كشف مخبأ للجماعات الإرهابية ببلدية عمورة ولاية الجلفة    ارتفاع حصيلة القتلى الفلسطينيين جراء القصف الإسرائيلي إلى 18 شهيدا    الجزائر-زامبيا: تحقيق إنطلاقة موفقة و تفادي التعثر    كرة السلة - البطولة العربية للأندية اناث: "مرتبتنا الثالثة هي ثمرة لمجهودات اللاعبات "    أحمد العمادي أمين السر العام السابق بالنادي العربي: براهيمي أفضل محترف بالدوري القطري    بودبوز يشيد بمدربه الجديد في سانت إتيان    شاب بلجيكي يعتنق الإسلام وينطق بالشهادتين    ميدالية فضية لصايفي وبرونزية لجلال في نهائي رمي الجلة    إنهيار عمارة بالقصبة بالجزائر العاصمة: عدم تسجيل خسائر بشرية    العرض الشرفي الأول للفيلم الروائي الطويل "مناظر الخريف" لمرزاق علواش    بن فليس.. يجب مسح الديون لأصحاب مشاريع “أونساج” الفاشلة    وزير الصحة يلتقي بعدة وزراء و مسؤولين أجانب على هامش قمة نيروبي للسكان والتنمية    طارق الجاني: “مهمتنا لن تكن سهلة أمام بارادو وحسنية أغادير”    إقبال ضغيف على تذاكر موقعة زامبيا    لا تغيير في تاريخ العطلة الشتوية للسنة الجامعية 2019-2020    غسان سلامة : أدعو إلى حضور الجزائر لمؤتمر برلين حول ليبيا ومجلس الأمن وصل الى حالة العقم    الإحتلال الإسرائيلي يصعد عدوانه على قطاع غزة وحماس تتعهد بالثأر للقتلى    تبون: ''بإمكاني رفع احتياطي الصرف في ظرف سنة أو سنتين''    بن فليس: ليس عندي قدرات سحرية لإقناع الشعب لكن..    مطار هوراي بومدين: حجز أزيد من 50 الف يورو ومسدس أتوماتيكي    محكمة باب الوادي تبرئ 5 شباب من حاملي الراية الأمازيغية من تهمة المساس بالوحدة الوطنية    أصحاب عقود ما قبل التشغيل يطالبون بالإدماج دون قيد أو شرط    الصالون الوطني الأول للأجبان التقليدية: قطاع الفلاحة يستهدف تثمين المنتوج وتحسين القدرات التقنية للمحولين    فيكا 10: عرض فيلمين وثائقيين بالجزائر العاصمة حول الهجرة غير الشرعية    نحو إعداد جهاز معلوماتي في الجزائر لمكافحة الغش في الإمتحانات    الجزائر-الغابون: إرساء آليات جديدة لتكثيف المبادلات التجارية    الجزائر: نسبة إمتلاء إستثنائية للسدود    الجزائر-الصين: السيد بن مسعود يدعو إلى تطوير علاقات التعاون والشراكة في قطاع السياحة بين الطرفين    إنقاذ زوجين من الموت المحقق بعد اختناقهما بالغاز بالمسيلة    "مجهول" يشتري أغلى ساعة يد في التاريخ    أمطار ورياح في عدة ولايات    جماهير “ليستر سيتي” تحت الصدمة بسبب تصريحات “محرز” !    ترامب: نعلم مكان الرجل الثالث في "داعش"    أمطار رعدية مرتقبة اليوم في الولايات الوسطى والشرقية    «التدابير الجبائية الجديدة، أكثر جاذبية للشركاء الأجانب»    «تأجيل الانتخابات والتمسك بالتغيير الجذري»    مع ضرورة عودة اللاجئين    بعد إستقالة الرئيس موراليس    يومية‮ ‬آل مونيتور‮ ‬تكشف المستور‮:‬    في‮ ‬إطار برنامج العمل النموذجي‮ ‬للتنمية الريفية    بتهمة القتل الخطأ والجروح الخطأ    تحديد عوائق التشغيل في الجنوب    العدالة الأوروبية توجه ضربة قوية لإسرائيل    دعوة لتعويض مضخة الأنسولين الخاصة بالأطفال    «الوعدات الشعبية» ..أصالة وتراث    جريحان في انحراف سيارة ببئر الجير    «لورا فيشيا فاليري» إيطالية دافعت عن الإسلام    123 أجنبي يعتنقون الإسلام إلى غاية أكتوبر المنصرم    الأميار خارج المشهد    صورة وتعليق:    أين الخلل .. !    تعديل المحتوى والتركيز على الصورة التعبيرية    الإنشاد فن راق ورسالة نبيلة تساهم في تغيير المجتمعات    مناقصة لاختيار مكتب دراسات جديد    شركة الخطوط الجوية الجزائرية تبرمج 477 رحلة خلال موسم عمرة 2019    للتلقيح ضد الإنفلونزا الموسمية    السيِّدُ الطاووسُ    النبأ العظيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مسرحية «عرائس الليل»
