مراصد إعداد: جمال بوزيان ضرورة الخروج من دائرة الموسمية إلى صناعة التقوى النجاح الرمضاني: امتلاء الحياة بمعاني الحق والعدل والإحسان دون شك رمضان عند المسلمين ليس شهرا مثل الشهور وليس شهرا تنسى أحداثه وأحاديثه بعد انقضائه يراه أهل الإيمان شهرا قمريا منيرا في حياتهم لا سيما وأنه شهر القرآن الكريم وشهر الانتصارات... لكن في المقابل يرى مراقبون أن كل أيام السنة فيها عبادات ومعاملات ووجوه الخير والقربات والصدقات... لِمَ يظهر هذا التباين؟ وماذا تقترح؟ وكيف ترى حسن التوجيه العام والتوعية بالمعرفة الغائبة في أسرار الشهر كي لا يظهر المسلمون موسميين حتى في العبادة؟ وما الاستعدادات الحقيقية لهذا الشهر الفضيل بما أمر الله وفصل الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام؟. ///// رمضان بين وهج الشعور وصدق التحول أ.سعاد عكوشي ليس رمضان في الوجدان الإسلامي شهرًا عابرًا في رزنامة الأيام بل زمنًا غنيا بالمعاني والقيم تتعانق فيه العبادة بالوعي والتزكية بالفعل والتاريخ بالحاضر. فيه نزل القرآن الكريم وفيه تجددت مسيرة الأمة لحظات فاصلة مثل غزوة بدر وفتح مكة حتى غدا في المخيال الجمعي شهر الانتصار على النفس قبل الخصم. ومع ذلك يلحّ سؤال: لماذا يتوهّج التدين في رمضان ثم يخفت سريعًا بعده؟ ولماذا يبدو بعض المسلمين موسميين في العبادة كأن الصلة بالله محكومة بدورة قمرية لا بمشروع حياة؟. هذا التباين يعود إلى خلل في الفهم والممارسة. فالصوم شُرع لتحقيق التقوى والتقوى ليست حالة وجدانية مؤقتة بل عمل أخلاقي دائم. غير أن الخطاب السائد كثيرًا ما يختزل رمضان في كثرة الشعائر وعدد الختمات وساعات القيام فيتحول الشهر إلى سباق كميّ بينما يظل السؤال النوعي مؤجَّلًا: ماذا تغيّر في سلوكنا؟ هل استقامت أخلاقنا؟ هل انضبطت ألسنتنا؟ هل تهذبت علاقاتنا؟ هل خفَّت أنانيتنا؟ فحين تُختزل العبادة في الطقوس تضيع قيم الشهر الكريم ويصبح التدين لحظة انفعال جماعي لا مسارًا طويلا. يُضاف إلى ذلك أن الخطاب الوعظي يغلب عليه الطابع العاطفي فيحرّك المشاعر أكثر مما يبني المفاهيم يكثر الترغيب والترهيب لكن دون شرح فلسفة الصوم بوصفه تدريبًا على ضبط الإرادة وإعادة ترتيب الأولويات. وهنا ينتهي الأثر بانتهاء الجو العام. كما أن ضغط العادات الاجتماعية حوّل الشهر في بعض البيئات إلى موسم استهلاك وإرهاق ليلي فتتضخم الموائد وتضيق مساحات التأمل ويُستبدل الاقتصاد الذي يعلّمه الصوم بإسراف يتناقض مع روحه. النص النبوي حاسم في هذا الباب إذ قرر أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ . هذه القاعدة تقوّض مفهوم المناسبة التعبدية التي لا يعقبها استمرار. وإذا كان التاريخ يحدّثنا عن انتصارات وقعت في رمضان مثل غزوة بدر فإنها لم تكن وليدة حماسة شهر بل ثمرة إعداد طويل وتربية عميقة. وكذلك كان فتح مكة تتويجًا لمسار صبر وتخطيط لا لحظة وجدانية عابرة. فالعبرة ليست في زمن الحدث بل في نوعية البناء الذي سبقه وأعقبه. من هنا يصبح الإصلاح المطلوب إصلاحًا في الرؤية إذ ينبغي أن يُقدَّم رمضان بوصفه مشروعًا سنويًا لإعادة الهيكلة الروحية لا مهرجانًا تعبديًا مؤقتًا. مشروع يضع لكل فرد خطة واقعية: قراءة فيها تدبر للقرآن لا مجرد ختم سريع كما يحتاج الخطاب العام إلى الانتقال من استفهام: كم صليت وقرأت؟ إلى سؤال: ماذا تغيّر فيك؟ . فالنجاح الرمضاني لا يُقاس بكثرة الحركة بل بعمق النتيجة. والتوجيه الرشيد يقتضي بناء جسور الاستمرار كصيام يتلو الشهر وحلقات علم لا تنقطع بانقضاء التراويح ومبادرات تضامن تتحول من صدقة موسمية إلى ثقافة دائمة. فحين يرتبط رمضان ببقية العام تزول حدة المفارقة بين الإقبال والفتور ويتحوّل إلى نقطة انطلاق لا محطة نهاية والاستعداد الحقيقي له لا يبدأ برؤية الهلال بل برؤية الخلل في النفس والسعي إلى تصفية الخصومات ترتيب الوقت تخفيف الاستهلاك واستحضار أن المقصود من الصوم ليس الجوع بل التغيير الداخلي. إن التحدي الأكبر ليس في إقناع الناس بفضل رمضان فحبه مستقر في القلوب بل في نقل هذه المحبة من دائرة القداسة العاطفية إلى مجال البناء الحضاري. حين ندرك أن رمضان مدرسة تقوى ممتدة وأن العبادة مشروع عمر لا موسم عابر سيختفي وصف الموسمية ويصبح الشهر منارةً تشعّ في سائر العام لا قنديلا يُطفأ بانتهاء أيامه. نحتاج لننقل رمضان من الذاكرة العاطفية إلى المشروع الحضاري إذ أن تاريخنا الإسلامي يختزن صورا لمواقف مهيبة عن رمضان فهو شهر التلاوة وشهر الانتصارات الكبرى. غير أن تحويل هذا التاريخ إلى طاقة فاعلة يتطلب شجاعة من نوع آخر: شجاعة الاعتراف بأننا كثيرًا ما نحسن الاحتفاء بالشعيرة ونُقصّر في تفعيل دورها. الشجاعة هنا تعني أن نترك منطقة الراحة التعبدية من حرارة المشاعر إلى منطقة الالتزام السلوكي حيث يُقاس الإيمان بأثره في تغيير حياتنا ورؤانا.. أن يصبح نقطة انطلاق لترشيد الاستهلاك وإعادة بناء منظومة القيم في الأسرة والمدرسة والمؤسسة يتحوّل الصوم فيه من امتناع عن الطعام إلى تدريب منهجي على ضبط الشهوة في كل مجالات حياتنا في ممارساتنا السياسية والاقتصادية والإعلامية أيضا فإذا كان رمضان مدرسة تقوى فالمطلوب أن تستمر المدرسة أحد عشر شهرًا. وإذا كان شهر القرآن فالمطلوب أن يصبح القرآن مرجعية وعي لا مجرد مادة تلاوة. وإذا كان شهر الانتصار على النفس فالمطلوب أن يظهر هذا الانتصار في أخلاقيات العمل وفي صدق المعاملة وفي مقاومة الفساد. نملك الشجاعة حين نعيد تعريف النجاح الرمضاني: ليس أن نبكي كثيرًا بل أن نتغيّر فعلًا ليس أن تمتلئ المساجد ثم تفرغ بل أن تمتلئ الحياة بمعاني الحق العدل والإحسان. وحين نربط العبادة بالبناء والروح بالعمران يصبح رمضان طاقة تجديد سنوية للمجتمع لا موجة موسمية من التدين. وختاما رمضان مدرسة إيمانية متكاملة ومحطة تزود روحية ونقطة انطلاق نحو حياة أفضل. فمن فهم رمضان على حقيقته واستفاد من دروسه خرج منه إنسانا جديدا أقوى إيمانا وأحسن خلقا وأكثر التزاما بدين الله في كل وقت وحين. نسأل الله تعالى أن يعيننا على حسن صيامه وقيامه وأن يجعلنا ممن يصومونه إيمانا واحتسابا وأن يتقبل منا ويثبتنا على طاعته. ///// رمضان.. من الحدث الموسمي إلى مركزية التغيير المستدام أ.