التجمع الوطني الديمقراطي يدعو من سطيف إلى مشاركة واسعة في التشريعيات المقبلة    الزخرفة بين المعمار والحرفة... معرض بالقصبة يعيد اكتشاف جمال التراث الجزائري    انطلاق أول فوج من حجاج ولاية البيض نحو البقاع المقدسة في أجواء روحانية    سفيان شايب يشدد بمدريد على عصرنة الخدمات القنصلية وتحسين التكفل بالجالية الجزائرية    مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي يختتم دورته السادسة بتتويجات مميزة وحضور فني لافت    افتتاح مبهر للمهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية في طبعته ال15 بأوبرا الجزائر    "باتيماتيك 2026".. موعد دولي لتعزيز الابتكار في قطاع البناء بالجزائر    خبير اقتصادي: العامل الجزائري محور أساسي في تحقيق النمو ودفع التنمية الوطنية    الحكومة تراجع الصفقات العمومية وتبحث استراتيجية وطنية لمكافحة السرطان في أفق 2035    رئيس الجمهورية يؤكد صون حقوق العمال والمتقاعدين ويشيد بدورهم في بناء الاقتصاد الوطني    رئيس الجمهورية يتمنى لحجاج الجزائر حجًا مبرورًا مع انطلاق أول رحلة إلى البقاع المقدسة    وزارة العمل: قفزة نوعية في التشغيل وتوسيع الحماية الاجتماعية بالجزائر    دخول فريق إعداد وطبع المواضيع فترة العزل    نؤسّس لصناعة حقيقية للسيارات..لا لنفخ العجلات    إرهابي يسلّم نفسه وتوقيف9 عناصر دعم للجماعات الإرهابية    آليات رقابة وضبط جديدة لحماية الاقتصاد الوطني    حلول مبتكرة للتحديات الاقتصادية    سائقو سيارات الأجرة يحتجون    معرض تفاعلي يحاكي واقع سوق العمل    19 مليار دينار قيمة تعويض المتضررين    سكيكدة تستحضر مناقب البطل مسعود بوجريو    قمة عاصمية للظفر بالكأس العاشرة    جدل في السعودية بسبب المطالبة برحيل رياض محرز    تنصيب لجنة متابعة موسم الحج 1447ه/2026م لضمان مرافقة الحجاج    بين الطب الحقيقي والطب البديل    تنظيم عملية تسويق الأدوية بالصيدليات    تنديد واسع ب"حائط مبكى جديد" لليهود بمراكش    عشتُ وجع "حدة" بصدق    أناقة بذاكرة تراثية    الجزائر تحصد ثلاث ذهبيات    جون راكيش يشيد بالإمكانات الإبداعية    عنابة تحتفي بسينما الذكاء الاصطناعي    كيف سيبدو العالم بعد عشر سنوات؟    عصرنة قطاع التطهير وتثمين المياه المصفاة: توجه استراتيجي لتعزيز الأمن المائي    الشعوب المستعمرة تلجأ للمقاومة بسبب انتهاك حقوقها المشروعة    متابعة أشغال ورشة التقييم الذاتي لنظام الأدوية واللقاحات    لانتخاب مجالس بلدية..الفلسطينيون يُدلون بأصواتهم في أول انتخابات بلدية منذ حرب غزة    وزارة الدفاع الإيرانية:الولايات المتحدة تبحث عن سبيل للخروج من مستنقع الحرب    هجوم هولندي جديد على أنيس حاج موسى    قدّم عرضًا فنيًا لافتًا في نصف نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة: رياض محرز.. ساحر يفتح شوارع بطل اليابان    تجديد عقد بيتكوفيتش مع "الخضر" يقترب من الحسم    زروقي يترأس اجتماعاً "حاسماً" مع الشركاء الاجتماعيين    ضبط أزيد من 86 كلغ من الكيف المعالج    03 وفيات و 195 جرحا    نقل التجربة الجزائرية في تسيير مراكز "المقاولاتية" إلى النيجر    الدولة تراجع المنظومة القانونية تلبية لتطلعات المواطنين    أسرى فلسطين بين سيف الإعدام وصمت العالم    الخط المنجمي الشرقي يدخل مرحلة الإنجاز المكثف    الكنيست يمرر قانون إعدام الأسرى..؟!    وزير المجاهدين رفقة الوالي وثلة من المجاهدين يعيدون الأمجاد    زكاة الفطر من الألف إلى الياء..    هكذا نستقيم على الطاعة بعد رمضان..    أول ألقاب آيت نوري مع السيتي    التجربة الإسلامية التاريخية بنيت على المفهوم القرآني للعدل    كم يربح رونالدو من تهنئة العيد؟    هكذا نستقيم على الطاعة بعد رمضان..    هكذا كان صحابة رسول الله يحتفون بليلة العمر    ما شعورك وأنت تودع رمضان الكرم؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مقاصد سورة الأنفال
نشر في الجزائر نيوز يوم 12 - 01 - 2013

سورة (الأنفال)، هي السورة الثامنة في ترتيب السور القرآنية، إذ يبلغ عدد آياتها 75 آية. وهي سورة مدنية بالإجماع، وموضوعها العام الغنائم وسياسات الحرب والسلم.
