من قبلة الثوّار إلى مهوى أفئدة المناضلين، بخطوات ثابتة عادت الجزائر بقوة إلى إفريقيا بملف مازال يثقل القارة ألا وهو تجريم الاستعمار الذي مازالت آثاره بائنة إلى غاية اليوم، حيث قطعت بلادنا أشواطا كبيرة من أجل فضح هذه الظاهرة بمساهمات قانونية قوية، باتت تحرج القوى الاستعمارية التي عاثت في القارة العذراء فسادا. اعتماد الاتحاد الإفريقي، ل"إعلان الجزائر" حول جرائم الاستعمار في القارة السمراء، يعكس لا محالة ثمار الجهود التي قامت بها الجزائر في حشد مواقف القارة التي عانت من ويلات هذه الظاهرة خلال القرنين ال19 وال20، متخفية وراء شعار نشر الحضارة الذي سرعان ما سقط في وحل ممارساتها الوحشية، والتي أخذت الجزائر النّصيب الأكبر منها بإبادات جماعية وتفجيرات نووية مازال سكان الجنوب يدفعون ثمنها. فوفق مقولة "من لا يعرف ماضيه، لا يستطيع أن يعيش حاضره ومستقبله"، ألقت الجزائر بثقلها في ملف تجريم الاستعمار حفاظا على ذاكرة الشهداء والمناضلين عبر أرجاء القارة، في لفتة تذكّرنا بأدوارها التاريخية في دعم حركات التحرّر عبر العالم، رغم خروجها بجرح غائر لم يندمل بسبب وحشية المستعمر الفرنسي الذي تفنّن في تقتيل الجزائريين بممارسات فاقت التصور البشري. كما أن خطوة اعتماد "إعلان الجزائر" تكرّس ريادتها التاريخية والأخلاقية في هذا الملف بالنّظر إلى رصيدها في مقاومة الاستعمار، ودورها المحوري في دعم قضايا التحرّر مع تكريس تاريخ 30 نوفمبر، يوما إفريقيا تكريما للشهداء الأفارقة وضحايا تجارة الرقيق عبر الأطلسي، والاستعمار والفصل العنصري (الأبارتيد) وهو تاريخ يصادف شهر اندلاع الثورة التحريرية المظفّرة التي تحمل الكثير من الدلائل العميقة. فقد كسرت الجزائر حاجز الخوف الذي يساور الأفارقة الذين لم يتصوروا يوما بأنهم سيدفعون بجلاّديهم للوقوف أمام عدالة التاريخ، وإنشاء منصة إفريقية للعدالة البيئية مكلّفة بتحديد المناطق المتضررة، وتقييم الأضرار ومرافقة الدول المعنية وصياغة التوصيات القارية لإعادة التأهيل والتعويض. وكان المجلس الشعبي الوطني، قد صادق على قانون تجريم الاستعمار في رسالة واضحة على إصرار الجزائر على الحفاظ على ذاكرة الشهداء، وانطلاقا من قناعة أن دماءهم لن تذهب سدا، فضلا عن مواكبة الحراك القاري المتنامي لإعادة قراءة التاريخ في ضوء القانون الدولي. بلاشك، فإن الجزائر اعتمدت القانون ليكون ذلك بمثابة قدوة لبقية الدول الإفريقية من أجل الحذو حذوها، فمثلما كانت لهم بالأمس قدوة في النّضال والكفاح التحرّري فإنها باتت اليوم بمثابة النّموذج الرّافض لطمس ذاكرة من ضحوا بالنّفس و النّفيس من أجل تحرير أوطانهم، وذلك بكشف الستار عن المسكوت عنه إزاء الجرائم المرتكبة في حقّ شعوب مغلوبة على أمرها.