لا تزال مكاتب الفتوى المنصبة على مستوى مساجد ولاية البليدة، تستقبل العديد من المكالمات الهاتفية من مختلف شرائح المجتمع، للاستفسار حول جملة من القضايا المتعلقة بصحة الصيام والإفطار، وكيفية القضاء والفدية، خاصة مع التغيرات التكنولوجية المتسارعة، لاسيما في المجال الطبي العلاجي، والتي أوقعت البعض في حالة ارتباك، بشأن مدى تأثيرها على صحة الصيام من عدمه، وكيفية التعامل معها شرعًا. كانت في ما مضى، الأسئلة التي عادة ما تُطرح خلال شهر رمضان، تتمحور حول ارتكاب بعض الأخطاء الشائعة، على غرار الأكل أو الشرب سهوا، وتذوق الطعام، إلى جانب بعض القضايا المرتبطة بالنساء، خاصة كيفية حساب الأيام الواجب إعادة قضائها، فضلًا عن أخطاء أخرى يقع فيها الصائمون. كما كانت تُطرح أسئلة أخرى مرتبطة بالزكاة، لاسيما مواعيد إخراجها وكيفية ضبطها، غير أن نوعية الأسئلة في السنوات الأخيرة، تغيرت واختلفت بشكل ملحوظ. وفي هذا السياق، أوضح الإمام عبد الرزاق أبزيز، مفتي البليدة، أن طبيعة الأسئلة المطروحة خلال شهر رمضان، عرفت تغيرا ملحوظا، مقارنة بالسنوات الماضية. فبعدما كانت تنحصر سابقًا في بعض الأخطاء الشائعة، كالأكل أو الشرب سهوا، وتذوق الطعام، إضافة إلى قضايا خاصة بالنساء، أصبحت في السنوات الأخيرة أكثر ارتباطًا بالمستجدات الطبية والعلاجية المعاصرة، مشيرا في حديثه ل"المساء"، إلى أن "مكاتب الفتوى على مستوى الولاية، شرعت في استقبال المكالمات المتعلقة بفقه الصيام منذ بداية شهر شعبان، في إطار نشاط استباقي شهدته مختلف المساجد، تم خلاله شرح كل ما يخص فقه الصيام، مع التطرق إلى المسائل العويصة التي غالبًا ما تُطرح". وأضاف أن "الهاتف لا يتوقف عن الرنين طيلة اليوم"، مردفا أن "المديرية سبق لها نشر جميع الأرقام الهاتفية المخصصة لاستقبال استفسارات المواطنين، حول كل ما يتعلق بالصيام والعبادة في شهر رمضان". وحول نوعية الأسئلة التي تشغل الصائمين، أشار المفتي عبد الرزاق، إلى أن المكتب يتلقى أحيانًا استفسارات سبق وأن تم الإجابة عنها في أكثر من مناسبة، غير أن أصحابها يرغبون في التأكد مجددًا، إلى جانب أسئلة أخرى تتعلق بالمستجدات الطبية، على غرار استخدام المنظار الطبي، والمنظار الرحمي، والمنظار الشرجي، واستعمال بخاخات الربو، وغيرها من التقنيات الحديثة التي يُجرى بها العلاج اليوم، والتي يشتبه بعض المرضى في تأثيرها على صحة صيامهم. أكد المفتي، أن هذا الإقبال على طلب الفتوى، يعكس مدى اهتمام الصائم بأمور دينه، ووعيه الكبير بضرورة أداء عبادته على الوجه الصحيح، مشيرا إلى أن عدد المكالمات اليومية يتراوح بين 30 و40 مكالمة، واردة من مختلف الفئات العمرية، ومن شتى بلديات الولاية. وبخصوص ما إذا كان طلب الفتوى من النساء أكثر من الرجال، أوضح المفتي عبد الرزاق، أنه لا يُسجَّل تفاوت كبير بين الجنسين، غير أن أغلب الأسئلة ترد من المرضى، لاسيما المصابين بالأمراض المزمنة أو الذين تعرضوا لحالات استثنائية، ما يسبب لهم ارتباكًا في كيفية الفدية أو القضاء. تليها أسئلة النساء، خاصة ما تعلق بالحيض والحمل والنفاس والرضاعة، ثم الأسئلة الخاصة بالرجال. وفي هذا الإطار، أكد أن مديرية الشؤون الدينية لولاية البليدة، نصبت مفتين من الرجال والنساء، حيث تم تنصيب مرشدة دينية رئيسية ومفتشة، نظرا لتحرج بعض النساء من طرح أسئلتهن على الرجال، خاصة في المسائل الخاصة، لتتولى المرشدة التكفل بالإجابة عن هذه الانشغالات. وختم المفتي عبد الرزاق، بالتأكيد على أن الهدف من الفتوى، هو تمكين الصائم من أداء عبادته على الوجه الصحيح، وإزالة كل الشكوك التي قد تعتريه، داعيًا الصائمين إلى الالتفاف حول علماء بلدهم، تحقيقًا للوحدة المذهبية، في إشارة إلى ضرورة عدم الاعتماد على فتاوى مشايخ من خارج الوطن. كما شدد على أن وزارة الشؤون الدينية نصبت في كل ولاية مفتيًا، إلى جانب مجلس علمي يفصل في المسائل الخلافية، بما يكرس الوحدة المذهبية ويقطع الطريق أمام الفتنة في شؤون الدين، مؤكدًا أن الجزائر تزخر بأئمة متمكنين، قادرين على معالجة القضايا الفقهية التقليدية والمعاصرة، ومستعدين للإجابة عن كل ما يستعصي على الصائم من أسئلة شائعة أو حديثة.