أسماؤها: عُرفت هذه السورة باسم سورة (الأنفال) منذ عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبه كتبت تسميتها في المصحف حين كتبت أسماء السور. ولم يثبت في تسميتها حديث. وتسميتها بهذا الاسم، كونها افتتحت بآية فيها اسم (الأنفال)، وكونها أيضا ذُكِر فيها حكم الأنفال. وتسمى هذه السورة أيضا سورة (بدر). فقد روى السيوطي في (الإتقان) عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: سورة الأنفال، قال: تلك سورة بدر. وسميت بذلك، لأنها نزلت في وقعة بدر الكبرى، وتعرض كثير من آياتها لوقائع هذه الغزوة المباركة. وذكر البقاعي من أسمائها (الجهاد)، قال: لأن الكفار دائما أضعاف المسلمين، وما جاهد قوم منا قط إلا أكثر منهم.
فضلها: روى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أنه سئل عن الأنفال، فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين. قال الهيثمي: رجاله ثقات. وفي أخبار وقعة القادسية، أنه لما صلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الظهر، أمر غلاما - كان عمر رضي الله عنه ألزمه إياه، وكان من القراء- بقراءة سورة الأنفال، وكان المسلمون كلهم يتعلمونها، فقرأها على الكتيبة التي تليه، وقرئت في كل كتيبة، فهشت قلوب الناس، وعرفوا السكنية مع قراءتها. قال مصعب بن سعد: وكانت قراءتها سنة، يقرؤها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الزحف، ويستقرئها، فعمل الناس بذلك. قالوا: ومن السنة التي سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر، أن تُقرأ سورة الجهاد عند لقاء العدو، ولم يزل الناس بَعْدُ على ذلك. وهذا يدل على فضل هذه السورة، وخاصة عند خوض المعارك.
مقاصدها: قررت هذه السورة العديد من المقاصد والأحكام المتعلقة بالقتال والغنائم، وقواعد التشريع، وسنن التكوين والاجتماع، والولاية العامة والخاصة، والعهود، وصلة الأرحام، وأصول الحكم المتعلقة بالأنفس ومكارم الأخلاق والآداب. هذا ما قصدت إليه السورة من حيث الجملة، وتفصيل هذا الإجمال نسوقه على النحو التالي: * كون الأنفال لله والرسول، حيث قررت السورة خُمْس الغنائم لله وللرسول. وفي اقتران الرسول في هذا القسمة بالله تشريف له، وإعلاء لمكانته ومنزلته عليه الصلاة والسلام. * أن الإيمان الصادق يقتضي العمل الصالح من تقوى الله، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله. وأن المؤمنين الصادقين الذين يكون لإيمانهم مثل هذه الثمرات الثلاث هم “الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون" (الأنفال: 32)، التي قصروا أنفسهم عليها. * أن الله تعالى يبلو المؤمنين بلاء حسنا بمثل النصر والغنيمة، كما يبلوهم أحيانا بلاء شديداً بالبؤس والهزيمة، تربية لهم، قال تعالى: “وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا" (الأنفال: 17)، وبكلا البلاءين يتم تمحيص المؤمنين. * إرشاد المؤمنين إلى أن الحياة المعنوية، التي يرتقون بها عن أنواع الحياة الحيوانية، إنما هي فيما يدعوهم إليه الرسول من الإيمان والعمل بكتاب الله تعالى: “استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه" (الأنفال: 24). * إرشاد المؤمنين إلى سنة اجتماعية، وهي جعل الأموال والأولاد فتنة، أي: امتحاناً شديد الوقع في النفس، وتحذيراً لهم من الخروج في أموالهم ومصالح أولادهم عن الحق والعدل. فالافتتان بالأموال والأولاد مدعاة لضروب من الفساد، فإن حب