المجلس البلدي لقايس يصادق على استقالة المير    الجزائر-غينيا الاستوائية : الخضر أمام حتمية الفوز    « نجم الفريق ..."    محطة للمسافرين حلم يراود السكان    تسجيل أزيد من 11.900 مخالفة تجارية    الهيمنة في منظور أدب ما بعد الاستعمار    القوى السياسية تواصل مشاوراتها لتحديد موعد للانتخابات    «اليكتريسيتي دو فرانس» تخفض تقديراتها للإنتاج    نقص المواد الأولية يضعف الانتعاش    تنافس لتمثيل الجزائر في مونديال البرتغال    أكثر من 6 تريليونات دولار في 2021    انفصال مؤلم    القبض على المتورطين في الاحتيال على الطلبة    مظاهرة أمام البرلمان الأوروبي الأربعاء    بوغالي يرافع لإعادة الاعتبار للمشهد الثقافي    خطري أدوه: على الأمم المتحدة أن تراجع أسباب فشل كل المساعي الماضية    الرئيس تبون يترأس اجتماعا لمجلس الوزراء اليوم    دي يستورا يلتقي مسؤول أمانة التنظيم السياسي بجبهة البوليساريو خطري أدوه    العرض الأول للفيلم الوثائقي "بودي + آرت" للمخرجة فاطمة الزهراء زعموم    بحث دفع العلاقات الثنائية والمشاورات السياسية بين البلدين    تمديد العمل بالبروتوكول الحالي للوقاية من تفشي فيروس كورونا ل 10 أيام    تعليمات بضرورة تجهيز جميع المصالح بالمستلزمات الطبية الناقصة    مولودية وهران تعود لنقطة الصفر    «عدل» توقع اتفاقية مع القرض الشعبي الجزائري لتمويل إنجاز 15 ألف سكن    توافق تام في وجهات النظر حول القضايا السياسية والشراكة الاقتصادية    إنّ خير من استأجرت القوي الأمين    الجماعات المحلية لا تتوفر على موظفين أكفاء ومؤهلين لمتابعة الملفات القضائية    استكشاف فرص الشراكة في قطاع الفلاحة    الأفلان" و "الأرندي" يتحالفان لضمان الأغلبية في مجلس الأمة    محمد بلوزداد.. الرجل الأكثر ذكاء والأقل كلاما    دي ميستورا يحلّ بمخيّمات اللاجئين الصحراويين    يجب مواجهة كل محاولة لسلب عاداتنا    الرئيس غويتا يفعّل خطة الرد على عقوبات "ايكواس"    11 وفاة... 505 إصابة جديدة وشفاء 316 مريض    وزير الصحة يعقد اجتماعا طارئا مع إطارات الوزارة    محمد بلوزداد كان له فضل كبير في اندلاع ثورة التحرير    هل هي بداية نهاية كورونا؟    ضبط 07 متورطين وحجز مخدرات وأسلحة بيضاء    حمض الفيروليك لمحاربة الشيخوخة    قف... أماكن مخصصة للنساء فقط    شجار عنيف بين اللاعبين    أرشّح هذه المنتخبات للفوز بكأس إفريقيا    خذوا العبرة من التاريخ...    فتح الإقامات الثلاث المغلقة في الدخول المقبل    وطنية مالك بن نبي لا تحتاج إلى وثائق وشهادات    علينا أن نعزز الشراكة السينمائية بين الجزائر وتونس    افتتاح الأيام الوطنية للمونولوغ بالجلفة: معرض للصور يحاكي المسيرة الفنية للراحل "الشيخ عطاء الله"    الأحزاب في بلهنية السبات    تماطل في تقديم الخدمات... واقع مكرس    تحديد 31 مارس آخر أجل لإنهاء الأشغال    ظهور مشرّف للحكم بن براهم    70 % من المصابين ب «أوميكرون» لم يخضعوا للتلقيح «    179 حالة تتلقى العلاج بالأكسجين بمستشفى الدمرجي    تمنراست تحتضن حفل توزيع جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية    هذه صفات عباد الرحمن..    جدلية الغيب والإنسان والطبيعة..    فضائل ذهبية للحياء    لا حجة شرعية لرافضي الأخذ بإجراءات الوقاية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بين النقد والنقض
نشر في الفجر يوم 02 - 05 - 2010

من موضوع مكتوب و منشور بالملحق الثقافي لجريدة "الفجر" العدد 2895 نقرأ لرابحي محمد الكاتب مقالا في النقد والنقد المضاد. ذلك أنه سكت دهرا، ثم نطق جهرا ليثور ثورة على النقد والأدب كما ثار على الموت والحياة، بات ميتا يرزق بالطعام والحليب والبريوش. فأصبح ميتا لا يرزق، يصارع الحياة فتصرعه، ينافح الموت فيكبحه. يتساءل لمادا نأكل ؟ يجيب نأكل لنعيش، ونعيش لنموت، ونموت لتستمر الحياة..
