شقيقتي "كريمة" وصية أبي الأخيرة ونصحني بعدم التقليد تمر اليوم سنتان على رحيل شيخ المالوف وأحد أعمدة الموسيقى في الجزائر والعالم العربي، الملاك الأبيض، الفنان حمدي بناني الذي ما تزال ذكراه راسخة في قلوب الجزائريين ممن أحبوه وعشقوا صوته الشّجي، أناقته المميزة، وقفته الشامخة وأغانيه الرائعة التي ما زالت تصدح عاليا في مختلف البيوت والأعراس الجزائرية.. فنان رحل عن الساحة الفنية بجسده، لكنه باق فيها بإرثه الخالد.. فنان لم يكن ليقدم لجمهوره أغنية فقط، بل كان يصنع التميز والفرجة وسط حضور غفير كان لا يفوت فرصة حضور حفلاته الفنية. سفير أغنية المالوف والأندلسي، بالرغم من مرور سنتين على رحليه، إلا أن سيرته ومسيرته الفنية العريقة ما تزال على لسان الصغير قبل الكبير، خاصة ب«بونة" التي يعتبر رمزا من رموزها الشامخة، فإن تحدثت عن فناني عنابة، فإن حمدي بناني سيكون أول المذكورين، فهو مفخرة بونة الذي أوصل الفن الجزائري الأصيل إلى العالمية، ليصبح سفير أغنية المالوف العصري خارج الوطن، بعد أن أدخل الآلات العصرية على نغمة المالوف، خاصة وهو يعيد أغاني الفنان الكبير محمد الكرد "عيون الحبارة" و«جاني ما جاني". حين يتحدّث الابن.. في الذكرى الثانية لوفاة الفنان الشامخ حمدي بناني، أردنا أن تكون الكلمة ل«كمال"، الابن، الرفيق والصديق لوالده، الذي كان رفيقه الدائم لا سيما في مختلف حفلاته، ليكون هذا الأب بمثابة السند لابنه في حياته ومماته، وهو الذي ترك له نصائح يتقيد بها طيلة مسيرته الفنية وحياته العامة أيضا. كمال بناني يفتح قلبه ل«الشعب" في هذا اللقاء، وبنبرة يملأها الحزن أحيانا والمفخرة والعزة أحيانا أخرى بإنجازات والده، يتحدث عن ميزات حمدي بناني الأب، الفنان والصديق.. عن الأثر الذي تركه لديه رحيل والده، واللحظات الأخيرة في حياة عملاق المالوف. يقول كمال إن والده رحل جسديا عن هذا العالم، إلا أنه بالنسبة له ما يزال حيا في قلبه ووجدانه، مشيرا إلى أن تاريخ وفاته سيبقى راسخا في ذاكرته ما دام على قيد الحياة، على اعتبار أنه "يوم فراق لأكثر إنسان أحبه في هذه الدنيا"، وأضاف بأن رحيل والده ترك لديه فراغا كبيرا، حيث كان يرى نفسه بوجوده طفلا صغيرا وبرحيله كبر ب30 سنة أخرى وفي يوم واحد، قائلا: "رأيت المسؤولية أمامي فجأة، فالشخص الذي كان يحيطنا برعايته وحنانه واهتمامه يرحل دون سابق إنذار، وهو ما أثر في نفسيتي كابن يفارق أباه، أما كفنان فقد خسرت مدرسة كبيرة، خسرت أستاذا وأكثر من ذلك". الملاك الأبيض في الذاكرة يقول الفنان كمال بناني بأن الملاك الأبيض الجزائري اسمه ترسخ في التاريخ، على غرار امحمد العنقى، اعمر الزاهي، محمد الطاهر الفرقاني، رابح درياسة، الهاشمي قروابي وغيرهم.. مؤكدا بأن تاريخ وشهرة واسم حمدي بناني لن يزول وسيبقى في ذاكرة الجزائريين، فهو الفنان الذي شرف الفن الجزائري في بلدان عالمية، اسم من المستحيل أن يزول يقول المتحدث فأقاربه وأصدقاءه ومحبيه إلى يومنا هذا يتذكرونه ويبكون رحيله. وعن ميزات وصفات حمدي بناني أولا كأب مع أسرته الصغيرة وثانيا مع عائلته الكبيرة ثم مع أصدقائه والمقربين إليه، وما الذي كان يميزه أيضا كفنان، قال كمال بناني بأن والده كان شخصية حنونة تهتم بكل كبيرة وصغيرة في البيت، كان أبا مسؤولا بمعنى الكلمة على عائلته الصغيرة، كما لا يفوت فرصة السؤال على أحبابه والوقوف إلى جانبهم إذا ما تطلب الأمر ذلك، مضيفا بأنه كان إنسانا ذو عشرة طيبة يحب من أعماق قلبه، فقد كان يقصده الجميع من عائلته وأقربائه لمشاورته في كل كبيرة وصغيرة، أو بمعنى كان يتفقد أحوال الناس سواء من قريب أو من بعيد. أما ما كان يميزه كفنان قال: "إنه لم يكن يمثل هذا الدور، بل كان فنانا بأتم معنى الكلمة في كل الميادين في الغناء في الأداء في حديثه في لباسه، حيث كان أنيقا ومتألقا، حتى وهو في المنزل، وخصوصا أيام الحجر الصحي، حيث يعرف عنه اعتنائه بنفسه كثيرا، فمن يراه عبر شاشة التلفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعي فهو نفسه حمدي بناني في حياته اليومية". نصيحة الأب لابنه وعن البدلة البيضاء وكمنجة الفنان الراحل وإن كان كمال بناني سيسير على