مراصد إعداد: جمال بوزيان كلام الله نفسه: في رمضان وغيره.. القرآن برنامج حضاري متكامل ينسج العلاقة بين الفهم والتطبيق تَرصُدُ أخبار اليوم مَقالات فِي مختلف المَجالاتِ وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ لها وقراءتِها بِأدواتِهم ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ الأساتذةِ والنُّقَّادِ والكُتَّابِ وضُيوفِ أيِّ حِوار واستكتاب وذَوِي المَقالاتِ والإبداعاتِ الأدبيَّةِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ. ///// من ختمة العدد إلى ختمة الأثر: في فلسفة العدد والتدبر والوظيفة التداولية للقرآن أ.د.عمار بن لقريشي الكم والكيف ومسار الأمم ليس من أعجب ما يطرأ على الأمم أن تضعف فالضعف سنّة تداول ولكن الأعجب أن تضعف وهي تظن نفسها في ذروة الامتثال. فالأمة التي تخلط الوسيلة بالغاية والحركة بالمعنى والعدد بالكيف تصبح ضحية لأوهامها وغافلة عن جوهر رسالتها الحضارية. إن السؤال اليوم: كم ختمت؟ يعكس هذا الانزياح بوضوح. ففيه تراكم رقمي بلا تدبر وتعدد شكلي بلا أثر وغفلة عن قدرة القرآن على تحويل الداخل قبل الخارج. حين يصبح العدد هو المعيار يغدو التدبر رفاهية والتطبيق عمليّة صعبة ويصبح النص المقدس نصًّا محفوظًا لا برنامجًا يخلق السلوك والوعي. ولعل التاريخ الإسلامي يقدم لنا صورًا مضيئة لمقابل هذا الانزياح: الجيل الأول من المسلمين لم يكن يكتفي بحفظ النصوص بل كان يصنع رجالًا ونساءً يتحول بهم النص إلى فعل حضاري. كما روى عبد الله بن مسعود: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن — (الطبري جامع البيان: 1/80). هنا نرى الفرق بين القراءة التراكمية العددية والقراءة المؤثرة التحويلية بين الكم والكيف بين الأداء الصوتي والتطبيق الحضاري. العدد: أداة ضبط أم صنم معرفي؟ العدد أداة ضبط أولية وهو في الأصل وسيلة لا غاية. لكن حين ينفصل عن التدبر يتحول إلى صنم معرفي يُقدّس لحظاته ويُحكم بها على الإنسان والعبادة. فالعدد بلا فهم يعيدنا إلى عبادة سطحية وطقوسية فارغة تشبه الإحصاءات التي تقيس حضور المجتمع في صياغة حضارته لا جودة هذا الحضور وفاعليته. القرآن لم يُنزَل ليُقاس بعدد الختمات بل ليُقاس بمدى تغيير الإنسان والمجتمع. فالبركة في النص ليست في التكرار بل في فيض الأثر والتحول الروحي والاجتماعي. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ — سورة ص 29 والتدبر في اللغة العربية ليس مجرد مراجعة لفظية بل نظرة في دبر الشيء وعاقبته أي استشراف أثره على النفس والمجتمع وقياسه بميزان الفعل لا بالعدد. القراءة النبوية بين الإسراع والفقه التوجيه النبوي كان دقيقًا في ضبط العلاقة بين التلاوة والفهم بين الإسراع والفقه. فقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقرأ القرآن في شهر ثم قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك — صحيح البخاري (5054) وصحيح مسلم (1159). وفي رواية أخرى: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث — أبو داود (1394) والترمذي (2949). القراءة هنا ليست مجرد سرعة بل توازن بين العدد والفهم بين الأداء الصوتي والتحقق الروحي والمعرفي. فالإسراع الذي يهمل الفقه يحوّل القراءة إلى مجرد رياضة صوتية بلا أثر. بينما التأنّي والتدبر يولّد وعيًا ويترك أثرًا حضاريًا ملموسًا. التدبر والبركة: أثر يتجاوز العدد البركة القرآنية ليست في الكم بل في تحقق الأثر الذي يغير الإنسان والمجتمع. فالقراءة التي تغيّر خلقًا وتقيم عدلًا أعظم من قراءة تُنهي السورة بلا أثر فالإنجاز يُقاس بالساعة والخشوع يُقاس بالعمر. القرآن ليس دفتر إنجازات بل ميزان تحوّلات والنظر إليه كنص محفوظ فقط اختزال حداثي ينسى أن الخطاب القرآني يفترض فاعلًا وسياقًا ومجتمعًا وأنه كلمة تُحدث فعلًا. في التاريخ الإسلامي نجد الأمثلة المضيئة: الصحابة كانوا يحوّلون كل آية إلى فعل حضاري كل أمر قرآني إلى معيار اجتماعي وأخلاقي فتشكل بذلك أسس حضارة قائمة على العدالة والمعرفة لا مجرد الأداء العددي. النزعة الكمية الحديثة والرقمية إن ما أصاب بعض مظاهر التديّن من نزعة كمية لم يكن منفصلًا عن روح العصر روح الحداثة العقلانية التي ترى كل قيمة تُقاس بالإحصاء والإنتاجية. وقد تحدث كارل ماركس عن تشييء الإنسان حيث يصبح الإنسان مجرد رقم في معادلة إنتاجية. ومع توسّع العالم الرقمي صار الإنسان يُقاس بعدد المتابعين والفكرة بعدد المشاركات والأثر بالكم. وللأسف تسللت هذه الروح إلى العبادة: كم ختمت؟ كم حفظت؟ كم مرة قرأت؟ وكأن القيمة في التراكم لا في التحول وكأن النص المقدس أصبح مادة تُحسب بالأرقام. بينما الجيل الأول من المسلمين كما روى عبد الله بن مسعود كان يربط بين التعلم والفعل: فهم عشر آيات يُساوي بناء شخصية وليس مجرد حفظ رقم. هنا تكمن فلسفة التدبر والتحقق: ليس العدد غاية بل التحول أثر وبناء الإنسان والمجتمع هدف. الأثر التداولي: من الأداء الصوتي إلى الفعل الحضاري هل نُقيّم علاقتنا بالقرآن بعدد التلاوات أم بمدى تحقيق الأثر؟ إن قراءة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ من دون أن تتحوّل العدالة إلى فعل في السوق أو البيت أو السياسة تبقى مجرد أداء صوتي بلا أثر. أما إذا قرأ شخص آية واحدة وغيّرت ميزان معاملاته فقد تحقق المقصد التداولي وقد ولد أثرًا حضاريًا. فالقرآن نزل في سياقات الاستضعاف والتمكين والحرب والسلم وإذا عُزل عن سياقه أصبح مجرد جمل محفوظة لا قوة موجهة. وهنا يلتقي البيان التداولي مع رؤية مالك بن نبي: القرآن لا يصنع حضارة بمجرد التلاوة بل حين يتحول إلى فعل وإعادة تشكيل للوعي الفردي والجماعي. وفي العصر الرقمي يتجلى هذا المعنى بوضوح: عدد المشاركات أو المتابعين لا يخلق أثرًا حضاريًا بينما أي محتوى يُفهم ويُترجم إلى فعل أخلاقي أو اجتماعي يحدث نقلة حضارية فعلية على مستوى الفرد والمجتمع. الختمة والتحقق: العدد والأثر الختمة — في معناها العددي — نهاية تلاوة أما التحقق — في معناه التداولي — فهو بداية أثر. وقد يختم المرء القرآن مرات ولا يختم القرآن عاداته. وقد يقرأ آية فتغلق في قلبه بابا من أبواب الظلم وقد يختم القرآن كله ويبقى القلب كما هو. النزعة الكمية ليست مجرد خطأ تقديري بل انزياح في فهم وظيفة القرآن التداولية السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون: كم مرة فعلناه نحن؟ بل: ما الذي فعل بنا القرآن؟ فالقرآن فاعل فينا لا مادة نفعل بها ما نشاء. ومن لم يستعد وعيه بوصفه خطابًا منشئًا للواقع ظل بين أيدينا كتاب تلاوة لا كتاب نهضة. والختمة لا تُحصى بل تُقام. وهكذا يتحقق الأثر الحضاري للقرآن حين ينسلخ العدد عن مجرد الحساب ويغدو الأثر محركًا للنفس والمجتمع ويصبح التدبر فعلًا روحيًا ومعرفيًا وتجسيدًا للقيم في سلوك الإنسان. الأثر هو المقصد سر القرآن يكمن في كونه خطابًا حيًا وفعلًا كلاميًا يُؤسّس للوعي الفردي والجماعي ويعيد للعبادة روحها الأصلية ويضع كل وسيلة في موضعها الصحيح: ليست الوسيلة غاية بل الأثر هو المقصد. ويستعيد الإنسان بذلك مقاييسه الحقيقية ويصبح السؤال الأهم: ليس كم ختمت؟ بل: ما الذي تغيّر فيك؟ وما الذي أقامته هذه القراءة من عدل ووعي وأثر في حياتك اليومية والمجتمع من حولك؟ . القرآن ليس مجرد نص محفوظ بل برنامج حضاري متكامل ينسج العلاقة بين التدبر والفعل بين الفهم والتطبيق بين الفرد والمجتمع بين الروح والمعنى بين العدد والأثر بحيث تتحول التلاوة إلى واقع حضاري ملموس. ///// من الوعظ إلى العمران: إعادة هندسة الخطاب الديني زمن التحولات أ.د.مراد بوفولة مقدمة طرح الأستاذ عيد الحكيم أعراب من جامعة باتنة جملة من التساؤلات الدقيقة التي تمس جوهر العلاقة بين الخطاب الديني والإنسان المعاصر من أبرزها: لماذا لم يعد الخطاب الديني مؤثرًا كما كان؟ هل العيب في الواعظ أم في المتلقي؟ أليس الاستغناء عن الدروس الدينية راجعًا إلى أسلوب خطاب يفتقد الجاذبية؟ ألا يحتاج منهج التذكير إلى مقاربات بيداغوجية تجعل الموعظة تُسمع كأنها لأول مرة؟ لماذا نشعر ببرودة في التدين بدءًا بأنفسنا؟ هل فقدت المحفزات فعاليتها أم أن هناك عوامل أعمق ينبغي على الواعظ إدراكها؟ هذه الأسئلة ليست مجرد ملاحظات ظرفية بل هي مدخل إلى مساءلة عميقة للبنية الرمزية للدين في المجال الاجتماعي ولموقع الخطاب الديني داخل نظام إنتاج المعنى في المجتمع المعاصر. أولًا: من سؤال التأثير إلى سؤال الشرعية الرمزية بدل أن نسأل: هل الخطاب الديني لم يعد مؤثرًا؟ ويمكن نضيف تساؤل آخر هل تغيرت شروط إنتاج التأثير؟ هل فقد الخطاب جزءًا من شرعيته الرمزية؟ هل انتقل مركز إنتاج المعنى من المنبر إلى الشاشة؟ في المجتمعات التقليدية كان الواعظ يحتكر المجال الرمزي أما اليوم فقد أصبح الخطاب الديني جزءًا من سوق رمزية مفتوحة تنافسه فيها سرديات متعددة رقمية وإيديولوجية واستهلاكية. وبذلك فإن الأزمة ليست بالضرورة في المضمون بل في تحول البنية الاجتماعية التي تمنح الخطاب قوة النفاذ. ثانيًا: هل العيب في الواعظ أم في المتلقي؟ – مساءلة النية والفاعلية الثنائية تبسيطية الأزمة في العلاقة. 1. الواعظ: رسالة أم وظيفة؟ هنا ينبغي طرح السؤال الوجودي: هل يحب الواعظ مهنته أم يؤديها بوصفها وظيفة؟ هل يعيش المعنى قبل أن ينقله؟ هل يتكلم من تجربة روحية أم من محفوظ لفظي؟ الشيخ محمد الغزالي رحمه الله كان يقول: الأمة بحاجة إلى العالم صاحب العقل النقي والقلب التقي هذه العبارة تختزل جوهر الأزمة فالعقل النقي يحمي الخطاب من السطحية والجمود والقلب التقي يمنحه الصدق والحرارة. حين يغيب أحدهما يتحول الخطاب إما إلى جفاف معرفي أو إلى عاطفة بلا بصيرة. الغزالي في الإحياء فرّق بين العلم الذي يورث الخشية والعلم الذي يورث الجدل وابن القيم أكد أن للكلام روحًا وأن أثره مرتبط بحال قائله. 2. المتلقي: حضور حب أم حضور عادة؟ هل يقبل على السماع بشغف البحث عن المعنى؟ أم يؤدي واجبًا اجتماعيًا؟ هل يسمع ليعمل أم يسمع ليطمئن مؤقتًا؟ هنا تتجلى فكرة مالك بن نبي حول القابلية لا بوصفها ضعفًا بل بوصفها استعدادًا نفسيًا يؤثر في فاعلية الفكرة. ثالثًا: حديث القلب والعقل أم حديث اللسان والأذن؟ يُروى – مع الحاجة إلى التثبت التاريخي – أن أحد الصالحين (وتُنسب أحيانًا للحسن البصري) استمع إلى موعظة ثم قال: اتق الله إما أن قلبك مريض أو قلبي مريض فإن كلامك لم يتجاوز أذني. سواء ثبتت الرواية أو لم تثبت فدلالتها عميقة: الكلام إذا خرج من القلب دخل القلب وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان. هنا يتحدد الفرق بين: خطاب يُحدث اهتزازًا في البنية الداخلية للإنسان وخطاب يمر مرور الصوت في الفراغ. والخطاب الفاعل هو الذي يجمع بين العقلانية والوجدانية بين البيان والحال بين الفكرة والطاقة. رابعًا: هل الخطاب الديني وعظي فقط؟ إذا اختزل الخطاب في الوعظ العاطفي فقد جزءًا كبيرًا من رسالته. الدين – كما قرره الشاطبي في الموافقات – مشروع مقاصدي شامل لحفظ نظام الحياة. وهو عند مالك بن نبي ليس طقسًا بل فكرة دافعة تولد الحضارة. إذن الخطاب الديني ينبغي أن يكون: معرفيًا: يؤسس رؤية كونية. وعظيًا: يحرك الوجدان. تربويًا: يبني السلوك. عمرانيًا: يحول القيم إلى واقع. فإذا اقتصر على الوعظ انفصل عن العمران. وإذا اقتصر على المعرفة جفّ. وإذا اقتصر على الشعور تلاشى أثره. خامسًا: ما هو التدين؟ – قبل الحديث عن برودته التدين ليس مجرد أداء شعائري. التدين هو: تمثل شامل للعقيدة في الوعي والقيم في السلوك والمعنى في العمران. يتكون من أربعة أبعاد متداخلة: 1. بعد عقدي معرفي. 2. بعد قيمي أخلاقي. 3. بعد عمراني اجتماعي. 4. بعد شعائري تعبدي. الجانب الشعائري مهم لأنه يغذي الوجدان ويربط الإنسان بالمطلق وقد اعتبره الشيخ محمد الغزالي يمثل الجزء العاطفي من الإسلام لكنه لا يمثل كل الدين. تحليليًا يمكن القول إن الشعائر تمثل جزءًا محدودًا من البنية الكلية وإذا اختُزل الدين فيها حدث تضخم عاطفي مقابل ضمور معرفي وعمراني. وهنا تظهر برودة التدين: أداء بلا رؤية ممارسة بلا أثر اجتماعي تكرار بلا تجدد مقاصدي. سادسًا: لماذا نشعر بالبرودة؟ البرودة ليست فقط نتيجة ضعف الأسلوب بل نتيجة: تسارع الزمن الاجتماعي. ضغط الاقتصاد الاستهلاكي. تفكك الجماعة الحاضنة. فقدان الربط بين العبادة والمشروع الحضاري. حين ينفصل الشعائري عن المقاصدي ويغيب العمراني عن المعرفي يتحول الدين إلى طقس بلا أفق. سابعًا: من الوعظ إلى العمران – كيف نحقق التناسق والتداخل والتكامل؟ السؤال الجوهري ليس: كيف نزيد عدد الدروس؟ بل: كيف نعيد هندسة الخطاب؟ نحتاج إلى: 1. التناسق انسجام بين: العقل والقلب القول والعمل الشعيرة والمعاملة. 2. التداخل أن يتداخل: الفقه مع التربية المقاصد مع الواقع المعرفة مع التجربة. 3. التكامل أن يُفهم الدين باعتباره: رؤية معرفية طاقة وجدانية مشروعًا عمرانيًا. وهنا يتحقق الانتقال الحقيقي: من وعظ يحرّك لحظة إلى خطاب يبني إنسانًا ومن إنسان واع إلى إنسان فاعل. خاتمة تساؤلات الأستاذ عيد الحكيم أعراب تكشف أننا أمام أزمة مركبة: أزمة صدق داخلي أزمة بيداغوجيا أزمة قيم تحمل معنى وأزمة اختزال. والأمة – كما قال الشيخ محمد الغزالي – بحاجة إلى: العالم صاحب العقل النقي والقلب التقي. لأن الخطاب الذي يجمع صفاء العقل وتقوى القلب هو وحده القادر على أن يعبر من اللسان إلى القلب ومن القلب إلى السلوك ومن السلوك إلى العمران. وهنا فقط يتحقق الانتقال الحقيقي: من الخطاب الوعظي إلى الخطاب المؤسس للعمران.