مفاوضات بين كبار المنتجين لوقف انهيار أسعار النفط    تونس: البرلمان يفوض الفخفاخ صلاحيات لمواجهة كورونا    حجز 1505 كلغ من السميد كانت موجهة للبيع عن طريق المضاربة بالقالة    محاربة المضاربة: التجار ملزمون بالتصريح بجميع المخازن والمستودعات        توقيف تجار مخذرات وآخرين بحوزتهم بنادق صيد دون رخصة    إطلاق تطبيق جزائري جديد لتحديد الموقع    وزارة التربية تعد مسودة لمختلف الاحتمالات بإشراك الشركاء الاجتماعيين    وزير البريد: “السيولة متوفرة في كافة مكاتب البريد والموزعات”        وزارة الثقافة تجمد نشاطات التصوير السينمائي والأفلام الوثائقية    وزارة المالية تدعو الجمعيات الخيرية للتقدم لمصالح الضرائب والجمارك    وصول الرعايا الجزائريين العالقين بتركيا إلى أرض الوطن    الوزير الأول يقرر تمديد الترخيص لنشاطات فئات محدّدة    قافلة تضامنية موجهة للمعوزين بمناطق الظل في عنابة    مليونا لغم فرنسي لا تزال تهدد حياة الجزائريين    منع التجار والصيدليات من الغلق المبكر في البليدة    تسهيلات استثنائية لاستيراد المواد الغذائية والتجهيزات الطبية    الإرهابيون يواصلون سفك الدماء في الساحل الإفريقي    العلاج " بالكلوروكين" يعطي نتائج إيجابية في وهران وتيبازة    توسيع استشارات المواطنين حول كورونا عبر الرقم الاخضر الى 48 ولاية    وفاة شخص واصابة ثلاثة اخرين خلال ال 48 ساعة الاخيرة    جهود كبيرة للدولة الصحراوية لازالة الالغام وحماية حياة أبناء بلدها    دعوة للترشح لمهرجان افتراضي للفيلم المنزلي    بلعمري يهاجم رئيس الشباب السعودي بضراوة    راكيتيتش يهدد مكانة بن ناصر الاساسية مع الميلان !    السلوك السياسي العربي    فرنسا: إلغاء إمتحانات الباكالوريا لأول مرة منذ استحداثها سنة 1808!    لاجئ سوداني يقتل شخصين بسكين في وسط فرنسا    03 اصابة بفيروس كورونا في نادي برشلونة    سطيف.. رفع الحجر الصحي عن 324 شخص تم اجلائهم من تونس    نايمار يتبرع بمبلغ ضخم لمواجهة كورونا    فرنسا: قتيلان في حادث طعن بمدينة ليون    تأجيل الاجتماع الطارئ لأوبك وحلفائها الى 8 أو 9 افريل    قائمة الدول العربية الأكثر تضررا من "كورونا"    تراجع ب 50 بالمائة في رقم أعمال شركة “نفطال” خلال النصف الثاني من شهر مارس    إقتطاع مبالغ مالية من الرواتب الشهرية لنواب حمس دعما لولاية البليدة    وزارة الشؤون الدينية تؤكد جوازه:    الرقمنة في خدمة الثقافة    وزير الشباب والرياضة يطمئن الرياضيين الجزائريين    هزة أرضية بقوة 3,4 درجة بباتنة    انطلاق مسابقة الصّالون الافتراضي للصورة الفوتوغرافية    حجز أكثر من 300 قنطار من السكر والفرينة بغريس    كفاكم عبثا    الإتحاد الأوروبي يوضح مصير رابطة الأبطال في حال إلغاء الدوريات    سارقا محل الدراجات النارية بحي مرافال مهددان بالحبس    « أطمئِنُ أهلي في وهران وأدعو الجميع للبقاء في البيت »    37 مليون مشاهدة لمسرحية » عادل إمام » عبر اليوتيوب    جواز التعجيل بإخراج زكاة المال قبل بلوغ الحول    الجزائر تعاملت بمهنية عالية في تسيير ملف العالقين بتركيا    دعوة الباحثين والمبتكرين لدعم القطاع الصحي    البليديون سيتجاوزن "كورونا" مثلما فعلوا مع محن كثيرة    اللاعب بحاجة إلى ثلاثة أسابيع على الأقل من أجل العودة إلى المنافسة    الإدارة ترغب في ضم المهاجم نعيجي    فقرات من وحي الوباء، وبعضا من الشعر والأدب    المحبة من شروط لا إله إلا الله    هذا خلق الله (وقفة مع فيروس كورونا)    علماء الجزائر: لا تستهينوا بالحجر المنزلي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تصدّياً للحملة العالمية على المسلمين
