برشلونة تعود إلى النّهل من المدرسة الهولندية بِصفقة ضخمة    وفاة شخص إختناقا بالغاز في خنشلة    الفريق ڤايد صالح يؤكد على اليقظة والجاهزية في الدفاع الوطني    مساعدو ومشرفو التربية بغليزان يهددون بالإحتجاج ويطالبون بإعادة الإعتبار    12 رئيس حزب و50 مترشحا حرا يسحبون استمارات الترشح    نصر حسين داي 1 - 0 مولودية الجزائر    تعثّر جديد يثير استياء الأنصار    جمعية الشلف في مهمّة التّدارك أمام أمل بوسعادة    إرهابيان يسلمان نفسيهما للسلطات العسكرية بتمنراست    إسكان 379 عائلة بوحدات إيجارية اجتماعية ببوركيكة في تيبازة    رئاسيات: أخر أجل لإيداع ملفات الترشح 03 مارس المقبل    عطال وبن سبعيني يتضامنان مع لاعب “نانت” المُختفي    أمطار و برد على وسط و شرق الوطن إلى غاية مساء الخميس    جراء حوادث المرور خلال سنة‮ ‬2018‮ ‬    المنتوح الوطني في حركية بعد قرار حظر الإستيراد        توتّر غير مسبوق بين إيطاليا وفرنسا بسبب إفريقيا والمهاجرين    رونار يصدم المغاربة والجزائريين    إسرائيل تقترب من الحدود الجزائرية!    انتصار دبلوماسي آخر للجمهورية الصّحراوية ببروكسل    تعيين 1541 قاضيا لمعاينة وتحصيل نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة    الحكومة تسجل 80 ألف متقاعد في 2018    90 ألف مكتتب في “عدل 2” يختارون مواقعهم    سليماني يُريد إختتام مشواره الدولي بالمشاركة في “الكان”    الوفاق يتصالح مع أنصاره و20 مليون سنتيم مكافأة التأهل    يوسفي: للجزائر القدرة على الإندماج وصناعة السيارات خيار اقتصادي    النيران “تأكل” طائرة الجوية الجزائرية التي باعتها لأمريكا!    الصين تعلن اعترافها بطالبان قوة سياسية    الفتاتان السعوديتان، روتانا وتالا الفارع، اللتان عثر على جثتيهما في نهر بنيويورك "انتحرتا"    غلاف مالي يفوق 47 مليار دج سنة 2019    ميلة.. 3 نساء في شبكة لترويج المهلوسات    جامعة تيزي وزو : منح جائزة الذاكرة للمرحوم الشاعر معطوب الوناس    فتح المجال للخواص.. منح الفرصة للشباب وتنشيط القاعات    تفسير: (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم ):    حسب الديوان الوطني للإحصائيات    هذه المحاور التي تناولتها اللّجنة الأمنية المشتركة الجزائرية-المالية    وفاة 21 شخص وإصابة 1011 آخرين بحوادث المرور خلال أسبوع    تسخير 1541 قاضيا في المراجعة الاستثنائية للقوائم الانتخابية    والي الطارف يعلن أمام أعضاء المجلس الولائي    فيما أثارت إطلالتها الجديدة التساؤلات    بطاقة فنان: منح 10293 بطاقة مهنية لفنانين عبر الوطن    النظام السوري يتوعد باستهداف تل أبيب    المنشد جلول يرد على مهاجمي الراحل هواري المنار    لتعميم استخدام الصناديق البلاستيكية بورڤلة‮ ‬    بعد تسجيل عدة حالات في‮ ‬مختلف الولايات    خلال السنة الماضية بالعاصمة‮ ‬    73 توصية تتوج الجلسات الوطنية للسياحة    كعوان يؤكد أهمية نقل نضال الفلسطينيين عبر وسائل الإعلام    حسبلاوي يشدد على تقليص آجال استلام المشاريع المعطلة    رحمة الرسول بالجاهلين    فاتورة الكهرباء    آداب الإمامة    الناس والبرد والإنفلونزا 3 خرافات ينبغي محوها للأبد    دجاج معدل جينيا لمواجهة الوباء المميت    السواحلية تكرم المتوج طاهر عين وزان    مكسب ثقافيّ يأمل الدعم    إطلاق جائزة عالي ولد شريف قريبا    "جلاس" يتصدر الإيرادات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





إما أن تُغيِّر أو تتغيَّر أو تواجه قانون الاستبدال!
