تتجدد الدعوات إلى التحلي بالوعي الصحي، وتغليب منطق الوقاية على المجازفة بالصحة، مع حلول الشهر الفضيل، وتغيير العادات الغذائية ونمط العيش، خاصة لدى مرضى السكري، الذين قد يعرضون أنفسهم لمضاعفات خطيرة، بسبب قرارات غير مدروسة، فالصيام عبادة عظيمة، لكنه بالنسبة لبعض المرضى، قد يتحول إلى خطر حقيقي، ويؤدي إلى التهلكة، إذا لم يكن مؤطرا بنصيحة طبية ومرافقة صحية دقيقة. في هذا السياق، احتضن فوروم جريدة "المجاهد" بالعاصمة، أول أمس، ندوة تحسيسية توعوية نشطها رئيس جمعية "مرضى السكري" لولاية الجزائر، فيصل أوحدة، بحضور مختصين وفاعلين في المجال الصحي، حيث تم التطرق إلى جملة من الانشغالات المرتبطة بداء السكري في الجزائر، خاصة ما تعلق بقرار الصيام والعادات الغذائية السائدة، وتنامي نسب الإصابة بشكل مقلق. أكد فيصل أوحدة، أن أهم رسالة يجب أن تصل إلى كل مريض بالسكري، هي ضرورة استشارة الطبيب قبل اتخاذ قرار الصيام، مشددا على أن الخطأ الذي يقع فيه البعض، يتمثل في اتخاذ قرار فردي بالصيام دون تقييم طبي لحالتهم الصحية، خصوصا أن البعض قد يعتمد نظاما غذائيا، معتقدا أنه يساعد على الصيام دون مضاعفات، بينما قد يعرضه ذلك إلى انخفاض أو ارتفاع حاد في نسبة السكر في الدم، وما ينجر عنه من مضاعفات خطيرة، قد تصل إلى الإغماء أو الدخول في غيبوبة. أوضح أوحدة، أن الوعي الصحي لا يقتصر فقط على استشارة الطبيب، بل يتعداه إلى تبني ثقافة غذائية سليمة، داعيا إلى استعمال بدائل أكثر صحية في النظام الغذائي للمرضى خصوصا، مثل التقليل من الدقيق الأبيض والسكر الأبيض، والبحث عن خيارات أفضل، تساعد على استقرار نسبة السكر في الدم، مشيرا إلى أن الجزائري يستهلك سنويا نحو 42 كيلوغراما من السكر للفرد الواحد، وحتى أكثر، حسب معطيات منظمة الصحة العالمية، وهو رقم مرتفع جدا، يعكس اختلالا واضحا في النمط الغذائي. كما نوه رئيس الجمعية، إلى أهمية تسليط الضوء على دور الأئمة في المساجد، من خلال الخطب والدروس، لاسيما في توعية كبار السن بخطورة اتخاذ قرارات صحية دون استشارة، وتشجيعهم على إجراء الفحوصات الطبية والالتزام بتعليمات الأطباء، كما تم التأكيد على الدور المحوري لوسائل الإعلام في نشر ثقافة الوقاية، والتحسيس بالمخاطر. من جهته، أشار المختص في داء السكري، الدكتور بواب ضياء الدين، إلى أن أول سبب للإصابة بالسكري في الجزائر، هو السمنة، التي وصفها بمشكل العصر، نظرا لارتباطها أيضا بما لا يقل عن 13 نوعا من السرطانات، مؤكدا أن محاربة السمنة أولوية صحية قصوى، للوقاية من السكري وغيره من الأمراض المزمنة. وتطرق المتحدث إلى الأرقام المقلقة، المتعلقة بانتشار المرض في الجزائر، مشيرا إلى أن نسبة الإصابة كانت في حدود 8 بالمائة، لكنها تضاعفت خلال السنتين الأخيرتين، لتصل إلى 16 بالمائة، وذكر أن آخر الإحصائيات تتحدث عن أربعة ملايين مصاب بالسكري، فيما ترفع أرقام أخرى العدد إلى أربعة ملايين ونصف مليون، ما يجعل السكري من أكثر الأمراض انتشارا في الجزائر. لم يخف المختص العبء الاقتصادي الثقيل الذي يمثله المرض، إذ أن 28 بالمائة من التعويضات الصحية موجهة لداء السكري، من بينها حوالي 1550 مليار سنتيم تخصصها صناديق التعويض للأنسولين، وهي تكاليف ضخمة تثقل كاهل الاقتصاد الوطني، كما أن الدول تصرف ما بين ألف وألفي دولار سنويا عن كل مريض بالسكري، ما يؤكد أن الوقاية أقل تكلفة بكثير من العلاج. من جهتها، شددت خلفاوي فايزة، رئيسة اللجنة العلمية لدى جمعية "مرضى السكري" لولاية الجزائر، على أن ثلث المصابين فقط تم تأكيد إصابتهم عبر التحاليل الطبية، فيما يبقى عدد كبير من الأشخاص يجهلون وضعهم الصحي، لعدم قيامهم بالفحوصات الدورية، موضحة أن الكثيرين قد يكونون في مرحلة ما قبل السكري دون أن يعلموا، ما يستدعي ضرورة إجراء تحاليل منتظمة، خاصة لمن لديهم عوامل خطورة، مثل السمنة أو وجود تاريخ عائلي للمرض. وأضافت، أن الوقاية تبقى أحسن من العلاج، من خلال تبني نظام غذائي صحي متوازن، والإكثار من استهلاك الخضر والفواكه، إلى جانب التقليل من النشويات والسكريات والدهون، وممارسة الرياضة بانتظام. وأشارت إلى أن النمط الغذائي السائد في الجزائر، يعتمد بشكل كبير، على العجائن والنشويات والسكريات، مقابل استهلاك ضعيف للخضر والفواكه، وهو ما يساهم في تفاقم المشكل. كما تم التأكيد خلال الندوة، على أن التأثيرات الخارجية، خاصة الحملات الإعلانية المكثفة، تلعب دورا كبيرا في توجيه اختيارات المستهلكين نحو منتجات غنية بالسكر والدهون، ما يتطلب وعيا فرديا وجماعيا لمقاومة هذا الضغط الاستهلاكي، وفي السياق ذاته، دعا فيصل أوحدة إلى محاربة ظاهرتي الإسراف والتبذير، خاصة في شهر رمضان، مؤكدا على أهمية وعي المواطن باقتناء ما يلزمه فقط دون إفراط.