إن اختيار دار النشر اليونانية العريقة «ڤيماتانيا» لوحات الفنان السوري جمال جرعتلي ،لتصاحب تقويم عام 2018، برعاية بنك اليونان الوطني هو،وحده ، هو ما أثار انتباهي في تجربته التشكيلية. وقد اختارت هذه الدار باقة من أعمال الفنان جمال،من مجموعة معرضه «طريقالحرير» الذي أقيم في متحفي "بيناكي" الشهير،و"آسيانآرت" اليونانيين،فضلاً عن سبع لوحات جديدة ،لترافق كل صفحة من صفحات التقويم السنوي لليونان. وهذه هي المرة الأولى التي تختار فيها اليونان فناناً من خارجها لتقويمها السنوي بعد أن اعتادت كل عام على إصدار هذا التقويم مرفقاً بلوحات لفنانيها المميزين على مدى 35 عاماً. وأن يكون هذا دالّاً،غير أنّ القول النقدي هنا يحاول أن يعود إلى لوحاته ذاتها،إلى تقنيتها وإلى موضوعاتها و إلى رؤيتها الجمالية قدر المستطاع. تقنية مبتكرة ربما بسبب طبيعة تفكيري ما بعد الحداثية كنت أهجس بحوار الأجناس الفنية، وربما يكون الجرافيك يبدو مزجاً لتقنية الرسم و النحت، و ربما هناك من مزج كلا الفنين في لوحة إلصاقية واحدة، لولا أنّ مشاهدتي لبرنامج تلفازي يشرح فيه جمال تقنيته في الرسم جعلت عمله و حوار الرسم و النحت أكثر إقناعاً و أصالة، و لاسيما في ابتعادها عن العشوائية و الفنّ العفوي غير الرسمي. و تقوم هذه التقنية على استبدال كتلة الصخر أو الخشب باللون المطلي على اللوحة و إذا كان النحات يظهر أشكاله من خلال حفر الصخر أو قشر الخشب فإنّ ما يفعله جمال هو إزالة الألوان بأصابعه ليظهر الأشكال المرادة.و ربما هذه العلاقة المباشرة بين جسد الفنان و طاقته الروحية هو ما يمنح أهمية لهذه التقنية المبتكرة حقاً. فهي تمنح العمل بصمة ذاتية من جهة و طزاجة لونية و تعبيرية من جهة أخرى. جدلية التفكيك و التركيب يصف الناقد اليوناني مانوس ستيفانيديس عمل جمال بأنه لوحةم دمجة ، بمعنى أنها تركيبية . بينما يصفها الناقد الألماني كلاوسسي باستيان بأنها صور شعاعية، بمعنى أنها تفكيكية ، ويمكن بسبب طبيعة الرسم الجسدية ، واتكاء على عمل جمال في ترميم المنازل القديمة ، وصفها بشغل عالم الآثار ، أعني أنّ جمال بينما هو يكتشف الأثري قوم بترميمه فوراً برؤية تفكيكية تركيبية معاً ، وبما يجعل بعث القديم ممكناً باستجابته لخلق الحديث في كون قابلاً للحياة في المستقبل. وربما ما دفع النقاد إلى وصف جمال بالرسام العالميّ هو طبيعة هذا الأثر الذي يستقبله بداية من تفاعل الحضارتين الفينيقية والإغريقية ،وليس انتهاء بالتفاعل الحضاري بين آسيا وأوربا على طريق تجارة الحرير. و ربما ولادة جمال في سوريا عام 1961 و هجرته إلى اليونان 1987 لحدسه الحضاري أنّ مستقبله الفني سيكون هناك، هو ما جعل هذا التفاعل في لوحته تلقائياً و ذا طبيعة تكوينية و وجودية في آن. و ربما هذا التفاعل الجدلي هو ما يدفع رؤيته إلى مزيد من التجدّد و الابتكار لأنّها غالباً ما تتيح استكشاف الوجود الإنسانيّ عبر كينونة تاريخه الحضاري. فما يرى في الأحلام،أومن أخيلة،أومن إشراقات في اليقظة أو أثناء مكابدة العمل الفني، قد لا يكون تشويشاً للحواس لما هو كائن الآن وهنا ،بقدر مايكون تياراً من الذاكرة التي يستقبلها الدماغ كمورثات جينية لصور الأسلاف ،أو تواصلاً نادراً معروح الكون – حسب جورج هيغل – ولكن بشكل فيزيقي،كانعكاس المرايا مع إمكانية حفظ الصور في الطبيعة و فضائها،ثمّ استقبالها و إرسالها...يتبع