتار من الفتيل الصاعق بالجنوب    الأمم المتحدة تثمن المساهمة الفعالة للجزائر في يوم إفريقيا الثاني المنظم بنيويورك    المجلس السيادي السوداني يباشر مهامه اليوم    الأردن يستدعي سفير إسرائيل بسبب الانتهاكات في الأقصى    القنصلية الفرنسية تتحجج بتذبذب الأنترنت في معالجة ملفات “الفيزا”    إسبانيا تسمح بإنزال مهاجرين رفضت إيطاليا استقبالهم    قديورة :” سفيان هني يمثل إضافة كبيرة لنادي الغرافة”    «إضراب اللاعبين لا يخدم مصلحة الفريق»    توقيف شخصين وحجز أزيد من 06 كيلوغرام من الكيف المعالج بالمسيلة    البجاويون يدعون إلى تنظيم حملة تشجير واسعة    السكان يغلقون العيادة متعددة الخدمات بالجلفة    إرتفاع عدد وفيات الحجاج الجزائريين إلى 19 شخصا    «لدينا رغبة كبيرة لتشريف الجزائر في الألعاب الإفريقية»    زفان على بعد خطوة من ترسيم انتقاله لاسبانيول برشلونة    بن العمري: أعاني من إصابة وكل ما قيل عار من الصحة    شبيبة الساورة.. حتمية الفوز على بركان من جزر القمر    “إسترجاع هيبة الدولة مرهون بالتصدي للفساد وتكريس حق المواطن”    ناصر بوضياف يتهم 4 جينرالات باغتيال والده    تدهور الميزان التجاري للجزائر كان متوقعا    «143 شارع الصحراء» يحصد جائزتين في مهرجان لوكارنو    «كادير « يخطف الاضواء والشيخ الحطاب يرقص الجمهور على الايقاعات الرايوية البدوية    الفيلم الوثائقي «تادلس..» يحكي «مدينة الألفيات»    الحكومة تخصص أزيد من 92 مليار دينار لتهيئة التحصيصات الإجتماعية بالجنوب والهضاب    وصول 600 حاج إلى أرض الوطن اليوم الأحد بعد أدائهم لمناسك الحج    آخر صيحات ال DGSN .. !    “الفرصة ستمنح لكافة فئات المجتمع وسنشرع في التنقل إلى مختلف ولايات قريبا”    النفط ب 10 دولار .. !    شرفتم الجزائر    Ooredoo تُطمئن زبائنها    فنان الأندلسي إبراهيم حاج قاسم والجوق الجهوي لمدينة تلمسان في سهرة تراثية بالعاصمة    إفشال محاولة هجرة ل 26 حراڤا بوهران        الجلفة: مئات من المواطنين ينظمون مسيرة سلمية للمطالبة ببعث مشروع مركز مكافحة مرض السرطان    بريطانيا ستواجه نقصا في الوقود والغذاء والدواء بسبب "بريكست"    آخر ساعة تنشر برنامج رحلات عودة الحجاج عبر مطار رابح بيطاط    تبسة ..إصابة 5 أشخاص في حوادث مرور    الشيخ السديس يستنكر افعال الحوثيين بعد الهجوم على حقل شيبة السعودي    باريس سان جرمان يشكك في نوايا برشلونة للتعاقد مع نايمار    نحو إقرار يوم وطني ل "عون النظافة"    "غوغل كروم" يتعرض لأكبر عملية اختراق في تاريخه!    