نشر في الجمهورية يوم 15 - 10 - 2019

نُشر هذا النصُ عن دار أبجديات التونسية خلال الأشهر القليلة الماضية (صيف 2019) وهي كما وثّق كاتبها التونسي الشاب "علاء الفرشيشي" مقتبسة عن قصة لغسان كنفاني عنوانها "القنديل الصغير" ولا يهمّنا هنا أن نعود إلى القصة الأصلية فإننا لا نودّ إجراء مقارنة ولا النظر فيما أبقاه وما أضافه الكاتب إلى الأصل ومجمل التحويلات والتغييرات ولكن إلى ما تقوله هذه المسرحية التي يتوجه بها الكاتب للأطفال سننتبه هنا إلى مجموعة الرموز والأفكار والآراء التي يتشكل منها الخطاب المسرحي في هذا العمل ومدى فاعليتها وتجانسها مع "الطفل" عمرا وثقافة.
مبدئيا علينا أن نقول أنّ نشر نص مسرحي لا يمكن أن يكون أبدا تعويضا عن حضور العمل على الخشبة أمام جمهور المشاهدين فليس النص في المسرح إلا مرحلة أولى أو مسودة على الكاتب ألا يكتفي بها أبدا على الرغم من الحسنات الكثيرة التي يتمتع بها العمل عندما يُنشر في كتاب فربما ما كان لنا أن نطلع على هذه المسرحية لولا هذا النشر كما أن العروض مهما كثر عددها لا تزيد في الغالب الأعم عن رقم معدود ينتهي بعده العملُ إلى الأرشيف لا يخرج منه بينما النشر يبقيه حيا دائما.
أمّا العرائس فهما في الحقيقة دميتان وجدتا نفسيهما مجبرتين على التنقل من مكان إلى مكان ل«سرد" قصة الأميرة الحزينة بينما صوت كائن يشبه الغول (يسميه النص بالعملاق) يُسمع من الأعلى يأمر ويصرخ وينذر ويخيف وهو المتحكم بهما كقدر لا فكاك منه يفرض عليهما رواية الأحداث ويرهبهما بمصير الدمى السابقة التي رماها إلى اللهب وجعل منها عبرةً. وأما الليل فإنّ الدميتين ظلتا طوال المسرحية بين اضطرابات الخوف والترقب والهواجس المتنوعة وكلها مشاعر سوداء والسواد توأم الليل.
والقصة التي ترويها الدميتان –الطفل والطفلة- تتحدث عن أميرة جميلة تحب المطالعة ويترك لها والدها السلطان وصية قبل رحيله أن تحضر الشمس إلى القصر وهي في هذا الأمر تجد نفسها عاجزة عن حل المعضلة إلى أن يرغب بعضهم في مساعدتها فيقوم المنادي بإشاعة الطلب بين الشعب لكنّ الناس يظنون فيها الظنون ويخالون أنها أصيبت بالجنون بعد فاجعة رحيل أبيها وبعضهم خاف الخديعة من طول الجبروت الذي قاسوه من ذلك القصر إلى أن يأتي في الليل الحالك رجل غريب يحمل قنديلا يدّعي أن عنده الحل لكنهم يطردونه ظنا بكذبه وعندما تعلم الأميرة بما فعلوه تهددهم بالرمي إلى دابة القبو التي كانت تلتهم كل من يغضب عليه السلطان لذلك فإنهم يسرعون في البحث عن الرجل ويجتمع الناس أمام السور الكبير للقصر ويظهر صاحب القنديل ليحدّث الأميرة فتحسّ أنّها تعرف هذا الصوت وعندما يميط اللثام عن وجهه تجد أنه الوزير نفسه ويعترف لها أنه حاول أن يجعلها تعرف ما يعانيه الشعب من عنت وظلم وعندها تكتشف أنّ الشمس التي جاءت في الوصية هي شمس الحق لا الشمس الطبيعية التي تشرق على الأرض وأنّ الوصية نفسها ليست إلا من تلفيق الوزير حتى يبدأ عهد جديد مع الأميرة بعيدا عن جبروت أبيها وقسوته التي منعته من الإصغاء لأية نصيحة. تعترف الأميرة بحق الشعب وتقتنع بضرورة هدم السور الذي يفصل الحاكم عن المحكومين.
