تتصاعد الأزمات في المغرب على أكثر من واجهة، في مشهد يعكس عمق الاختلالات البنيوية التي تعاني منها البلاد تحت إدارة نظام المخزن وحكوماته المتعاقبة. بين قطاع تعليمي يرزح تحت وطأة الارتباك وسوء التدبير ومناطق منكوبة لا تزال تعاني الإهمال بعد كارثة طبيعية مدمرة، تتكشف ملامح سياسة رسمية تقوم على التسويف والمماطلة وتجاهل المطالب الاجتماعية، في وقت تبدو فيه الحكومة منشغلة بأجنداتها الخاصة أكثر من انشغالها بتدبير أزمات المواطنين المتفاقمة. وفي هذا السياق، حذرت النقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في بيان لها أول أمس من استمرار الحكومة ووزارة التربية الوطنية في اعتماد أساليب التسويف والمماطلة في تنفيذ التزاماتها تجاه عمال قطاع التعليم، معتبرة أن هذا النهج يعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمعالجة الاختلالات المتراكمة داخل المنظومة التعليمية. وجاء هذا الموقف عقب اجتماع المكتب الوطني للنقابة بالدار البيضاء حيث عبر المجتمعون عن قلقهم إزاء استمرار مظاهر الفساد وتفاقم الأزمة الاجتماعية وتراجع الخدمات العمومية، وهي مؤشرات يراها متابعون بأنها تعكس عمق الفشل الذي يطبع تدبير السلطات المغربية للقطاعات الحيوية. وفي امتداد لهذه الصورة القاتمة، أكدت النقابة أن قطاع التعليم يعيش اختلالات عميقة، نتيجة استمرار تجاهل الحكومة لبنود الاتفاقات الموقعة مع عمال قطاع التربية، وهو ما يعزز قناعة واسعة داخل الأوساط التعليمية بأن وعود السلطات لا تتجاوز حدود الخطاب الإعلامي، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي. ولم تقف الانتقادات عند هذا الحد، إذ عبرت النقابة عن رفضها توجه وزارة التربية الوطنية نحو تعميم نموذج ما يسمى ب«مؤسسات الريادة" دون إجراء تقييم موضوعي ودراسة علمية دقيقة لنتائجه، معتبرة أن هذا التوجه قد يزيد من الأعباء الملقاة على عاتق نساء ورجال التعليم ويعمق الأزمة التي تعيشها المدرسة العمومية بدل معالجتها. غير أن أزمة التعليم ليست سوى وجها من أوجه الاختلالات العميقة التي تضرب الواقع الاجتماعي بالمغرب، ففي تقرير حديث، كشفت منظمة "ترانسبرنسي" عن صورة صادمة لواقع المناطق المتضررة من زلزال الحوز، حيث لا تزال آلاف الأسر تعيش ظروفا قاسية في الخيام أو الحاويات، في مشهد يعكس حجم الفشل في تدبير ملف إعادة الإعمار. وأظهر التقرير أن البطالة تضرب نحو 42 في المائة من سكان المنطقة، فيما يعيش قرابة نصفهم بأقل من ألف درهم شهريا، وهو ما يعكس مستوى الفقر والهشاشة الذي تعيشه هذه المناطق المنكوبة، في ظل غياب سياسات اجتماعية فعالة قادرة على إنقاذ السكان من أوضاعهم المتدهورة. وفي قطاع الصحة، تبرز مظاهر الإهمال بشكل أكثر وضوحا، إذ لا يتوفر إقليم الحوز سوى على مستشفى واحد بسعة محدودة لا تتجاوز 45 سريرا، في منطقة جبلية شاسعة تحتاج إلى بنية صحية قوية. كما أن نقص الأطر الطبية والتجهيزات الأساسية يجعل الولوج إلى العلاج رحلة شاقة للسكان الذين يضطرون لقطع مسافات طويلة عبر طرق وعرة. أما في قطاع التعليم بالمناطق المتضررة، فقد أكد التقرير أن مئات المؤسسات التعليمية لا تزال خارج الخدمة منذ الزلزال، ما يعني أن آلاف التلاميذ يعيشون للسنة الدراسية الثالثة على التوالي في ظل ظروف تعليمية هشة، في انعكاس صارخ لعجز الدولة عن ضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية. ولعل ما يزيد من قتامة هذا الواقع هو التضييق الذي يطال أصوات المتضررين والناشطين المطالبين بحقوقهم، حيث سجل التقرير صدور أحكام بالسجن في حق بعض النشطاء المرتبطين بالحركة الاجتماعية للمتضررين من الزلزال، في مؤشر على لجوء السلطات إلى المقاربة الأمنية بدل معالجة جذور الأزمة. وعلى ضوء هذه المعطيات، يطرح التقرير تساؤلات حادة حول الطريقة التي يدير بها نظام المخزن ملف إعادة الإعمار، خاصة في ظل تحميل جزء من المسؤولية المالية لمواطنين يعيشون أصلا في أوضاع فقر وهشاشة.