ارتفاع حصيلة ضحايا هجوم استهدف حفل زفاف في كابول    بعد انحسار مخاوف الركود    من بينهم وزير السياحة السابق حسن مرموري    مشروع مهجور منذ عامين    أسباب تقنية وبشرية وراءها سوء التسيير    الحبس لمخمور دهس مسنّا ولاذا بالفرار    أزمة نقل حادة ببلدية الطابية    زمن الحراك.. بعقارب الدخول الاجتماعي    الأولوية اليوم، الرئاسيات في أقرب وقت ممكن    العدالة .. هي العدالة    « تستهويني الصور التي لها علاقة بالأكشن و أفلام الفنون القتالية و الأحصنة »    العثور على آثار حضارة متطورة مجهولة في الصحراء الليبية    الجزائر ضيفة شرف الطبعة ال42    غزويون يقدمون خدمات إلكترونية لتعزيز الثقافة العربية    إيسلا وثي مغرا ني مازيغن قوقلا ن تاغرما    اخلع نكسوم نمسلان والدونت إقوسان نالمشتاء ذالمرض    الأخلاق والسلوك عند أهل السنة    «الماء».. ترشيد.. لا تبْذير!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





العولمة والجدل الثقافي بين الانفتاح والانغلاق
نشر في الجزائر نيوز يوم 26 - 08 - 2012

إذا كان المفكر المعاصر عبد الله شريط كتب “معركة المفاهيم" ليوضح عوائق التنمية، وسبل تجاوزها في حياتنا العملية والثقافية، لأن “الحل ليس في أن نسمي حياتنا باسم من الأسماء، بل نخلق هذه الحياة أولا. والمعركة الحقيقية ليست في أن نطلق على نظامنا كلمة.. بل المعركة هي الإنتاج: إنتاج ما يسد حاجتنا المادية والعقلية"، فما طبيعة علاقتنا الثقافية بمفهوم العولمة، باعتبارها واقعة العصر، أو فتح كوني على حد تعبير المفكر المعاصر علي حرب؟
ومثل هذا السؤال، يدفعنا إلى إثارة علاقة المفهوم بالتاريخ، لأنه من الشائع أن الفكر يسبق المصطلح الذي “يتعلق بوقائع وأحداث علمية وتقنية، تحدث انقلابا وجوديا يتجسد في إنتاج سلع من نوع جديد، ذات ماهية أثيرية افتراضية شبحية، بأن يتوقف عليها الإنتاج المعرفي والمادي على السواء. إنها المنتوجات الإلكترونية من الصور والنصوص والأرقام وسواها من العلامات الضوئية السيالة على مدار الساعة عبر الشاشات والشبكات". إن هذه الثورة العلمية أو ما يسمى بالثورة الصناعية الثالثة في مجالي المعلومات والاتصالات، ستبدع في الولايات المتحدة الأمريكية مفهوم Globalization والذي ترجم إلى اللغة الفرنسية باسم Mondialisation، ونقل إلى اللغة العربية بأسماء هي: الكونية والكوكبية، والشمولية أو الشوملة Planétarisation، والعولمة.
هذا الاسم الأخير الذي ذاع وانتشر لجاذبيته الاصطلاحية التي تعني: “جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من المحدود المراقب إلى اللامحدود الذي ينأى عن كل مراقبة، والمحدود هنا هو أساسا الدولة القومية التي تتميز بحدود جغرافية وديمغرافية صارمة تحفظ كل ما يتصل بخصوصية الدولة وتفردها وتميزها عن غيرها، إضافة إلى حماية ما بداخلها من أي خطر أو تدخل خارجي، سواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو بالسياسة أو بالثقافة".