خديجة عبد اللطيف مقدمة: رمضان والفرصة المتجددة يمثل شهر رمضان في حياة المسلمين حالة خاصة تتجاوز كونه مجرد شهر للصيام فهو المحطة الروحية الأبرز التي تنتظرها القلوب بشوق وتستعد لها النفوس ببهجة. غير أن الملاحظ في واقعنا المعاصر هو وجود فجوة كبيرة بين حالة الإقبال الشديد على العبادة في رمضان وبين التراجع الملحوظ في هذا النشاط الروحي بمجرد انقضاء الشهر. هذه الموسمية في العبادة تطرح تساؤلات هامة حول كيفية تحويل رمضان من مجرد أيام معدودات نعيشها إلى نقطة انطلاق حقيقية لتغيير دائم ومستمر في سلوكنا وحياتنا. قال تعالى: ﴿واعبد ربك حتىٰ يأتيك اليقين﴾ [الحجر: 99]. اليقين هنا هو الموت وهي دعوة صريحة للاستمرار في العبادة طوال الحياة وليس بموسم معين. أولا: لماذا يظهر التباين بين رمضان وبقية العام؟ عند تحليل ظاهرة اندفاع الناس نحو الخير في رمضان وتراجعهم بعده نجد أن هناك أسبابا نفسية واجتماعية واضحة تفسر هذا التباين: تأثير البيئة الجماعية: في رمضان يتحول المجتمع كله إلى خلية نحل من الطاعة فالمساجد ممتلئة وأعمال الخير منتشرة والجميع صائمون. هذا الجو العام يشكل قوة دفع قوية للفرد حيث يجد تشجيعا من كل من حوله مما يسهل عليه القيام بالعبادات التي قد يجدها ثقيلة في غير رمضان. وبمجرد انتهاء الشهر يعود المجتمع لنمطه العادي فيفقد الفرد هذا المحفز الخارجي ويجد نفسه وحيدا في مواجهة عاداته القديمة. مفهوم فرصة العام الواحد : ينظر الكثيرون إلى رمضان كفرصة وحيدة لتطهير النفس من أخطاء وذنوب عام كامل. هذا المفهوم رغم إيجابيته إلا أنه قد يتحول إلى مسكن مؤقت حيث يظن البعض أن الاجتهاد المكثف في شهر واحد يكفي عن التقصير في بقية الشهور. هذا الفكر يجعل العبادة مرتبطة ب زمن معين لا ب عقيدة مستمرة مما يؤدي إلى فتور الهمة بمجرد رحيل الشهر. ثانيا: نقد الموسمية وأسرار الشهر الغائبة إن حصر العبادة في رمضان فقط هو إفراغ للشهر من معناه الحقيقي. إن أسرار رمضان الغائبة عن الكثيرين تكمن في أنه جاء ليكون دورة تدريبية لتقوية الإرادة فالهدف من الصيام ليس مجرد الجوع والعطش بل هو تدريب النفس على التحكم في الرغبات. إذا استطاع المسلم أن يمتنع عن الطعام والشراب طاعة لله فمن باب أولى أن يكون قادرا على الامتناع عن الأخلاق السيئة والظلم طوال العام. الموسمية تجعل المسلم يبدو وكأنه يؤدي واجبا ثقيلا يريد الانتهاء منه بينما الحقيقة هي أن رمضان هو المدرسة التي تخرج لنا إنسانا أفضل في بقية الشهور. إن المسلم الذي يقطع صلته بالمسجد أو بالقرآن بعد العيد لم يفهم حقيقة الصيام الذي يهدف إلى بناء التقوى المستمرة لا التقوى المؤقتة المرتبطة بالهلال. ثالثا: كيف نستعد لرمضان استعدادا حقيقيا؟ (حلول عملية) لكي نخرج من دائرة الموسمية ونحقق الاستعداد الذي أمر به الله وفصله الرسول (صلى الله عليه وسلم) نقترح الحلول العملية الآتية: 1-الاستعداد المبكر بالتدرج: الاستعداد الحقيقي لا يبدأ في ليلة 1 رمضان بل قبل ذلك بأسابيع. إن تعويد النفس على صيام بعض الأيام في شعبان وتخصيص وقت يومي للقراءة والذكر يجعل الدخول في جو رمضان سهلا وطبيعيا. هذا التدرج يمنع صدمة التغيير ويساعد على استمرار هذه العادات بعد نهايته. 