يرى الدكتور ادريس علي أستاذ بقسم العلوم السياسية بجامعة الجيلالي اليابس بسيدي بلعباس أن دوائر صناعة القرار في الجزائر تسعى إلى تعظيم وإثبات دورها الخارجي تزامنا مع متغيرات البيئة الداخلية ، عبر المراهنة والاستثمار في الأداة الدبلوماسية . وهو ما تجلى واقعيا حسب الدكتور من خلال أشغال المؤتمر الخاص بالبعثات الدبلوماسية والقنصلية الجزائرية ، الذي انعقد بتاريخ الثامن من هذا الشهر ؛ بيد أن حيثيات الحضور الشخصي لرئيس الجمهورية و القائه خطابا أمام أعضاء البعثة يمكن أن يقود إلى قراءة أكثرعمقا كونها تعبر على إرادة الدولة لتفعيل و تعزيز العمل الدبلوماسي ؛ خاصة وأنها تحوز أسبقية تاريخية كون الجزائر عرفت منذ استقلالها بدبلوماسية قوية و مؤثرة و هادفة كان لها دور كبير في تحرر الشعوب إلى درجة أنها أصبحت تسمى « كعبة الاحرار « ، و فضلا عن هذه الملاحظة الشكلية يردف الأستاذ ادريس علي فقد جاء خطاب الرئيس بعدد من المعطيات والرسائل عكست في عمومها مسألة هامة ، تتعلق بوجود إرادة سياسية حقيقية ؛ تهدف بالأساس إلى ضرورة التوجه نحو اعتماد ورقة الخارج بوصفها خيارا جوهريا ، من شأنه أن يؤكد حضور الجزائر في العواصم والمحافل الدولية ، إضافة إلى زيادة حجم تأثيرها اقليميا. من جانب آخر يضيف محدثنا يمكن اعتبار المحاور الرئيسية ، التي جاءت على لسان رئيس الجمهورية ، ( العلاقات الاقتصادية مع دول العالم ، موقع الجزائر ضمن الملفات الإقليمية ، واقع الجالية الوطنية وواجبات التمثيليات القنصلية في هذا الصدد )، بمثابة إعلان عن محتوى السياسة الخارجية وطرح لبرنامج مستقبلي ، يتعين على الجهاز الدبلوماسي تنفيذه بشكل عقلاني و بطريقة منظمة و في إطار سياسة موحدة وهو ما على رؤساء البعثات الدبلوماسية ادراكه جيدا و العمل على تحقيقه بما يتفق مع مدركات الحاضر وتحديات المستقبل المنظور ؛ وهو ما يسمح بتجسيد الأهداف القومية الكبرى ؛ لا سيما تلك المتعلقة بالأبعاد الأمنية والاقتصادية خاصة و أن الجزائر تعيش في إطار جيو سياسي جد متغير و محاطة ببؤر توتر لها تأثير مباشر على أمنها على غرار الأزمة الليبية و المالية و التي تتداخل فيها مصالح الدول ليس بالضرورة أن تكون متوافقة مع مصالح الجزائر و رؤيتها لحل الازمات ، بل قد تكون سياسة هذه الدول تمس بأمن الجزائر مباشرة كما هو حال سلوك نظام المخزن .و بالتالي من الواجب ان يكون الجهاز الدبلوماسي حاضرا بثقل الجزائر و تاريخها و قدراتها الاقتصادية و مكانتها الجيوإستراتيجية المتميزة لمواجهة هذه التحديات. و بالتالي فان اتساع نطاق أهمية هذا المؤتمر تكمن في الحيز الزمني لاجراءه، حيث جاء متزامنا مع ظرف إقليمي متوتر ، يمكن اعتبار هذا الأخير أحد الأسباب الرئيسية لهذه الحركية الدبلوماسية ؛ إذ لا يعقل التباطؤ في ظل المستجدات الأمنية على مستوى الحدود الغربية أو مع محاولات اجهاض العملية السياسية في ليبيا لذلك فإن عملية الربط المنطقي بين مجموع المعطيات الداخلية و الإقليمية والعالمية من جهة ، وتوجهات السياسية الخارجية الجزائرية الراهنة من جهة أخرى ؛ قد تؤدي إلى مجموعة من الاستنتاجات والتوقعات؛ تتمحور تحت عنوان أبرز وهو أن مفتاح الحل لعديد المشكلات ؛ موجود في طبيعة وشكل تنفيد القرار الخارجي، ما يستدعي بالضرورة تثمين الجهد الدبلوماسي ، كسبيل لصيانة الأهداف القومية والمصالح العليا للبلاد.