وهذا السياق المعرفي الجديد، بدأ يفرض وجوده لأنه لم يعد “حكرا على وسائل الإعلام، ولا على النخب السياسية والمثقفة، بل تعدتهم لتغزو مخيال المستضعفين، وتفسر واقعهم، وتبرز وضعهم، ومستقبلهم"، خاصة بعدما تحول المصطلح إلى “مادة للاستهلاك الجماهيري الواسع أصبح محملا بأكثر مما يطيق وضاقت به إمكانية الجمع بين الأمر ونقيضه، بين الشيء وغريمه لدرجة قد يصدق معها القول، وإلى حد بعيد، إن لكل عولمته يجد فيها ضالته ومبتغاه"، فهذا يؤيدها ويناصرها، وذاك يشكك في قيمتها، ويحتج على محتواها، “فما هي العولمة التي تثير هذا القدر من الانتقادات ومن المديح في آن واحد؟ إنها بالأساس ذلك الاندماج الأوثق بين البلدان وشعوب العالم، الذي تحقق من جهة، بسبب الانخفاض الكبير في كلفة النقل والاتصالات، ومن جهة أخرى، بسبب إزالة الحواجز المصطنعة من أمام الأموال والخدمات والرساميل، والمعارف والأشخاص (بقدر أدنى) عبر الحدود"، وهذه الرؤية تؤكد على أهمية البحث في الموضوع الذي أنتج خطابا إشهاريا قد لا يتناسب مع وجوده، لأن العولمة قد لا تؤهل كل الثقافات لإعادة بناء ذاتها وفق الإمكانيات العلمية والتكنولوجية الجديدة، لأن خلفيتها الفلسفية تخدم مصالح المشروع الغربي الذي بدأ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بظهور مؤسسات دولية ذات طابع اقتصادي وسياسي، لم تشارك الدول المستعمرة في بناء إستراتيجيتها، بل ابتعدت تلك المؤسسات عن أهداف وجودها، فصندوق النقد الدولي لم يعد بنكا مركزيا عالميا له رصيده الضخم من العملات الصعبة ليسهل القروض بفوائد منخفضة لتمويل المشاريع الاجتماعية التي لا تقبل على تمويلها عادة أسواق رأس المال الخاصة، كما كان يعتقد عالم الاقتصاد جون كينز (1883 - 1946)، خاصة وأن شعاره الذي كتب على الباحة الداخلية لمقره المركزي بواشنطن هو: “حلمنا: عالم بلا فقر"، يبدو متناقضا مع إحصائيات البنك الدولي التي تؤكد على تفاقم الفقر والتفاوت الاقتصادي بين الدول إلى درجة أن العولمة بدت “سيئة بالنسبة إلى فقراء العالم، وسيئة بالنسبة إلى البيئة، وسيئة بالنسبة إلى استقرار الاقتصاد العالمي. والتحول من الشيوعية إلى اقتصاد السوق قد جرى في كل مكان بصورة سيئة ماعدا في الصين وفيتنام وفي بضعة بلدان قليلة من أوروبا الشرقية إلى حد جعل الفقر يزداد بسرعة والمداخيل تنهار"، ورغم إدعاءات الانفتاح والشفافية، ما زال صندوق النقد الدولي “لا يعترف رسميا بالحق في المعرفة، هذه الحرية الأساسية للمواطن، ليس هناك من قانون لحرية المعرفة يمكن أن يستند إليه أمريكي أو مواطن بلد آخر كي يكتشف ما تقوم به مؤسسة دولية عامة".