المال والولد من الغرائز التي يعرض للناس فيها الإسراف والإفراط، إذا لم تهذب بهداية الدين، ولم تشذب بحسن التربية والتعليم. وهذا أصل عظيم في تربية المؤمن نفسه على التزام الحق، وكسب الحلال، واجتناب الحرام، واتقاء الطمع والدناءة في سبيل جمع المال والإدخار للأولاد. * تذكير المؤمنين بماضيهم، وما كان من ضعف أمتهم، واستضعاف الشعوب لهم، وخوفهم من تخطف الناس إياهم، ليعلموا ما أفادهم الإسلام من عزة وقوة ومَنَعة، وتمكن سلطانه في الأرض. ومعرفة تاريخ الأمة في ماضيها أكبر عون لها على إصلاح حالها، واستعدادها لمستقبلها. * إرشاد المؤمنين إلى ما يكتسبون به ملكة الفرقان العلمي الوجداني، وهو تقوى الله، “إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا" (الأنفال: 29)، فتقوى الله تُكسب صاحبها مَلَكة، يفرق بها بين الحق والباطل، والخير والشر، والمصلحة والمفسدة، فيجري في أعماله على مراعاة ذلك في ترجيح الحق والخير والمصلحة على ما يقابلها من الباطل والشر والفساد. * امتنان الله على رسوله الأعظم، بتأييده وبنصره وبالمؤمنين، وبتأليفه بين قلوبهم، ويا لها من منة عظيمة من مننه تعالى عليهم، ومنقبة هي أعظم مناقبهم، “هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم" (الأنفال: 62-62). * بيان حال الكفار من المشركين وأهل الكتاب “سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب" (الأنفال: 12)، أي: عند لقاء المؤمنين في القتال، وما علله به بعده من مشاقتهم لله ولرسوله، وتوعدهم بعذاب النار، “ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب * ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار" (الأنفال: 13-14)، وفي هذا بيان لخذلانه تعالى لهم، وتمكين المؤمنين من قتلهم، وبيان عناية الله تعالى بهم. *وصف حال الكفار بالدواب التي لا تسمع ولا تعقل، “إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون" (الأنفال: 22)، فوصفهم بتعطيل مشاعرهم ومداركهم الحسية والعقلية، ووصفهم في آية أخرى بعدم الإيمان: “إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون" (الأنفال: 55). * تقرير العديد من قضايا عالم الغيب، كالبعث والجزاء والملائكة والشياطين، فقد ذُكِرَ جزاء المؤمنين، وجزاء الكافرين، وجزاء الفاسقين المرتكبين لكبائر الإثم والفواحش. وذُكِرَ إمداد المؤمنين بالملائكة يثبتونهم في المعركة. وذُكِرَ إذهاب رجز الشيطان ووسوسته عن المؤمنين. * فضح موقف الذين كفروا، الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وبيان عاقبة بذلهم للمال في مقاومة الإسلام، أنهم يغلبون في الدنيا، ثم يصيرون في الآخرة إلى عذاب النار. * تحذير المؤمنين من سلوك مسلك الكافرين، وهو مسلك البطر وإظهار الكبرياء والعظمة ومراءاة الناس، وهي مقاصد سافلة إفسادية، لا تليق بصفات المؤمنين، الذين إنما يقاتلون لإعلاء كلمة الله، وتقرير الفضيلة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. * تقرير سُنَّة من سنن النفس، وهي تفاوت البشر في الاستعداد للإيمان والكفر، وفي الاستعداد للخير والشر، وبيان أن جزاء الله تعالى لهم على أعمالهم في الدنيا والآخرة، إنما يجري بمقتضى هذا التفاوت. * تقرير سنة من سنن الاجتماع، وهي كون الظلم في الأمم يقتضي عقابها في الدنيا بالضعف والاختلال، الذي قد يفضي إلى الزوال، أو فَقْدِ الاستقلال، وكون هذا العقاب على الأمة بأسرها، لا على