2-التركيز على الكيف لا الكم : بدلا من الانشغال فقط بعدد الختمات دون تدبر يجب أن يركز الصائم على أثر هذه العبادة في سلوكه. الحل العملي هو أن يضع كل شخص هدفا سلوكيا واحدا (مثل: ترك الغيبة أو بر الوالدين) ويعاهد نفسه على الثبات عليه بعد رمضان. فالحسنة التي تستمر هي الأحب إلى الله. 3-تغيير الثقافة الاستهلاكية: من أكبر عوائق الروحانية في رمضان هو تحوله إلى شهر للطعام والسهر والتلفاز. الاستعداد الصحيح يكون بتقليل المظاهر المادية والتركيز على جوهر العبادة. يجب أن نربي أنفسنا على أن رمضان هو شهر العمل وليس شهر الإسراف . 4-بناء بيئة صالحة دائمة: بما أن الإنسان يتأثر بمن حوله فإن من الحلول هي البحث عن رفقة صالحة تعين على الخير وتستمر في التواصل بعد رمضان. فوجود مجموعة دعم تشجع على صلاة الفجر أو ورد القرآن هو الضمان لعدم العودة إلى الفتور. خاتمة: رمضان بداية وليس نهاية وهذا ما يؤكده الهدي النبوي الشريف في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلت البخاري ومسلم فالعبرة بالاستمرار لا بالانقطاع... ختاما يجب أن يدرك كل منا أن رمضان ليس نهاية المطاف بل هو بداية الطريق . إن نجاح المسلم في هذا الشهر الفضيل لا يقاس بدموعه في ليالي الوتر فحسب بل يظهر أثره الحقيقي في مدى ثباته على الأخلاق والقيم في بقية الشهور. إن التوعية الحقيقية تبدأ من فهم أن رب رمضان هو رب كل الشهور وأن العبادة هي رحلة عمر لا تنتهي إلا بلقاء الله. فلنجعل من رمضان القادم نقطة تحول في حياتنا لنكون مسلمين دائمين في عبادتنا وأخلاقنا لا موسميين تتقلب قلوبنا مع تقلب الشهور. ///// رمضان بين روحِ التقوى وثقافةِ الاستهلاك.. هل نعيشه عبادةً أم نختزله عادةً؟ أ.نادية بوزطوطة بين الفضائل الربانية ومغريات الحياة اليومية يبقى رمضان اختبارًا للنية والوعي يطلّ شهر رمضان من كل عام حاملا معه نفحات الإيمان وأجواء الروحانية وذكريات الطفولة المعلقة برائحة الشوربة وصوت المدفع قبيل المغرب. غير أنّ هذا الشهر على قدسيته ووحدته الزمنية لا يُستقبل بالعقلية ذاتها ولا يُعاش بالمنظور نفسه. فبين من يجعله عبادة خالصة ومن يحوّله إلى عادة موسمية ومن يتعامل معه كشهر عادي لا يستدعي كل هذا الاهتمام تتعدد الرؤى وتختلف المقاصد. رمضان في جوهره فريضة شرعية ركن من أركان الإسلام وقد نصّ الله تعالى على فرضيته في القرآن الكريم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ثم بيّن الغاية العظمى منه بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب بل مشروع تربية إيمانية يهدف إلى صناعة التقوى في القلب. والتقوى ليست حالة عابرة بل وعي دائم برقابة الله في السر والعلن. ويزيد القرآن تأكيدًا على خصوصية هذا الشهر بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ فارتباطه بالوحي يجعله زمنًا مشبعًا بالمعنى لا إطارًا شكليًا للصيام فقط. كما يلفت الانتباه إلى البعد الروحي في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ وهي آية جاءت في سياق آيات الصيام وكأنها