عام الحبل : حين تمنعت قسنطينة ورمت بقبائلها إلى المغارة احتضن ركح المسرح الجهوي بسكيكدة مساء السبت العرض الأول لمسرحية عام الحبل في عمل متداخل المشاهد متعاقب المحطات ربط بين الماضي والحاضر والتراث والحداثة وتدافعت فيه الحقيقة بالأسطورة والواقع بالخيال وتناطح في حلبته الجمود بالتحرر والتمرد بالقمع وتشابكت فيه أصوات الأوراد والابتهالات الصوفية ورقصاتها تحت مقام الولي الصالح سيدي عاشور بأصوات البؤساء الذين يتضورون جوعا ويستصرخون السلطة الحاكمة ألما وأملا . قافلة سيدي عاشور: بين مؤامرات القصر وأماني قبائل الحدرة المسرحية التي أخرجها جمال مرير واقتبسها رفقة سليم سوها لي عن رواية (عام الحبل ) للكاتب مصطفى نطور وجسدها 12 ممثلا، تعود ملحمتها التراجيدية زمنيا إلى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي إبان الحكم التركي لعمالة قسنطينة حين حل بالناس عام الفاقة والمجاعة نتيجة الجائحة التي ضربت المنتوج الزراعي والقحط والجفاف الذي مس النبات والحيوان وظروف الفقر والأمراض ونقص المؤونة الأمر الذي دفع القبائل للتداعي للتشاور في مصير البلاد والعباد وتحت قبة ضريح سيدي عاشور وبعد جلسة روحية للحضرة الصوفية اتفقت جموع قبائل ( الحدرة ) على توجيه قافلة ينوب فيها عن كل قبيلة شيخ بحصانه إلى باي قسنطينة عاصمة البايلك لتستجديه وتنقل له معاناة السكان وصرخاتهم وما حل بالناس من الفاقة والمجاعة . القافلة التي انطلقت من سيدي عاشور ما إن شارفت على قسنطينة حتى أبهرها عمران المدينة وسحرتها صخورها وحصونها بمدينة منطلقة في السماء فوق جبل صخري شاهق لم يبن مثلها في عهدها حسب مدونات الرحالة والجغرافيين فتوقفوا برهة يبكون حظهم في الحياة ويتحسرون على الحياة التي يعيشونها في الريف المحروم أهله من كل معالم التحضر والتمدن والرفاه زاده بؤسا واقعهم الذي دفعهم للخروج في هذه الوفادة التاريخية مستصرخين ومستغيثين قبل الهلاك فالبون شاسع بين البدو والحضر والمدينة والريف . وفور وصولهم شرعوا يطرقون الأبواب الموصدة متطلعين لمقابلة الباي الذي يحكمهم باسم الدين والخلافة ومسؤول بشكل مباشر عن توفير حاجياتهم وزادتهم سذاجة البداوة وبراءة الريف تصديقا لهذه المبادئ والقيم . وفي غمرة الترقب والانتظار وأماني النفس بلغت طرقات أحصنتهم ودوي شيوخهم أروقة القصر فسارع بعض المتنفذين فيه لإجهاض هذه المسيرة فحيكت ضدهم مؤامرة وضعت بمعية حاكم تركي ومستشاره ياكوف (اليهودي) أفضت إلى تقييدهم في حبال طويلة ورميهم في الأعماق السحيقة لمغارات المدينة تحسبا لإعادتهم من جديد على أعقابهم بخفي حنين . هذه النهاية المأساوية للقافلة لم تبلغ أنباؤها مسامع عامة قبائل الحدرة المترقبين لعودتهم محملين بالزاد والمؤونة – وبسبب طول الانتظار – بدأوا ينسجون حول مصير موفديهم سيناريوهات كثيرة من وحي الخيال بين متفائل ومتشائم ففيما أداع البعض أنهم دخلوا على الباي بحالهم الرث وأسنانهم المسوسة فتأثر لحالهم وبكى حتى احمرت عيناه من الدموع قال آخر بل إن الباي استقبلهم وافرش لهم الزرابي وجمعهم على مائدة طعام فاخرة وتمتعوا بالرقص والغناء بينما قال أكثرهم تفاؤلا إن الباي جهز قافلتهم بالزاد والمؤونة وحمل كل الاحمرة والأحصنة المرافقة بأحمال ثقيلة من كل الحاجيات والمستلزمات في حين قال أخرهم إن أفراد القافلة طاب لهم المقام هناك واستلذوا العيش والرفاهة فقرروا الاستقرار نهائيا وتناسوا أرضهم وديارهم وأهلهم . القوال : استحضر عام الفاقة فاعدم بحبله رفقة حرفته المخرج وعلى خلاف ماكان منتظرا لم يضع المشاهد مباشرة وجها لوجه أمام القصة ومأساتها بل استعمل القوال وسيطا فتحولت المسرحية إلى حكاية عن حكاية ورواية عن رواية وقد برر المخرج في حديث هامشي معه ذلك باستعماله للمسرح التجريبي وتوظيفه للتراث الجزائري وإقحامه للحضرة الصوفية في هكذا مشاهد . القوال الذي بدأ أحدوثته بابتهال مؤثر وازته موسيقى حزينة عندما غنى (يالجنة الخضراء..