نشر في الحياة العربية يوم 26 - 02 - 2020

إنه لمنظرٌ مقزّزٌ حقاً ذاك الذي رأيناه على شاشات التلفزيون في التغطية الإعلامية لزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، عندما وقف الرجلان يتباهيان ويتبادلان المديح أمام ملعب رياضي عملاق اكتظّ بما يزيد عن مئة ألف إنسان. ولم يكن منظراً مقزّزاً لمسلمي الهند وحسب، أولئك المسلمون اللذين يناهز عددهم مئتي مليون والذين يواجهون إعادة توصيف للمواطنة الهندية على أساس ديني-عرقي أشبه ما تكون بما كرّسه نظير مودي الصهيوني بنيامين نتانياهو بواسطة قانون «إسرائيل دولة الشعب اليهودي القومية» المشؤوم، أو بمسعى ترامب الحثيث وراء منع المسلمين من الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة.
ولم يكن منظراً مقزّزاً لسائر المسلمين في العالم فحسب، وهم يشكّلون ربع سكّان الأرض، أي ما يناهز المليارين (ألفي مليون) من البشر، بل كان مقزّزاً لأي إنسان حريص على قِيَم المساواة في الحقوق بين البشر «دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسياً وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر»، كما نصّت عليه المادة الثانية من «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» الصادر عن الأمم المتحدة في أواخر عام 1948.
ففي الوقت الذي كان ترامب ومودي يتبجّحان كطاووسين أمام حشد كبير من الهندوسيين المتعصّبين، الذين يشكّلون قاعدة حزب مودي الطائفي اليميني المتطرّف، وذلك في قلب ولاية كجرات التي كانت ولا تزال مسرحاً لبعض أخطر الممارسات الطائفية في الهند، كانت جماهير غفيرة من المسلمين والهندوسيين الديمقراطيين والعلمانيين والشيوعيين تتظاهر في شتى أنحاء البلاد احتجاجاً على ذلك اللقاء بين رمزين رئيسيين من رموز أقصى يمين قرننا الراهن، هذا اليمين الجديد الذي يشكّل رديفاً للفاشستية التي عرفها القرن السابق، لكن بحلّة جديدة عصرية تتظاهر باحترام قواعد الديمقراطية الشكلية.
والحقيقة أنها لمدعاة للتأمّل تلك الحالة التي بلغها عالمنا حيث يحكم الدول العظمى الأربع، ألا وهي: أمريكا والصين والهند وروسيا، رجالٌ يكنّون عداءً طائفياً أو عرقياً مكشوفاً للمسلمين. والحال أن الحكم الصيني برئاسة شي جين بينغ مسؤول عن أوسع حملة اضطهاد لأقلية مسلمة في عصرنا باضطهاده الشنيع لشعب الأويغور المسلم في مقاطعة شن جيانغ (عددهم يناهز 15 مليوناً). وهي حملة استوحى منها مودي في انقضاضه على مسلمي الكشمير (خمسة ملاييين)، وقد سبقهما الروسي فلاديمير بوتين بإخضاعه شعب الشيشان (مليون ونصف، تقارب نسبتهم من سكان روسيا نسبة المسلمين الأويغور من سكّان الصين) بفظاعة شهيرة قلّدها بمعونته تلميذه بشّار الأسد إزاء الشعب السوري.