تذكير بأن رمضان زمن قرب خاص ومجال مفتوح للدعاء والمراجعة والمصالحة. لهذا يراه كثير من المسلمين موسمًا استثنائيًا تُضاعف فيه الجهود وتُشحذ فيه الهمم ويُعاد فيه ترتيب العلاقة مع الله. فهم يدركون أن الله تعالى يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَة مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ويقول أيضًا: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فيجعلون من رمضان ميدان سباق نحو الطاعة لا مجرد تقويم زمني تتبدل فيه ساعات الأكل والشرب. في المقابل هناك فئة أخرى تستقبل رمضان بطابع مادي أكثر من كونه روحيًا. ينشغل أفرادها بالتحضيرات الاستهلاكية وتتكدس البيوت بما لذّ وطاب حتى يكاد معنى الصيام يضيع وسط وفرة الطعام. غير أن القرآن حذّر من هذا المنحى حين قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ فالإسلام لم يمنع الطيبات لكنه وضع لها ميزان الاعتدال. فكيف بشهر شُرع فيه الصيام ليُذكّر الإنسان بحقيقة الفقر والحاجة ثم يتحول عند البعض إلى موسم إسراف؟. وهناك من يحصر رمضان في الامتناع الجسدي بينما يظل اللسان طليقًا في الغيبة والعين سابحة في المحرمات والوقت مهدورًا في اللهو. غير أن القرآن يؤكد أن الصلاح ليس شكليًا بل شامل للسلوك كله قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ أي زكّى نفسه وطهّرها. فالتزكية جوهر الصيام لا الجوع وحده. أما الفئة الثالثة التي ترى أن الخير لا ينبغي أن يكون موسميًا وأن قراءة القرآن والصدقة والعبادة مطلوبة طوال العام فهي على حق من حيث المبدأ. فالقرآن يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي أن العبادة مستمرة لا تنقطع. غير أن خصوصية رمضان ثابتة بالنص فهو موسم تتضاعف فيه فرص القرب وتتهيأ فيه النفوس للتغيير. والقرآن نفسه يقرّ مبدأ التفضيل بين الأزمنة بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر ﴾. فإذا كان الله قد جعل لبعض الأزمنة مزية فإن اغتنامها لا يُعد موسمية مذمومة بل استجابة لحكمة ربانية. الخلل إذن ليس في اختلاف وجهات النظر بل في فقدان التوازن. فالدين ليس شكلاً بلا روح ولا روحًا بلا التزام. رمضان ليس شهر مبالغة في المظاهر ولا شهر برود في التعامل بل شهر وعي. هو محطة مراجعة لا مهرجان عابر. هو فرصة لمن أراد أن يغيّر مساره ويعيد صياغة أولوياته ويصالح قلبه مع خالقه. يبقى رمضان مرآة تعكس حقيقة الإنسان. فمن دخله بنيّة صادقة خرج منه أقرب إلى التقوى التي جعلها الله غاية الصيام. ومن دخله بعقلية استهلاكية خرج منه مثقلاً بالموائد لا بالمغفرة. وبين هذا وذاك تتجلى قيمة الوعي. رمضان لا يحتاج إلى تهويل لكنه يحتاج إلى فهم. ولا يحتاج إلى جدل بل إلى عمل. فمن أراد أن يجعل منه عبادة فليستحضر قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْر تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ ومن أراد أن يمتد أثره لما بعده فليجعل التقوى التي وُعد بها شعارًا دائمًا. فالقضية في النهاية ليست اختلاف العقليات بل صدق المقاصد... ورمضان فرصة لاختبار هذا الصدق. ////