يا سيدي فرحني..) وتفاعلا مع ابتهاله من قبل مستمعيه بالصلاة على النبي تمكن رفقة مرتادي مجلسه القصصي على مدى ساعة من الزمن من نقل حكاية عام الحبل وشد الأسماع إلى محطاتها وماساتها وتمثيل بعض مشاهدها وفي ثنايا سرده القصصي عرض صورا عن تلك الحقبة التاريخية بايجابياتها وسلبياتها بآمالها وآلامها على غرار ثورة بلحرش ومظاهر جشع القصر ومؤامراته ومساومات المتنفذين في أروقته وحرص باياته على تحصيل الضرائب وجباية المكوس وعلاقة السكان وقتئذ بالسلطة المركزية . القوال (بوقره) الذي يتنقل بقصصه وأحاديثه المشوقة بين مجالس الصوفية حيث الرقص والابتهال على أنغام المديح وأصوات الدف إلى مجالس المقاهي العمومية التي يرتادها الصيادون ليستريحوا من يوم صاخب بالصيد البري أو ترقبا لليلة صيد بحري حيث جهاز التلفزيون ولعبة الدومينو ولغط العامة وظف في سردياته الأمثال الشعبية والحكم التاريخية كقوله ( البرد يعلم الخياطة والفقر يعلم السقاطة ) و( كي تصرف ما تفرغ السرة وكي تشكي ما تشكي إلا لولد الحرة ) وغيرها من الأمثال ورغم كثرة تعداد من استقطبهم ووقوفهم إلى جانبه لم ينج هو الأخر من ربقة القمع والبطش من قبل حكام العوج في زمانه حيث اتهم من طرف إمام البلدة بتضليل الناس وإفساد دينهم ودنياهم بهذه الأقاصيص التي تلهيهم عن ذكر الله وتدمنهم على الدومينو ومشاهدة العري عبر جهاز التلفاز. وفي معرض الدفاع عن نفسه تتجلى بعض مظاهر الجمود و الفهم القاصر للدين وبجانبها تتجلى صورة المرأة في مجتمع القبيلة والبلدة الريفية في الزمن القريب أين تحتقرها الأعراف وتحملها أوزارا لاقبل لها باه ولا مسؤولية لها عنها. القوال هذا العابر للتاريخ وأحداثه وأساطيره همزة الوصل بين الماضي والحاضر تتواطأ عليه في محطة تاريخية السلطة الزمنية السياسية (حكام العوج) والسلطة الدينية ويحكما عليه بالإعدام أين يقتل بطريقة تراجيدية حيث قيدت رجلاه لحصانين انطلقا في اتجاهين معاكسين لتسكن شوارع المدينة ويموت القوال ويبقى كلامه يمخر البحور ويهب على الزمان من ضريح سيدي عاشور هكذا أراد جلساؤه تأبينه . لكن نهاية القوال أنهت تاريخيا حرفة القوالة بمنطقة الشمال القسنطيني فلم يعد المداح والقوالين مند السبعينيات يجوبون الأسواق الأسبوعية ليحلق حولهم السوقة والفضوليون بالقل وتمالوس وأم الطوب وزيغود يوسف والخروب وغيرها من أشهر الأسواق الوطنية وقتذاك. السينما أقدر على لم شتات الرواية وإبراز ملحمتها العرض المسرحي الذي يحبذ مخرجه تسميته بالعمل المسرحي فقط لم يرتق – من وجهة نظرنا – بمستوى مشاعر المشاهد لملامسة تراجيديا الرواية وتمفصلاتها التاريخية لاسيما عندما عمد الى استعمال الوسيط (القوال) ولم يتجشم عناء التمثيل المباشر لأشخاصها وشخوصها لكن هذا لا ينفي نجاحه في معايشة بعض تجلياتها والقبض على أطراف وخيوط من نسيجها وإعادة قراءتها بشكل أجمل وأكثر وضوحا وجلاء أمام المشاهد وكان له فضل السبق في التنبيه إلى أهميتها ولفت الأنظار إلى ثرائها وتشبعها بعمق التراث الجزائري وعبق التقاليد وقدرته على إقحام الأدبيات الصوفية التي ظلت حاضرة في يوميات الجزائريين مند قرون وانتقاله السلس من الحاضر إلى الماضي وعبوره السريع في الاتجاه المعاكس. إن الرواية بصمتها نصا سرديا ومأساة تاريخية ما تزال اشد إثارة وأعمق تأثيرا وأطغى مشهدا وأجلى حضورا وأقوى انفعالا وتفاعلا عند قارئها منه عند مشاهده التمثل المسرحي لها وهذا ما يبقيها مادة خام لأي عمل فني مستقبلا وان كان نصها أقرب إلى السينما منه إلى المسرح والتلفزيون إذ يمكن لأي مخرج حاذق أن يجعل منها ملحمة حقيقية للبؤساء ومعاناة الجزائريين في هذه الحقبة التاريخية من استبداد وإهمال السلطة المركزية وسياسة القمع وإشكال التجهيل والتفقير والاستغلال الذي طالهم فوق أرضهم لعقود وقرون بالتوازي مع الثورات والتمردات القريبة منها . ع/ خلفة