أصدرت اليونيسكو دفترا عام 2004، موضوعه: الثقافة على محك العولمة، اشتمل على إشارات وتنبيهات بالمعنى السينوي لعولمة الثقافة، وثقافة العولمة، باعتبار أن الوصف الأول أي عولمة الثقافة، أخذ معانٍ سلبية من خلال التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وتنامي ظاهرة البطالة في المجتمعات الصناعية بعد إعادة انتشار الشركات في الدول التي تشمل على يد عاملة غير مكلفة، وإنتاج الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في الدول النامية، من خلال تخفيض قيمة العملات الوطنية، والمضاربات المالية التي تصور تلك الأزمات كقوة قاهرة أو كوارث طبيعية لا يمكن مواجهتها، لأن “مسيري الشركات متعددة الجنسيات يلزمون الأفراد والدول على تبني حسابات لمعدل النمو الأكثر عفوية وعشوائية كقاعدة عمل وأسلوب حياة لتصبح قانونا في العلاقات الدولية"، يوّجه العقليات والعادات الفكرية والقيم المنظمة للسلوك، لأن المرجعية الشرعية للديمقراطية لم تعد الأمم والشعوب المنتخبة، باعتبارها المسؤولة على صياغة القوانين ومراقبتها، وإنما قوانين السوق وسياسات البورصات واعتبارات الإنتاجية ومعدل المبيعات والأسواق الدولية. أما الوصف الثاني أي ثقافة العولمة، فقد اشتمل على معانٍ إيجابية باعتبار أن الثورة المعلوماتية هي أقوى الثورات العلمية من حيث التأثير والفعالية في أيامنا، بالمقارنة مع ثورة المنطق الأرسطي الذي انتظر عقودا من الزمن بين الترحال والانتقال من العالم الإغريقي - الروماني إلى العالم العربي - الإسلامي، ليكتشف في القرن الثالث عشر الميلادي، فيساهم في النهضة الغربية الحديثة؛ أو الثورة العلمية مع كوبرنيكوس وغاليلي في القرن السادس عشر الميلادي عندما تجاوزت المنظومة الأرسطية بتبني الملاحظة والتجربة فأعادت بذلك الاعتبار للإبداع الإنساني الذي تحرر تدريجيا من الطبيعة، إلا أن هذا التحرر قد بلغ مداه، بعد تطور أنظمة الاتصالات التي حوّلت يقظانية الإنسان أو روبنصادته إلى العالمية والوجود الكوني. وبالتالي، لم تعد يوتوبيا مدينة الإنسان حلما من أحلام الفلاسفة على طريقة جمهورية أفلاطون أو مدن الفارابي أو أوغسطين وكامبانيلا، بل هاجسا قائما يؤمن بوحدة البشرية ورفاهيتها، منذ أن تحدث مارشال ماك لوهان عن القرية المعولمة أو الكوكبية Global Village، لأن الجغرافية الإلكترونية الافتراضية انتصرت على جغرافيا المكان، فصارت ديمقراطية المعرفة معاملة يومية، كما يبدو من استعمال وسائل الاتصال الإلكترونية التي تؤهل الأفراد في استقبال أو إرسال المعلومات دون رقابة، غير أن هذا التصور الجديد للثقافة كمحصلة للمعارف “التي تشكل نوعية التفكير، والقيم الحافزة للسلوك، وتكوين الإنسان الذي يستطيع، أو لا يستطيع، اكتساب المعارف والقدرات النافعة والاندماج في عالم اليوم أو الوقوف على أبوابه الموصدة دونه"، لأن العولمة قد تكون نزعة كوسموبولتية (المواطنة العالمية) تعمل من أجل الهيمنة والسيطرة على الثقافات القومية باسم وحدة الجنس البشري، خاصة وأن فكرها كان متهما قبل إعلان مبادئها ومفاهيمها، وقد تجلى ذلك في نقد ثقافة الاستهلاك، وفي البحث في حدود الإقليمية والتضامن العالمي، وفي الانتقال من ليبرالية المزاحمة إلى الاقتصاد العالمي، لأن مهمة الإنسان حسب فيلسوف الشخصانية الإسلامية محمد عزيز الحبابي (1923 1993) “في العالم لا تقتصر على مجرد الإنتاج والاستهلاك فحسب، بل تكمن أيضا في تحقيق ذاته بواسطة نشاطات أخرى متنوعة: تجسيد القيم، والتجدد الداخلي المستمر تجددا يتجاوز الذات في توتر الآخر"، لأن محرك التاريخ عندنا، قد لا يكون الصراع الطبقي والبنية التحتية والاقتصاد، وإنما التحرر الوطني، والصراع من أجل أن يعترف بهم الآخر كأشخاص ذوي كرامة وكيانات مستقلة.