مقترفي الظلم وحدهم منها، وذلك أن الفتن في الأمم، والظلم الذي ينتشر فيها، ولا يقوم من أفرادها وجماعاتها من يقاومه، يعم فساده، فكما أن الجسد يتداعى ويتألم كله لما يصيب بعضه، كذلك الأمم. * تقرير سنة من سنن الاجتماع، وهي كون تغير أحوال الأمم، وتنقلها في الأطوار من نِعَمٍ ونِقَمٍ، وشدة ورخاء أثراً طبيعيًّا فطريًّا لتغييرها ما بأنفسها من العقائد والأخلاق والمَلكات التي تطبعها في الأنفس العادات، وتترتب عليها الأعمال، قال تعالى: “ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الأنفال: 35). * تقرير سنة من سنن الاجتماع، وهي كون ولاية الأعداء من دون المؤمنين من أعظم مثارات الفتنة والفساد في الأمة، والاختلال والانحلال في الدولة، كولاية المؤمنين في النصرة والقتال للكافرين الذين يوالي بعضهم بعضاً على المؤمنين في الحروب، فبعد أن بينت الآيات صفات المؤمنين بأنهم يوالي بعضهم بعضا، وينصر بعضهم بعضا، حذرت من ترك هذه الموالاة “إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" (الأنفال: 73). * بيان وجوب إعداد الأمة كل ما تستطيعه من قوة لقتال أعدائها، وفي مقدمة ذلك المرابطة في ثغور البلاد حماية لها. وهذه المرابطة تشمل المرابطة المادية بالاستعداد العسكري، والمرابطة المعنوية وذلك بالتحصين الثقافي والفكري. “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" (الأنفال: 60). * بيان أن القصد الأول من إعداد هذه القوة والمرابطة، إرهاب الأعداء وإخافتهم من عاقبة التعدي على الأمة ومصالحها، لأجل أن تكون آمنة في عقر دارها، مطمئنة على مصالحها، وهذا ما يُسمى ب (السلم المسلح)، “ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم" (الأنفال: 60). * بيان أن شريعة الإسلام تفضل السلم على الحرب، إذا جنح العدو لها، إيثاراً لها على الحرب، التي لا تُقصد لذاتها، بل هي ضرورة من ضرورات الاجتماع تقدر بقدرها، “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" (الأنفال: 61). * دعت السورة المؤمنين إلى المحافظة على الوفاء بالعهود، والالتزام بالمواثيق في الحرب والسلم، وتحريم الخيانة فيها سرا أو جهرا، وتحريم الخيانة في كل أمانة مادية أو معنوية، “لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون" (الأنفال: 27). * جعل الغاية من القتال في الإسلام حرية الدين، ومنع فتنة أحد واضطهاده، لأجل إرجاعه عن دينه، “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" (الأنفال: 39). * كون الثبات في القتال، وذكر الله عند لقاء العدو، وطاعة الله ورسوله، والصبر في ساحات القتال، كل ذلك من الأسباب المعنوية، التي يحصل بها النصر، “إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" (الأنفال: 45). * بيان أن الفشل والخسران، وذهاب القوة، مرده إلى التنازع والشقاق، ومن ثم التفرق والتشرذم والضعف، “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" (الأنفال: 46).
“كسر عظم الميت ككسره حيا"
اعتنت شريعتنا الغراء بالإنسان أعظم عناية، وكرمته أيما تكريم، يقول الله تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا" (الإسراء: 70)، ولم تنته عناية الشريعة بالإنسان بانتهاء حياته، بل امتدت إلى ما بعد موته، فجعلت حُرمة الميت كَحُرْمة الحيّ، فحرَّمت أن يُوطأ قبره أو تُقضى عنده الحاجة أو تُوضع القاذورات بِقرب قبره، فضلاً عن حرمة حرق جثته أو نبش قبره.
