كشفت الأحداث المتسارعة في المالي مدى خطورة الوضع المتأزم هناك في ظل الانزلاقات الأمنية والسياسية، وبروز مؤشرات الانقسام في هذا البلد المحوري في منطقة الساحل وأحد أعمدتها الصلبة، ومعطي توازن المعادلة الجيواستراتيجية المهتزة.. فقد أدى الانقلاب العسكري من قبل، وما تبعه من تدابير طارئة، وانفجار الأزمة في جهة الشمال إلى أشياء خطيرة تستدعي التحرك العاجل لاحتوائها قبل فوات الأوان. وعادت الأخطار المحدقة بالمنطقة المجاورة ومنها دول الساحل قاطبة في أبعد مداها واتساعها عادت الأخطار التي حذرت من وقوعها الجزائر في فترات متعاقبة ونبهت منها قبل الوضع في ليبيا وبعده، داعية بملء الفم إلى سياسة مشتركة لدول الميدان، تعالج الأزمة من جذورها ولا تتركها تولد تداعيات وتكاثر بؤر التوتر، وهي سياسة تعني أول ما تعني علاج بوادر الأزمة والاضطرابات من الأسس والجذور دون الاكتفاء بالطرح الأمني المحدود. وتتدخل بعدها القوى الخارجية كآليات مساعدة وتزويد الأطراف بالتكنولوجيا والمعلومات دون التوصل إلى درجة الدخول الميداني، وإدارة الأزمات والاضطرابات المكلفة بها دول المنطقة أولا وأبدا.. ومع مرور الوقت، أدركت الدول التي لم تأخذ في الحسبان تحذيرات الجزائر لم تعمل ما في وسعها من أجل تفهم موقفها، والمرور إلى تطبيق الأفكار والمبادرات.. مع مرور الوقت أدركت الدول التي لم تتحمس بالقدر الكافي الشافي لرسالة الجزائر المعبر عنها في مختلف القمم ومنها منتدى محاربة الارهاب بنيويورك، وقبله ندوة الجزائر. إن الأخطار المحدقة بمنطقة الساحل حقيقة قائمة وليس مجرد كلام عابر للاستهلاك، يخضع لحسابات غير دقيقة. باتت الاضطرابات بمالي ومنها الساحل خطرا لابد من أخذه مأخذ جد وتجاوز مرحلة التحذير الكلامي إلى العمل الميداني، وتجسيد السياسة الأمنية المشتركة لسد فجوات فتحت، واختلالات تعبر منها الجماعات الارهابية، وتحاول فرض منطقها، خاصة أمام ضعف الوحدات السياسية. وترجم هذا الكلام على أحسن حال، ممثل الجزائر في اجتماع دول الميدان بنواقشوط، داعيا إلى الخروج من الكلامات العابرة إلى التجسيد العملي لمبادرة دوي المنطقة الساحلية. أكد هذا الطرح مساهل الوزير المكلف بالشؤون المغاربية والافريقية معيدا الجميع إلى احترام المبدأ المقدس الذي اعتمده ميثاق الاتحاد الإفريقي وكرّسه في بنوده الميثاق الأممي، ويخص احترام النظم الدستورية ورفض التعامل مع أي نظام وصل قادته إلى الحكم عبر الانقلاب العسكري ورفض كذلك التعامل مع الأمرالواقع، لأي جهة تخترق طولا وعرضا الدساتير مرجعية النظام السياسي وآليات الحكم والسلطات. أخيرا رفض أي تغيير يطرأ على أية جغرافيا سياسية، واعتماد مبدأ قدسية الحدود الموروثة على الحقبة الاستعمارية.. وهذه المبادئ المقدسة التي دافعت عنها الجزائر كانت ضمن توصيات قمة منظمة الوحدة الافريقية بالجزائر سنة 2003 ، التي وصفت بقمة الاصلاحات والتي انبثق عنها الإتحاد الافريقي فيما بعد. على هذا الدرب سار ولد قابلية وزير الداخلية في التأكيد الصّريح على موقف الجزائر تجاه ما يعرفه المالي وغيره. وأكد أن الجزائر تعمل ما في المقدرة من أجل مواجهة تداعيات الوضع الخطير، بتطبيق السياسة المشتركة المرتسمة المعالم. وهي سياسة تتحدث عن آليات لمواجهة الخطر الارهابي على الخط الناري الممتد من ليبيا إلى موريتانيا مرورا بالمالي والنيجر. ودون هذه الإرادة السياسية لن تفلح التدابير الوقائية الأخرى، وتبقى فجوات مفتوحة للجماعات الإرهابية المتخذة قنوات عدة من تجارة الأسلحة والمخدرات إلى الجريمة المنظمة العابرة للأوطان والحدود.