فهل العولمة تحقق هذه المعاني؟
قد يكون الخطأ فينا باعتبار أن “المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه"، وقد بدا ذلك من أمثلة واقعية، نذكر منها غياب ثقافة البطاقة المغناطيسية التي حرص بريد الجزائر على تعميمها في الوقت الذي ما يزال يشتغل الكاتب العمومي بملء الشيك وسائر الوثائق الإدارية في مراكزه، وبكلمة أخرى، ما يزال العالم منقسما بين الذين يعلمون، والذين لا يعلمون لأن الأمية في أبسط تعريفاتها ما يزال حضورها متميزا في سلم القيم بالنسبة للدول التي لم تدرس أوضاعها دراسة كافية حسب جاك بيرك، وبالتالي يكون من الطبيعي ربط هذه الثورة العلمية الجديدة بشروطنا الاجتماعية والتاريخية، لأن “الأمر بالنسبة إلينا يتعلق بالتكيف مع الحاضر عسانا نتمكن من صنع الغد، وما بعد الغد، حسب تصوراتنا ومقاييسنا. ولن نحقق ذلك إلا حينما يبلغ تطورنا مستوى يسمح بتفجير ظاهرات تقنية نستطيع التحكم فيها إنسانيا".
وبهذا المعنى دعا أستاذ علوم التربية كرستوف وولف إلى عولمة قائمة على الاختلاف، Une mondialisation différenciée، لأن الثقافة لا تقوم على الوحدة الفكرية في القيم، وإنما على مجموع الاختلافات العميقة، والتعددية في أسلوب الانتماء والكينونة، فهي تشمل “جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعنا بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشتمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات. والثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته، وهي التي تجعل منه كائنا يتميز بالإنسانية قدرته على التفكير في ذاته، وهي التي تجعل منه كائنا يتميز بالإنسانية المتمثلة في العقلانية والقدرة على النقد والالتزام الأخلاقي، وعن طريقها (الثقافة) نهتدي إلى القيم ونمارس الاختيار، وهي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه والتعرف على ذاته كمشروع غير مكتمل، وإعادة النظر في إنجازاته، والبحث دون توانٍ عن مدلولات جديدة وإبداع وأعمال يتفوق فيها على نفسه"، كان هذا إعلان مكسيكو بشأن الثقافة عام 1982 في إطار جهود اليونيسكو، وإذا ما طبق على العولمة، فهي تبدو كصيرورة فكرية تكرس واقع تفوق الأقوى، الذي يحاصر التكامل الثقافي، وتجارب الآخر الغريب، وكل رؤية انثروبولوجية للتاريخ والثقافة، فتجعل الإنسان كائنا عبثيا لا يعرف ذاته، ولا يفهم أشكال وممارسات الحياة، وما تنتجه من مظاهر اجتماعية وثقافية، فتساءل البعض عن أنسنة العولمة، ومدى إمكانية فرض واعتماد حلول اقتصادية أكثر عدالة على المستوى الاجتماعي، وفكر البعض الآخر في سؤال: هل هنالك عولمة من وجهة نظر إسلامية؟ واعتبرها ظاهرة تاريخية تعبر عن “رغبة الشمال في السيطرة على الجنوب منذ الحرب بين روما وقرطاجنة، والغرب في السيطرة على الشرق منذ الحروب بين فارس واليونان"، لأن الظاهرة الاستعمارية جددت حضورها في صورة الاقتصاد الحر، واتفاقية الجات، والتبعية السياسية التي لا تحترم لا القانون الدولي ولا القوانين الوطنية، ونشر القيم الاستهلاكية مع الجنس والعنف والجريمة المنظمة، إلى درجة أن المفكر المعاصر جورج لابيكا أثار إشكالية السعادة في العولمة، خاصة بعد تعميم السلع إلى درجة أننا لا نستطيع أن نميز دولة عن أخرى، وقد صارت المؤسسات المالية أقوى من الدول، وانعكست سياساتها على مختلف شرائح المجتمع، لأن الدولة لم تعد مرجعا للتنمية، وارتبط الوجود الثقافي بمدى إنتاجيته المادية، خاصة عند دعاة العولمة الذين يرافعون من أجل تحرير الاقتصاد تحقيقا لمصالحهم الانتفاعية باعتبار أن عدم تدخل الدولة يساهم في تقليص الضرائب والحقوق الاجتماعية للعمال، ولم نجد لدى هؤلاء دعوة من أجل تحرير المواطن، لأن الليبرالية كل متكامل لا يفصل فيها بين المبادرة الاقتصادية والدفاع عن الحريات المدنية والسياسية، وفي هذا السياق المعرفي رأى عزيز الحبابي بأن الليبرالية، انطلقت “كسيرورة دينامية ونظام متفتح ومنسجم، لكنها انتهت بخلق خرافة تجعل من الغرب السيد الخلاق السعيد المتفائل، وبعد الحربين الغربيتين اللتين طبعتا تاريخ العالم، انمحت الخرافة وانفتحت العين على غرب بائس ومتشائم، استعبده رأس المال، فتراكمت لديه أخطاء وجرائم وأحقاد وعقد"، ولهذا كان من الطبيعي أن تبقى ثقافة المقاومة جزءا من آليات الدفاع عن الذات في مواجهة الآخرين، بحيث لا نغترب مكانيا ولا زمانيا، فنعمل من أجل الإستثمار الإيجابي لتراثنا بروح المعرفة، وبيوت الحكمة وزوايا الحوار والمناظرة، فنحقق علم الإستغراب باعتباره العلم المضاد للإستشراق، لأن القابلية للعولمة صارت تفرض وجودها علينا، سواء في تكوين الأشخاص (التعليم بالحاسوب) أو صناعة الأشياء (الإلتزام بالمعايير الدولية) أو إبداع الأفكار (حقوق التأليف والإختراع).
وإذا كانت الثقافة هي ما يضيفه الإنسان بيده وفكره إلى الطبيعة، فقد تحوّلت إلى إبستيمية ميكيافلية، تهتم بما هو كائن، كما يبدو من الخطاب الغرائزي القائم على التبعية والصدام والعدوانية، كما تكلم فوكوياما عام 1989 وهانتنغتون عام 1993 والقانون الفرنسي لتمجيد الإستعمار عام 2005، وكأن عولمة الثقافة تجسد الجنون النيتشوي عندما بحث في جينالوجيا الأخلاق وميز بين قيم الأقوياء وقيم الضعفاء، فساهمت في تعميم جدار الفصل العنصري على الأزمنة الثقافية المختلفة )التاريخ العبري والتاريخ الميلادي والتاريخ الهجري)، وشرعت في حصار مبدأ التعددية الفكرية باعتبارها )بروميثيوس( الجديد والأخير، كما يبدو من الأحاديث الثقافية عن نهاية الإديولوجيا والتاريخ والدولة
الإنسان والإيمان...
