آسيا جبار سيدة الكتابة الروائية بالفرنسية ترحل عن هذا العالم وتترك وراءها فراغا كبيرا وسط عشاق حرفها وهي التي كانت مرشحة العام الماضي لجائزة نوبل وعولت الجزائر على ذلك لكن هذا الحلم اختفى كما اختفت هي الأخرى أول أمس عن الحياة في أحد مستشفيات باريس حسب ما ذكرته وكالة "فرانس برس" أن الروائية،التي كانت مخرجة سينمائية أيضا،ستوارى الثرى في مسقط رأسها شرشال غربي الجزائر الأسبوع المقبل تنفيذا لوصيتها. آسيا جبار ... هذه الأديبة الجريئة التي نشرت أول عمل لها ولم تتجاوز العشرين من عمرها،كانت بداياتها برواية العطش عام 1957 م ،و ظل عطش الكتابة يلاحقها ، لتكتب دون أن ترتوي،فالكتابة ارتواء وعطش عندها .وعرفت آسيا في بداياتها الأولى في منتصف الخمسينات من القرن الماضي هجوما كاسحا من قبل حرس "الوطنية المزكومة " و "نقاد الأدب الأديولوجيين "ووصفوها بالكاتبة البورجوزية،لكن إيمانها بالكتابة وبالصدق الفني بعيدا عن السياسوية وقناعتها بأن ما تكتبه هو أقرب إلى نبض الإنسان الجزائري خاصة الصوت الأنثوي المكسور في مجتمع ذكوري قامع،جعلها تواصل خطها في الكتابة مرافعة بجمال عن حق المرأة في الوجود،فآسيا كذلك امرأة عانت من استعمارين ،من جهة استعمار سياسي وهو الاستعمار الفرنسي الذي صادر الأرض و الحرية ومسخ الكينونة التاريخية للجزائر،ومن جهة ثانية استعمار التخلف العاداتي والثقافي المحلي الذي جعل من المرأة إنسانا من الدرجة الثانية .فأسيا جبار،ولد صوتها الأدبي ثائرا على تبعية المرأة ثائرا على وضع الاستعمار ومصادرة الحرية الجماعية و الفردية . كانت آسيا جبار تبحث عن نفسها عن كثير من الطرق والمسارات للتعبير،كانت المتعدد في الواحدة ،فهي روائية وشاعرة وقصاصة ومسرحية وهي أيضا سينمائية فقد أخرجت أفلاما حققت نجاحا كبيرا على مستوى العالمي،لم يكن ذهابها إلى السينما من باب الصرعة بل كان باب البحث عن صوت جديد من خلال الصورة فأفلامها حصدت كثيرا من الجوائز الدولية المحترمة وتدرس في الجامعات وتعرف إقبالا لموضوعاتها المرتبطة أصلا بالمرأة في كفاحها اليومي من أجل شحذ وعيها الشقي ومن أجل صناعة مكان لها تحت الشمس في مجتمع يهيمن فيه الذكر هيمنة مشرعة له من خلال ثقافة عنصرية . تظل الجزائر المحرض الأساس للكتابة الإبداعية عند آسيا جبار التي واكبت في كل كتاباتها الإبداعية الروائية والقصصية ما جرى وما يجري في الجزائر بوصفها مركز الاهتمام ومركز هيجان الكتابة وتهييجها فكلما كانت جزائر الحرب التحريرية ،وجزائر بناء الدولة الوطنية حاضرة بقوة،فجزائر العشرية الدموية هي الأخرى كانت حاضرة في رواياتها الأخيرة "وهران، لسان ميت" أو" أبيض الجزائر " كتبت الراحلة آسيا جبار بلغة فرنسية شفافة،ما بين اللمسة الشعرية والعين التاريخية،كتبت بسرد ينتمي إلى الشرق ولكنه يقف وسط معمعة الواقع وحراسة التاريخ ،مع كل ذلك فكتاباتها لم تسقط في الوظيفة المبتذلة . كما تعتبر آسيا جبار أول كاتبة عربية وافريقية تدخل محراب الأكاديمية الفرنسية عام 2005 دخلتها بقوة كتبها وبما أحدثته في اللغة الفرنسية من تجديد ومن تحريك وأيضا للرسالة السامية التي تحملها رواياتها الداعية إلى السلام و العدل و الدفاع عن حقوق المرأة في العالم الثالث وفي العالم الإسلامي بشكل خاص،من هنا فآسيا جبار فخر المثقف العربي والمغاربي . لعدة مواسم على التوالي،ومع كل موعد الإعلان عن الأسماء المرشحة لأكبر جائزة أدبية عالمية وأعني بها جائزة نوبل للآداب،يوضع اسم جبار ضمن القوائم المنتظرة أو المتوقعة لنيل هذه الجائزة و لعل جبار إلى جانب محمد ديب المتوفي في سنة 2003 م ،هما أكثر الكتاب المغاربيين إجماعا في النقد ولدى القراء على أهميتها لجائزة نوبل للآداب لترحل آسيا و في نفسها شيئا من نوبل .