تشهد أسواق ولاية قسنطينة خلال شهر رمضان المبارك بروزا لافتا للمنتجات الغذائية التقليدية التي تعدها النساء الماكثات بالبيت، حاملة نكهات التراث وأصالة المطبخ القسنطيني، ما أضفى على الأسواق طابعا مميزا يجمع بين العراقة والحركية الاقتصادية. ولم تعد هذه المنتجات مجرد أطعمة تزين موائد الإفطار، بل أصبحت تعبيرا حيا عن الثقافة المحلية المتوارثة عبر الأجيال، وموردا اقتصاديا يساهم في دعم دخل العديد من الأسر. ويتجلى ذلك في رواج مواد أساسية مثل "الفريك" لتحضير الحساء (الجاري محليا)، وأوراق الديول (الخطفة) للبوراك، إلى جانب الكسكسي، الشخشوخة، ثريدة الموس، الطاجين، السمنيات، خبز الدار والكسرة وغيرها من الأطباق التي تحافظ على حضورها القوي في الشهر الفضيل. الاستثمار المنزلي... مورد رزق متجدد ومن بين النماذج البارزة، السيدة رشيدة، ربة بيت من بلدية ابن باديس، حولت منزلها إلى ورشة صغيرة لصناعة العجائن التقليدية، حيث تعمل رفقة بناتها على تلبية طلبات متزايدة من نساء عاملات ومحلات تجارية، خاصة لتحضير "ثريدة الطاجين" و"شخشوخة الظفر". وأكدت أن هذا النشاط يوفر لها دخلا إضافيا يساهم في تحسين مستوى معيشة أسرتها. من جهتها، استثمرت السيدة صليحة (45 سنة) من بلدية عين عبيد في نفس المجال، محولة منزلها إلى مخزن صغير للعجائن التقليدية التي يتضاعف الطلب عليها خلال رمضان والأعياد والأعراس. وأشارت إلى أن تسويق منتجاتها لم يعد مقتصرا على الأسواق التقليدية، بل امتد إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ما وسّع دائرة زبائنها وعزز فرص البيع. ومن أبرز الأطباق الحلوة التي تحضرها خلال الشهر الفضيل طبق "شباح السفرة"، أحد أشهر أطباق المطبخ القسنطيني، والذي يُعد باللوز والسكر ويُقدم مع مرق حلو باللحم وتوابل كالقرفة والزعفران والقرنفل، ويظهر غالبا في المناسبات الرمضانية المميزة مثل ليلة 27. بين الجودة والتأطير ورغم الحركية الإيجابية التي يشهدها هذا النشاط، يرى بعض المستهلكين ضرورة توجيه وتأطير هؤلاء النساء لضمان جودة أعلى للمنتجات وتوسيع آفاق تسويقها بشكل منظم. وتعكس هذه المبادرات النسوية روح التضامن والاجتهاد، حيث تسهم في تنشيط الحركة التجارية ودعم الاقتصاد المحلي، مع الحفاظ على استدامة الأطباق التقليدية التي تشكل جزءا أصيلا من الهوية الثقافية لمدينة قسنطينة.