وبين يدينا حديث نبوي عظيم يؤكد تلك العناية الممتدة ويؤيدها، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وقال ابن دقيق العيد: إسناده على شرط مسلم.
معنى الحديث: هذا الحديث العظيم يدل على حرمة التعدي على الميت كما يحرم التعدي على الحي، يقول الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: “يستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته"، ويقول الإمام الطيبي: “إشارة إلى أنه لا يهان ميتا، كما لا يهان حيّا"، ويقول الإمام الباجي: “يريد أن له من الحرمة في حال موته مثل ما له منها حال حياته، وأن كسر عظامه في حال موته يحرم كما يحرم كسرها حال حياته".
قصة الحديث: روى ابن منيع بإسناده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرجنا في جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا جئنا القبر فإذا هو لم يفرغ، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على شفير القبر وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظما - ساقا أو عضدا - فذهب ليكسرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تكسرها، فإن كسرك إياه ميتا ككسرك إياه حيا، ولكن دسه في جانب القبر)، وكذا رواه الإمام السيوطي في حاشية أبي داود.
مسائل وأحكام: يمكن الاستدلال بهذا الحديث على جملة من المسائل والأحكام، نذكر منها:
- حرمة بيع أعضاء الميت: إذ أن حرمة جسد المسلم تمتد إلى ما بعد وفاته كما يدل على ذلك الحديث، ولذا لا يجوز الاعتداء عليه بأي نوع من أنواع الأذى، سواء كان ذلك ببيع أعضائه أو التصرف فيها، لأن الواجب في جسد المسلم بعد موته تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ثم دفنه، وفي حال بيع أعضائه أو التصرف فيها إسقاط لهذه الواجبات.
- حرمة تشريح الجثة: يحرم تشريح جثة الميت المسلم وجعلها محلاً للتدريب والتعليم، فإن هذا مناف لتكريم الله له، وأما وجود الحاجة لتشريح الجثث للبحث العلمي، فهذه الحاجة يمكن أن تتحقق بجثث غير المعصومين كالكافر الحربي والمرتد عن الإسلام.
- كسر عظم الميت عن غير عمد ليس فيه قصاص أو دية: إذا انكسر عظم الميت أثناء دفنه أو عند دفن شخص آخر في نفس القبر بعد أن تبلى عظامه فليس في ذلك قصاص ولا أرش، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله مؤيدا لذلك: “المراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة، لا في مقدارها، بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت"، والله أعلم.
مسجد القبلتين
لعله يتضح من مسمى المسجد وجود علاقة بينه وبين ما مرَّ به المسلمون من الصلاة أولاً إلى بيت المقدس. ثم نسخ ذلك بالأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام بقوله تعالى: “قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون" (البقرة: 144)، ذلك أن الله عز وجل لما أنزل على نبيه الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديًّا يبلغ المسلمين في أطراف المدينة أن القبلة قد حولت، فلما جاء إلى محلة بني حرام من بني سلمة وجدهم وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلُّوا ركعة، فنادى أَلا إن القبلة قد حولت، فمالوا كما هم نحو القبلة. كما روى ذلك مسلم في صحيحه. ومنذ ذلك الحين والمسجد يدعى بهذا الاسم. ويقع مسجد القبلتين في الجنوب الغربي قرب وادي العقيق وفوق رابية مرتفعة قليلا، ويبعد عن المسجد النبوي قرابة خمسة كيلومترات بالاتجاه الشمالي الغربي، وقد جُدد بناؤه مرات عديدة، ولعل آخرها ما قامت به شركة ابن لادن من توسعته وتجديده، فجعلته طابقين، الطابق الأرضي يشمل مصالح المسجد، والطابق العلوي للصلاة، ويبلغ مساحته 1190 متر مربع، وخُصصت شرفة واسعة مساحتها 400 متر مربعً للنساء تطل على ساحة المصلى، ورواق لتحفيظ القرآن الكريم، كما أقيم بجانبه فناء داخلي غرس بالأشجار.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.