يشهد السوق العتيق بمدينة إن قزام، المعروف محليا باسم "سوق قريش"، حركية تجارية مميزة خلال شهر رمضان المبارك، حيث تتنوع المعروضات بما يتماشى مع خصوصية الشهر الفضيل وعادات المجتمع المحلي. ويعود افتتاح هذا الفضاء التجاري إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي، إذ كان في بداياته سوقا بسيطا تُعرض فيه السلع على الأرض دون محلات منظمة، لكنه سرعان ما تحول إلى قبلة لسكان المدينة والبدو الرحل لبيع منتجاتهم واقتناء مستلزماتهم، خاصة في المواسم والمناسبات الدينية. ومع حلول رمضان، يتضاعف الإقبال على منتجات الماعز من حليب ولبن وجبن تقليدي، لما تحمله من مكانة خاصة على مائدة الإفطار لدى العائلات التارقية، حيث تدخل في إعداد أطباق تقليدية متوارثة. كما تتصدر التمور، خصوصا الجافة والمدقوقة، قائمة المشتريات باعتبارها أول ما يفطر عليه الصائم ومصدرا مهما للطاقة. ولا تغيب الذرة والفريك المطحون ومختلف أصناف التوابل عن سلال المتسوقين، إذ يُحضّر منها الحساء التقليدي "زنبو"، الذي يُلقب ب"سيد المائدة" في رمضان، ويجمع العائلة حول دفء الطعم وأصالة العادات. وتؤكد السيدة عيشة، وهي ربة بيت اعتادت التسوق من هذا السوق منذ سنوات، أن التحضيرات للشهر الفضيل تبدأ مبكرا باقتناء التمور وحليب الماعز، مشيرة إلى أن "الشاي عندنا لا يُحضّر إلا على الجمر وله نكهة خاصة لا تعوضها الوسائل الحديثة"، وهو ما يفسر الإقبال المتزايد على شراء الحطب والفحم المعروضين بمحاذاة السوق. من جهة أخرى، تعرف ورشات الخياطة انتعاشا ملحوظا تحضيرا لعيد الفطر، حيث يقبل الرجال على تفصيل "البازان" التقليدي، فيما تختار النساء "التسغنس" وأقمشة راقية لتجهيز لباس العيد، في صورة تعكس تمسك المجتمع المحلي بهويته ولباسه التقليدي. ومع كل رمضان، لا يستعيد "سوق قريش" حركيته التجارية فحسب، بل يسترجع أيضا ذاكرة المكان وأصالة الإنسان في أقصى جنوب البلاد. فبين رائحة الحطب وعبق التوابل وصوت آلات الخياطة استعدادا لفرحة العيد، تتجدد معاني التضامن والانتماء، ويبقى السوق شاهدا على بساطة العيش وتمسك سكان إن قزام بعاداتهم الرمضانية المتوارثة.