تقوم الدميتان بسرد هذه الحكاية كما تقومان بتمثيل الأدوار مرة بعد مرة. فقد يمثل الطفلُ الدميةُ دورَ الوزير والمنادي والحارس كما قد تمثل البنتُ الدميةُ دورَ الأميرة ودور الوحش !! وقد يتوقف السرد مرة ويتحول النقاش بين الدميتين إلى حديث عن وضعيتهما كدميتين مغلوبتين على أمرهما رمت بهما الأقدار القاسية إلى أماكن لا تعرفانها. ويحتاج المخرج إلى اختيار ذكي للممثل الذي يقوم بدور الممثلين خاصة الطفل الدمية للتنوع الجيد في دوره وهو دور على مستوى مهم من التعقيد على غير ما يبدو لأول وهلة. فمن صوت الطفل الذي يسرد القصة إلى الوزير (رجل قد يكون مسنّا دلالة على خبرة وحنكة) إلى صوت المنادي إلى غيره لابدّ لمهارة التجسيد وأشكال الحركة وسماتها واللعب بالصوت أن تكون متوفرة.
تناقش المسرحية مشكلة الحكم والمظلومية التي تقع على الشعب من قِبَلِ حاكم ظالم يسوسه بالحديد والنار (يرمي معارضيه في فم دابة هجينة يربّيها في قبو مظلم كالقبر تحت ممرات القصر (...) دابة تشبه الكلب وليست بالكلب لها ثلاثة رؤوس كرؤوس الشياطين) كما تناقشُ المشكلةَ ذاتها في طبقة أخرى من الحكاية وهي علاقة الدميتين الخانعتين بالعملاق الذي لا يُسمع إلا صوته الصارم المخيف وتنتهي المسرحية باتحاد الشعب واتجاههم بقوة إلى القصر واستيعاب الأميرة للدرس وبوقوف الدمية بقوة ضد جبروت العملاق
لكنّ في هذه الحكاية مشكلة أساسية بل ربما معضلة. هل يستوعب الطفل مشكلة الحكم وفكرة المعارضة والتمرد كما يرمي إليها الكاتب؟ بالألفاظ التي أشرنا إلى رقيّها وبلاغة أكثرها؟ وفي ظلّ غياب كبير للأحداث في العمل أمام تشبّع المسرحية بالسرد؟ إنّ المسرحية تتقشف كثيرا في الأحداث وتغلّب دور الراوي على الممثّل وهي إن لم تكن سقطة كبيرة فإنها عائق عظيم أمام بلوغ العمل هدفه الحقيقي فأغلب الظن أنّ ما يترسب لدى المتلقي الطفل من هذه المسرحية لن يزيد عن بعض الإشارات التي تتركها الدميتان في نفسه لكن من الصعب الاطمئنان إلى تسرّب الحكاية وأحداثها كاملة في ذهنه.
قد نشير هنا أيضا التحوّل السريع في نهايات الحكاية. تتحول الأميرة فجأة إلى امرأة سياسية تعرف واجباتها وتعرف حقوق الشعب وهو ما كانت تجهله واقعيا على الرغم من معرفتها به من خلال الكتاب التي كانت تطالعها ونجد أنفسنا أمام شعارات جافة من الصعب هضمها في مسرح الطفل بهذا البرود.