لقد صار الخطاب الثقافي حول العولمة بين الرشاد والتيه، لأن جدل الذات والآخر استمر يصارع المفهوم الجديد بنفس الإستراتيجية التي انفعل بها بمفاهيم سابقة كالتقدم والمعاصر والحداثة وما بعد الحداثة، وعلى هذا الأساس قد يكون مثل هذا التداول المعرفي، إضافة إلى تكديس ثقافة (يجب الذي يجب) في زمن اخترق الآخر بمعرفته وعلومه هذه الذات، وبالتي لم تعد رمزيتها قائمة على الثنائيات أو المحاور الجزئية والضيقة، لأن الآخر صار فيها ومعها، فمن الحكمة بمكان الإنتصار لتنشئة إجتماعية متعددة الأبعاد (الأسرة، العالم، المجتمع) تجعل الثقافة مفتوحة على التاريخ المعرفي، وليس على معرفة التاريخ، وعلى التثقيف اللغوي بوظائفه الإستعمالية والعلمية، بعدما صارت اللغات الأنثروبولوجية كاللغة العالمية (الإسبرانتو Esperanto) تحمل من الأهداف ما يتجاوز وجودها، لأن أدوات التواصل قد لا تصنع علاقات إبداعية تحرك التاريخ، ولكنها على الأقل تساهم في دعم التنوع الثقافي الذي صار قاب قوسين أو أدنى من العدم. ولعل مثل هذا الموقف، جعل موضوع: العولمة والتنوع الثقافي، إشكالية فلسفية مقررة في المنهاج التربوي، الذي أثار تفكيرا حول حقيقة العولمة، وفلسفتها، ومخاطرها، وكيف يمكن في مجال التنوع الثقافي، إدراك عولمة بين التناقض والتهذيب؟ قصد البحث في “كيف يمكننا تصور بقاء الأمم بثقافاتها، وإثبات الذات، أمام تحديات العولمة التي تقرر مرجعيات المستقبل؟"، فالأمر الواقعي للعولمة انعكس على المنظومة التربوية بحيث تحوّل التدريس بالأهداف إلى تدريس بالكفاءات، وانتقل “الفعل التربوي من الأستاذ إلى المتعلم، وتحوّل مجال الاهتمام بالقضايا المفاهيمية إلى مجال الاهتمام بالفكر النسقي"، إلا أن هذه الإستراتيجية قد لا تنسجم مع وجودنا الاجتماعي والتاريخي، لأن التكوين التربوي صار يعتمد على آليات الدعم المالي والدروس الخصوصية في جميع مراحل التعليم إلى درجة أن عالم الأشياء هيمن على عالمي الأشخاص والأفكار، فكيف يطلب من المتعلم في المرحلة المتوسطة حل معادلة ب (Excel) وهو يجهل مبادئ الإعلام الآلي؟
يبدو أن مبدأ تعميم المعرفة الذي اقترن بتسويق العولمة، ينحصر في خطها الثقافي “الذي يحاكى، يعلن، ينتصر، ويعبر عن العولمة كاتجاه أحادي أي أن يكون ظلها الإيديولوجي والفكري"، وهذا الاحتواء السلبي يتأكد من إشاعة قيم استهلاكية مناهضة لفلسفة العمل التي تستثمر كل الجهود في التنمية سواء كانت تقليدية أو تحديثية، فانتصرت في المقابل ثقافة الفوضى: فوضى السوق، وفوضى العمران، وفوضى المؤسسات إلى درجة أن الانفتاح صار عنوانا لاغتراب الذات عن ثقافة الاستقلال والبناء، وأسلوبا لإثراء فئات اجتماعية لا تحتكم إلى قواعد الاقتصاد، لأن وجودها التاريخي لا يمتلك ثقافة الرأسمال، وإنما تخزين المال ووفرته. ووفق هذه الرؤية الفلسفية لم يعد للمشروع الثقافي المحلي أي معنى، لأنه تابع بالضرورة لجدلية العبد والسيد، وفي أقوى حالاته يدعونا إلى التكيف مع الوضع الجديد، وهذا الموقف لا يختلف عن التجارب الفلسفية التي ارتبطت بالتيارات الغربية، كالوضعية، والوجودية، والماركسية، وغيرها من المذاهب التي استجابت لمبادئها كنماذج للتطبيق على مستوى الرؤية أو المنهج أو المفاهيم، دون أن تشارك في اكتشاف قيم العصر وطبيعة المجتمع الذي تنتمي إليه، فاختارت الاغتراب الثقافي بأبعاده الزمانية والمكانية، لتصبح لحظة ظرفية في المعرفة، تنتهي بفناء أصحابها، لأن فريضة التفكير الغائبة، تدفع الأتباع “إلى التبعية، والتّبعية تستلزم الخضوع للنظام المرجعي الذي ولد في فضاء ثقافي وأنتج في زمان ومكان مختلفين عن الظرف الحاضر".
للموضوع احالات


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.