الصراع الجدلي بين المضادات الحيوية صراع أبدي. والحياة تقوم على الصراع صراع الأضداد الحياة والموت،القبح والجمال، الخير والشر، الحب والكره .. حيث يؤدي الصراع بالمعنى النقدي إلى التوتر ، و التوتر يفضي إلى الدراما مأساة كانت أم ملهاة. فلا حياة دون صراع و نقد، ولا صراع ونقد دون حياة.. فإدا كان الشعر جوهر الأدب، فإن الأدب محور العملية النقدية على مستوى المنهج والسياق. وتطور النقد مرهون بتطور الإبداع، فبغياب النقد يتدهور الأدب ويتيه تيهانا، وفي غياب الأدب بتعطل النقد كما يتعطل الذوق كذلك. يختلف النقد ويطغى باختلاف المشارب والأذواق، فهناك النقد الطامح ومفاده المدح، النقد الجامح ومفاده القدح، والنقد الراجح ويراد به البناء، أما النقض فيراد به الإلغاء والهدم، هدم الأحكام النقدية المختلفة لإعادة البناء. طبقا لمبدأ التدافع والنقد. كحتمية تاريخية للتطور..التجاذب والتنافر، التقابل والتضارب. فنقد السياسة عند ماركس طور المذهب الرأسمالي المتوحش. ونقد العقل العقل العربي لدى بعض المفكرين غربل الميراث الحضاري القديم لإحيائه من جديد. بإعمال آلة المناهج النقدية الحديثة، كالمنهج التفكيكي والبنيوي عند محمد أركون، وعابد الجابري.. ثم الدعوة الى تجديد الفكر العربي عند الدكتور زكي محمود نجيب وغيرهم..
أما المنهج الانطباعي في الأدب والفن، فهو المنهج الرائج والأصيل في نقد وتقويم الآثار الأدبية. كما أن الآراء والإنطباعات تقدم في شؤون الأدب والحياة جميعا. من قبيل يعجبني ولا يعجبني، بدءا من النقد الكوميدي الساخر عند الجاحظ وآرائه في الناس والحياة.. مرورا بشعر النقائض عند الفرزدق وجرير حيث يقول:
فلما وضعت على الفرزدق ميسمي
وضع البعيث جدعت أنف الأخطل
إلى النقد اللاذع عند بعض الشعراء والظرفاء عبر الزمن. من قبيل : الشاعرة عائشة العمارية التي هجت رجلا جاء يخطبها تقول :
أعذيري من عاشق أصلع
قبيح الإشارة و المنزع
برأس حويج إلى صفعة
ووجه حويج إلى برقع
كما انتقد أحدهم الحكام المفسدين قائلا:
أفسوة الكلب جاء يحكمنا
فكيف لو كانت ضرطة الأسد
-ابن رشيق-
وصولا إلى النقد التنطباعي الساخر وغير الساخر عند طه حسين والعقاد، المازني والرافعي، والأديب عبد العزيز البشرى، حيث هجا أحدهما أو كلاهما الآخر، كما هجا ونقد بعضهم بعضا، نفدا أدبيا، نثريا أوشعريا.
إلى علي الدوعاجي، وعبد العزيز العروي، وتقنية السخرية الهزلية لدى أدب أقدم حاكم، ملك ملوك إفريقيا، ورئيس الإتحاد الإفريقي في قصصه ''القرية القرية'' ''الأرض الأرض'' و''انتحار رائد الفضاء''.