مقالات الوسطيّين
نشر في الشروق اليومي يوم 13 - 12 - 2018

إذا كان الإكراه في الدّين لا يصنع متديّنين، والإكراه على الفضيلة لا يُنتج مجتمعا فاضلا.. فإنّ الإكراه على الرّأي، والعمل على إخضاع العقل لنمط واحد من التّفكير الخائف من التغيير، والمصطفّ مع المصلحة الملوّنة بالصّبغة الإيديولوجيّة، لا يصنع إلاّ أتباعًا مشلولين فكريّا، مشوّهين تنظيميّا، معاقين حركيّا، ومنهزمين نفسيا وثقافيّا وحضاريّا.. هؤلاء هم سبب هزائم الأمّة. وقد أثبت التّاريخ أنّ وجودهم في موقع قيادة الرّأي يعمّق الهوّة بين النّخبة وبين مدمني "الفكر المتربّص"، فإذا واتتهُم سانحة كشّروا عن أنيابهم، وأخرجوا ما كان مكبوتا في أعماقهم، فاكتشف خصومهم نقاط ضعفهم، فانقضّوا عليهم وأصابوهم في مقاتل.
الرّأي الحرّ لا يمكن أنْ ينمو إلاّ في بيئة صحيّة حرّة، يكون لكلّ صاحب فكر فيها حقّه الكامل في التّعبير بضوابط، وهامش في الخطأ في حدود. فالاستبداد الفكري هو العدوّ الأوّل للحوار. وتقديس الرّأي الفردي مهما كانت منزلة صاحبه فيه إهانة للعقل، ومصادرة لحقّه في اكتشاف الحصار المضروب عليه من بطانته التي تقدّس رأيه، إذا كان رأيه خادما لمصالحهم. فإذا خالفهم الرأي أو هدّد بعض مصالحهم دنّسوه وشيطنوه. وفي قصّة إسلام عبد الله بن سلام درسٌ عظيم لمن يريد أن يفقه حال الغوغاء مع قيادات الرّأي. خلاصتها: أنّ ابن سلام كان عالما من علماء بني إسرائيل في يثرب، سأل يوما رسول الله (ص) عن بعض المسائل التي يعلم أنه لا يعرفها غير الرّسل. فلما تلقّى أجوبتها الصّحيحة أسلم. وقال للرّسول (ص): إن اليهود قومٌ بُهت وإنهم إنْ يعلموا بإسلامي يبهتوني. فأرسل إليهم فقال: "أيُّ رجل ابن سَلاَم فيكم؟". قالوا: حَبْرُنا وابن حَبْرِنا، وعالِمُنا وابنُ عالِمنا. قال: "أرأيْتم إنْ أسْلَم، أتُسْلِمون؟". قالوا: أعاذه الله من ذلك! فخرج عليهم ابن سلام فقال: أشهد أْنْ لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله. فقالوا: شَرُّنا وابنُ شرِّنا وجاهِلُنا وابنُ جاهلِنا. قال: يا رسول الله، ألم أقل لك إنّهم قوْم بُهْتٌ. أه.
الاعتداد بالرّأي نرجسيّة قاتلة، وأبشع أشكال النّرجسيّة أنْ تظنّ إنك أنت الحقّ، ورأيَك الحكمة، وخطابك القرار.. فإذا تكلّمت وجب على الجميع الصّمت والإصغاء والسّمع والتّصفيق.. ومن تجرّأ على مقاطعك أو اعترض على رأيك، فقد ارتكب كبيرة "عقوبتها خاشقجيّة". تبدأ بدعوة السّفهاء إلى تجريمك ورجمك بتغريدات جارحة هدفها الدّفاع عن الاستبداد، والتعصّب لشخص الزّعيم، ومصادرة الرّأي المخالف.. وتنتهي بالتصفيات الجسديّة. ولا عجب فقد كان واصل بن عطاء المخزومي تلميذا نجيبا في حلقة الحسن البصري، فجادل شيخَه حول حكم مرتكب الكبيرة، فلما تحوّل الحوار إلى جدل قال له شيخه: "اعتزلنا". فخرج من حلقته ليؤسّس حلقة خاصّة به اجتمعت لها فرقة واسعة فُتن بأفكارها العالم الإسلامي كله، قديما وحديثا. هي فرقة المعتزلة. وكان بإمكان شيخه العالم الجليل استيعاب أفكاره بصدر أرحب وأفق أوسع، بدل أن يوحي له بفكرة الاعتزال ويصفع في وجهه باب الحوار.