من جهة أخرى علينا أن نشيد بالحسنات عديدة في النص من ناحية الكتابة، فإنّ لغته العربية أدبية راقية تم التحكم فيها برصانة وهي زيادة على ذلك اهتمت بشكل الكلمات والحروف لذلك فإنّ قارئ الكتاب يستمتع بالقراءة متعة كاملة لكن هذه اللغة الأدبية الراقية وهذه المتعة التي توفرها يجب أن تجد نفسها على الخشبة أمام الجمهور وإلاّ فإنّ الأمر لن يكون صحيّا أبدا. مثال هذا: "يا سكّان المملكة، إنه لا يخفى عن علم السلاطين شيء وما غيّبه يوم فائت تُظهره أيّام قادمة" قد تكون عبارة لطيفة لغة وأسلوبا ولكنّها في العموم موجهة للطفل فهل النص على هذه الشاكلة مفهوم عنده؟ أغلب الظن أنّه سيجد الكثير من العجز في إدراك عدد غير قليل من الألفاظ والعبارات وقد غاب عن النصِّ التفريقُ بين مستويات الإدراك بين البالغين والأطفال ووقع في مأزق لابدّ من الانتباه له: أنّ مسرحيةً أبطالها عرائس ويقوم بتمثيلها أطفال قد يكون مستساغا للطفل وظاهريا نحن أمام مسرحية للأطفال لكن النص ذاته من جهة كلماته وعباراته ليس موجها لهذه الفئة ولكنه كُتب من عقل ناضج لمتلقٍّ ناضج. والكاتب الماهر يضع نفسه في الصالة بين الأطفال فيكتب ما يمكن أن يتلقوه تلقيا حسنا ويلغي أو يستبدل ما يستعصي على الفهم ويستغلق.
في أكثر من موضع في المسرحية نجد الديداسكاليات -التي يُفترض أنّ دورها ينحصر في وصف الأحداث والديكورات على الخشبة - تتحوّل إلى سرد مرة أو وصف مرة للحالة النفسية للشخصية أو لرغباتها وما تفكر فيه. وغني عن البيان أنّ هذه المشاعر الداخلية إذا لم تكن تظهر في شكل حركة أو قول ولا يمكن تجسيدها فلا قيمة لها ولذلك حذفها أصح. اقرأ هذا الجزء:
(...كان يشعر في داخله بأنها لا تبكي تجسيدا لدور الأميرة الحزينة بل كانت تبكي حزنا على نفسها وقد آلمه ذلك كثيرا غير أنه لم يكن يملك القدرة على فعل شيء من أجلها ليس أمامه إلاّ أن يكمل لعب دوره مجبرا) كيف يمكن للمخرج أن يجسد هذه العبارة على الخشبة دون تغييرات وحذف وإضافة؟ الإجابة ب«لا يمكن" هي الصواب وبالتالي لا يصح للإشارات الإخراجية هذه أن تكون عائقا للمخرج نفسه بما تحمله من تطويل وشروحات داخلية لا خارجية ولقد علمنا المسرح أنّ "ما يمكن التخلّي عنه يجب التخلّي عنه". بكلمة أخرى فإنّ هذه العبارة تصلح للوصف في متن قصة أو ربما في حوار على لسان شخصية ما عن شخصية مرافقة لها لكن لا يمكن أن تكون إشارة إخراجية. السينوغرافيا الأنيقة الواعية التي أثث بها الكاتب مسرحيته يمكن للمخرج الاشتغال عليها بجمالية مفرطة وربما لا يحتاج إلى تغييرات كثيرة أو إضافات مهمة أو عميقة وهذا يحسب لنباهة الكاتب وخياله الجميل. كما أنّ تنويع الحركة على الخشبة كما وصفها الكاتب تجعل النص ينكتب والخشبة حاضرة أمامه لا غائبة عنه كما يحدث في بعض المحاولات الناقصة.
إنه نص جميل لكاتب ذكيّ في اختيار الموضوع وبنائه على ما يبدو من بعض الهنات التي أشرنا إليها وهو عملٌ سيجد لنفس النجاح المطلوب إذا وُفق لاختياره مخرج يعرف مكامن الجمال فيه ليوسع وجودها على الخشبة ومكامن النَقص ليتغلب عليها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.