وبعد، فهل نحن أمام «صدام حضارات» كالذي تنبّأ به المفكّر اليميني الأمريكي الراحل صاموئيل هنتنغتون، فنستخلص أنها لحربٌ بين الأديان، ينبغي على كل مرء فيها أن يتمترس وراء هويته الدينية إزاء الأديان الأخرى، بل ونستنتج أنه لا بدّ للمسلمين من إعلان الحرب (أو «الجهاد») على الأديان الأخرى على طريقة جماعتي «القاعدة» و«داعش»؟ أم ندرك أن الجماعتين المذكورتين هما أبرز ما أفرزته منطقتنا في «صدام الهمجيات» (وليس الحضارات) الذي سعّرته الولايات المتحدة بشنّها حروباً امبريالية همجية في أفغانستان والعراق بحجة «الحرب على الإرهاب»؟ ونُبقي في البال أن الممارسات البشعة التي اقترفها الهمجيّون الذي يتذرّعون بالإسلام إنما يعود مصدرها إلى ذلك التشويه العظيم للإسلام الذي تخصّصت المملكة السعودية بترويجه طوال عقود بتعاون وثيق مع الأجهزة الأمريكية.
وها أن المملكة السعودية، شأنها في ذلك شأن كافة حكومات كبرى البلدان ذات غالبية مسلمة تركيا وإيران ومصر وباكستان وإندونيسيا تساير دولة أو أكثر من الدول الأربع العظمى، متغافلة تماماً عن ممارسات حكوماتها إزاء المسلمين، سواء أكانت ممارسات طائفية أم عنصرية. وتحكم البلدان المسلمة الستة سالفة الذكر حكومات سلطوية أو جانحة نحو السلطوية بخطاب ديني أو قومي متعصب، ينتمي هو أيضاً إلى الموجة اليمينية العالمية ذاتها التي تنتمي إليها حكومات الدول العظمى الأربع. وليست مواجهة الهمجية بالهمجية سوى سبيل إلى زيادة المآسي، ليس في صفوف «الآخر» وحسب، بل في صفوف الشعب ذاته الذي ينتمي إليه الهمجيّون.
إن المجرى الطويل لتاريخ البشرية متجّهٌ بكل وضوح نحو المزيد من الديمقراطية وحقوق الإنسان (بما فيها حقوق النساء بوجه خاص)، كما يتبيّن بجلاء تام من أي تأمل في محصّلة الألفيات والقرون. وتمرّ هذه السيرورة الأطول في التاريخ، كسائر السيرورات التاريخية مهما كانت مدّتها، بانتكاسات رجعية تليها عادةً قفزات تعويضية إلى الأمام مثلما جرى إثر دحر الفاشيستية في الحرب العالمية الثانية. أما البديل عن تحقيق المزيد من التقدّم الحضاري فهو الاندحار الهمجي كما حصل لبعض الحضارات في التاريخ، وكما نحن مهدّدون بأن نشهد لو استمرّت الردّة الرجعية العالمية أو الإقليمية وتحكّمت بالأوضاع. لذا فإن واجب جميع الحريصين على حقوق الإنسان أن يكافحوا سوية ضد الرجعية الاضطهادية مهما كان لونها الديني أو العرقي، مثلما يفعل مقاومو ترامب في الولايات المتحدة ومقاومو مودي في الهند ومقاومو شي في الصين ومقاومو بوتين في روسيا. وقد غدت منطقتنا العربية منذ «الربيع العربي»، إثر موجته الأولى التي دشّنتها الثورة التونسية كما إثر موجته الثانية التي دشّنتها الثورة السودانية، في طليعة المقاومة العالمية للاضطهاد السياسي، بل وفي طليعة المقاومة العالمية للتعصّب الطائفي بفضل الانتفاضتين الأخيرتين العراقية واللبنانية.
القدس العربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.