هذا الخطأ التاريخي الصّغير، صار اليوم كبيرا في ثقافة كثير من النّخب التي لا ترى صوابا إلاّ رأيَها، ولا ترفع من شأن عالم ولا مفكّر ولا أديب ولا داعيّة.. إلاّ إذا كان من زمرتها، يسبّح بحمدها. فإذا خالفها الرّأي، أو جاء بما ليس على مزاج "شيخها".. تحرّش به سفهاؤها فسفّهوا رأيه، وأنكروا عليه فكره، وأشاعوا حوله الأراجيف والتّهم ورموه بكل نقيصة، وقالوا فيه ما لم يقله مالك في الخمر.. وقد غفل كثيرٌ منهم عن حقيقة جوهريّة في حياة الناس، وهي أنّ الحقّ لا يُعرف بالرّجال، بل إنّ الرّجال هم الذين يُعرفون بالحقّ. فإذا عرف الإنسان الحقّ عرف حُماته. ولعلّ سبب هذه الأزمة المعرفيّة في عالمنا اليوم ناجمة عن سوء الخطاب الذي نسوّقه للناس باستخدام سيّء لأربعة مصطلحات ليست لها نفس المضامين.
الحقّ والباطل: ومجالهما العقيدة واليقين المنقول من التّكاليف.
الحُسْن والقبْح: ومجالهما الأحكام القيميّة، بعد تحرير المناط في السّبب والشّرط والمانع.
الصّواب والخطأ: ومجالهما الفكر والحوار والرّأي والنّظر..
الخير والشرّ: ومجالهما العمل وثمرته في الميدان وحجم نفعها وضرّها.
أشنع خطأ يقع فيه المتطرّفون، ويشايعهم المتعصّبون والمستبدّون والنّرجسيّون.. هو خلطهم بين هذه المصطلحات عندما يخاطبون الناس، فالرّأي عندهم حقّ وباطل، أو هو خير وشرّ، أو حسْنٌ وقبْح. والأصل أنه صواب أو خطأ. ورحم الله الإمام الشّافعي الذي قاده تواضع العالم إلى القول: "رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصّواب"، ولم ينسب لنفسه حصريّة الحقّ والباطل والحلال والحرام والخير والشرّ والجنّة والنار.. وكان الإمام مالك إذا سُئل عن شيء لا يجد له سندا شرعيّا قال: لا أحبّه. لا أستسيغه. لا يعجبني.. ولا يقول: هذا حلالٌ وهذا حرام، وهذا حقّ وهذا باطل، وهذا خير وهذا شرّ.. إلاّ إذا كان له على ما يقول سند من الكتاب والسنّة. أما رأيه فلا يجعله دينا ولا يفرضه على النّاس بذريعة أنه إمام دار الهجرة.
إنّ علم الرّواية شيء وعلم الدّراية شيء آخر. فمن حفظ صحيفة ملك حقّ رواية ما فيها. أما العلم بما فيها فليس متاحا لكل من تكدّست في حافظته أخبار القرون الأولى، فقد حمل بعض الأحبار والرّهبان كما يحمل كثيرٌ من الغلاة اليوم ما في كتبهم من أخبار رواها الأسلاف للأخلاف، ولكنّهم لم يفقهوا ما فيها، فضرب الله لهم مثلا بالقول: "مَثَلُ الذينَ حُمِّلُوا التّوْرَاةَ ثمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفارًا" الجمعة: 5.
فيا أيها الذين تطرّفوا، إنّ العالم الذي نعيش فيه أوسع من بيوتكم الصّغيرة، ومن شوارعكم الجميلة، ومن أوطانكم العزيزة.. وهو بكل تأكيد أوسع من أفكاركم المحليّة وآرائكم النّخبويّة وحلقاتكم الموضعيّة وأحكامكم القطعيّة على أناس لم تناقشوهم، وحاكمتم نياتهم في غيابهم، وأصدرتم ضدّهم حكما جائرا.. روّيدكم: إذا لم تكونوا قادرين على استيعاب مقتضيات تداول الأيام بين الناس، في سنن التجديد والتغيير، فلا أقلّ من أن تختاروا بين واحدة من اثنتيْن.
إما أن تفتحوا عقولكم لسماع رأي آخر تستمزجون به ما عندكم من محفوظات.
وإما أن تفسحوا الطّريق أمام من يقول لكم: إنّ سنن الله قد قضت بأن يتغيّر العالم بتغيّر ما بأنفس الناس، فإذا لم تُغيّروا ما بأنفسكم طواعيّة، قيّض الله لكم من يغيّركم بقانون الاستبدال الجبْري الذي لا يحابي أحدا؛ فسنن الله غلاّبة، والطبيعة لا تقبل الفراغ.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.