فإن دلت تلك الخصومات المحتدمة على صفحات الجرائد والمجلات بين طه حسين والرافعي حول قضية الجديد والقديم على حرارة ونجاعة الفعل النقدي آنذاك، فقد دلت أيضا على الخصام والنقد، والنقد والإصلاح. وقد دون هذا الزخم الأدبي بين هؤلاء جميعا في كتب ومدونات، كحديث الأربعاء، خواطر.. وكتاب الديوان، وكتاب على السفود للرافعي. حيث كوى به ديوان العقاد - وحي الأربعين - كيا. ولقد شكل الثلاثي الخطير عباس العقاد والمازني وشكري الشاعر.. مدرسة في النقد والأدب تعد مرجعا كون وجدان الأدب النهضوي الحديث. وإن شاب تلك المساجلات ما شابها من التوتر المشحون بالرعونة حد الإسفاف والإبتذال، فإنها كذلك لا تخلو من النقد والفن و التجديد .
وإن كان النقد عند العقاد فكري عميق فإنه عند الرافعي لغوي أسلوبي حاد، وإن كان عند طه حسين مدرسي تعليمي، فهو عند المازني تهكمي ساخر، وهكذا..
ثم جاءت بعد ذلك موجات نقدية أخرى منها جماعة "أبولو" ذات النزعة التجديدية في والرؤية الرومانسية الوجدانية مع الخيال الجامح. من أقطابها د/ زكي أبو شادي شاعرا د/ مختار الوكيل ناقدا، الإذاعي الطاهر أبو فاشا كاتبا ومذيعا، والأديب الناقد سيد قطب، والناقد المرموق أنور المعداوي.. حيث تخرج سيد قطب من مدرسة دار العلوم ولم يكن أكاديميا، بل ناقدا أدبيا. خاض غمار الأدب والصحافة والنقد بكل جسارة ووعي شهد له بها الخصوم والأصدقاء معا.
هو من عرف القارئين بأدب نجيب محفوظ في بداياته، وهو من قدم للناس مسرحيات أحمد علي باكتير، وأعمال صديقه توفيق الحكيم، أهل الكهف، والملك أوديب.. كما ينسب إليه المنهج التكاملي في النقد الأدبي، وهو مزيج من الانطباع والتحليل النفسي. ألف كتابه النقد الأدبي مناهج و أصول. ثم و لأمر ما تحول جذريا من الفكر النقدي، إلى الفكر السياسي والديني.
أما النقد اليساري فقد مثله الدكتور محمد منذور في كتابه "الميزان الجديد'' لكنه مشروع نقدي لم يكتمل.
إن اشتغال الجامعيين والأكاديميين بالتنظير النقدي والدراسات النقدية المتخصصة، لم يمنعهم من الإشتغال بالكتابات النقدية الصحفية والإنطباعية بالجرائد والمجلات، كالدكتور صلاح فضل، والناقد عبد القادر القط، وجابر عصفور، وصاحب الباع الطويل في هذا المجال زكي نجيب محمود.
أما النقد الأكاديمي فهو نقد علمي محض محصور في الكليات والمعاهد، ومقصور على المناهج والأبحاث العلمية المتخصصة. إن التجارب النقدية والأدبية التجريبية ليست بدعا من النقد، بل هي عمليات تسعى لرصد وتقويم الحركات الأدبية الراهنة و المتصاعدة ،من قبيل: قراءة في كتاب أو قراءتان، أو ثلاث قراءات في كتاب. إن الورشة الأدبية المشار إليها من طرف صديقنا محمد رابحي تنحو هذا المنحى، ورشة ثلاثية الأبعاد والرؤى والمواقف شكلها هو، ومنير مزليني وعبد القادر بن جدو، ثم لحق بهم آخرون.. النادي والبادي ومعهم زرزور.. نقار الزهواني، القرد النجار، والفأر الخياط..غطت العملية بعض النماذج الأدبية المعاصرة شعرا ونثرا لإسماع الصوت النقدي الجديد ، لكنها لم تقوم وتدعم بحكم الوضع الأدبي المزري، والمصاب بداء التجاهل والتآمر..
فيا أيها النقاد هذا عهدكم ، فاسعوا لكسب النقد سعيا عظاما، فأنتم الآن في زمن النقد والنقض المضاد.. فأنقذوا - الذل - الأدب لكيلا يظل عائما غارقا في بحر لجي متلاطم الأمواج.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.