خطى والده، أكد أنه لا يمكنه أن يقلد شخصية والده التي تميز بها بحيث تبقى البدلة البيضاء والآلة الموسيقية مرتبطة بالفنان حمدي بناني، الذي أطلق عليه اسم الملاك الأبيض في مهرجان في كوريا بحضور 62 دولة حيث فاز بجائزة الامتياز، و«لذلك لا يمكنني أن أحمل اسما ليس لي ولا أستطيع أن أتغطى بظل والدي، حتى وإن كان قدوتي"، وأضاف بأن والده كان يقول له دائما "كن أنت ولا تكن لا مثلي ولا مثل غيري، عليك أن تسير بشخصيتك أنت كما تريد أنت، اعزف بإحساسك أنت ولا تقلد غيرك، فقد كانت هذه الكلمات أكثر نصائحه لي، لن تكون أنت كمال إن قمت بتقليد غيرك". وواصل حديثه بأن والده كان يقدم له نصائح تخص حياته العامة أيضا وليس الفنية فقط، قائلا "خلال مسيرته الفنية سافر والدي وعايش العديد من الشخصيات، حيث كان يريد أن يوصل لي رسالة وهي أن أسابق الزمن لأتعلم ما لم يتعلمه هو، قدم لي العديد من النصائح التي جعلتني أربح الوقت وأتعلم الكثير في حياتي". كما أكد أن والده كان يقدم له النصائح قبل الحفل وأثناءه وبعده، حيث كان يقف على الطبقات التي تناسب صوته وأداءه مع ذكر الأسباب، مشيرا إلى أنه إلى يومنا هذا ما يزال يتقيد بنصائحه التي استلهمها منه، وأكثر نصيحة بقيت راسخة في ذهنه هي "عدم تقليد الغير". لن أكمل مسيرة والدي وفي سؤالنا عما إذا كان سيكمل مسيرة والده حتى يبقى في ذاكرة الجزائريين، أكد نجل الفقيد أنه لن يكمل مسيرة والده، على اعتبار أن الفنان الراحل رسّخ لمسيرته الفنية وأكملها إلى آخر رمق في حياته، قائلا "أنا اليوم أسطر لمسيرتي الفنية، فأنا أحمل لقب بناني، ووالدي كان يقول لي دائما أنت تملك اللقب وعليك أن تعمل على ترسيخ اسمك "كمال"، حتى لا يقال ابن حمدي بناني بل كمال بناني، وهو ما كان يحرص عليه كثيرا، والدي سيبقى في ذاكرة الجزائريين ومحبيه وكل من عرفه، فوالدي دخل التاريخ". يا باهي الجمال «يا باهي الجمال"، هي الأغنية الأقرب إلى قلب الفنان الراحل حمدي بناني حسب نجله حيث كانت بداية انطلاقته الفنية سنة 1963 أمام جمهور غفير بمسرح عز الدين مجوبي بلغ 1400 متفرج، ومن هناك اشتهر وسط الجمهور الجزائري، حيث قبل هذه السنة كان يغني في الأعراس والجلسات العائلية فقط، يقول كمال والذي بدوره أحب هذه الأغنية من خلال والده، مضيفا في سياق حديثه أنه أحب أيضا أغنية "بالله يا حمامي"، والتي ذاع صيتها بفضل حمدي بناني، حيث كانت تؤدى بطابع آخر، وفي ذلك الوقت يقول كنت صغيرا في عمر 08 سنوات ولم أكن أحب المالوف، لكن سلبتني هذه الأغنية وجذبتني إلى الطابع الاندلسي، وإلى يومنا هذا أؤدي هذين الطابعين. اللحظات الأخيرة في حياة حمدي يقول كمال بناني إن والده لم يكن يرغب في البداية في الذهاب إلى المستشفى، حيث قضى أيامه الأخيرة في المنزل، كونه كان يرفض أن يعلم جمهوره بمرضه سوى المقربين منه، مراعاة لأصدقائه وأحبابه، حيث أنه كان على دراية برد فعل جمهوره، وهو ما حصل يضيف المتحدث حين تم نقله إلى المستشفى والإقبال الكبير لمحبيه والذين كانوا يودون رؤيته والاطمئنان على صحته، حتى أن هناك من تشاجر مع الأطباء بسبب منعهم من دخول غرفته. وآخر وصية للفنان الراحل حمدي بناني يقول ابنه "والدي وهو في طريقه إلى المستشفى كان يوصينا بالاعتناء والاهتمام بشقيقتي كريمة، التي ولدت بإعاقة حركية شفاها الله حيث كان يحبها كثيرا". مع العلم أكد كمال بناني على تنظيم تذكارية تخليدا لروح أيقونة المالوف حمدي بناني، وذلك يوم 05 أكتوبر المقبل، حيث أراد ان تكون التذكارية مخالفة ليوم رحيله، وحتى لا يكون هذا التاريخ يوم للاحتفاء بوفاته. مسيرة حافلة بالجوائز والتكريمات بناني محمد الشريف وهو اسمه الحقيقي غنى للرؤساء والأمراء في كل بقاع العالم، ترك رصيدا فنيا زاخرا، يشمل العديد من الاسطوانات والأشرطة في طابع المالوف الكلاسيكي والمالوف العصري، كما له بعض الأغاني باللغة الفرنسية أخرها شريط "السلام". توّج طيلة مسيرته الفنية بالعديد من الجوائز والتكريمات أكبرها وسام الاستحقاق الوطني، وآخرها تكريم وزيرة الثقافة والفنون، بعنابة، يوم الثلاثاء 25 أوت 2020، بعدها مباشرة أدخل مستشفى ابن سيناءبعنابة ليدخل في غيبوبة إلى أن وافته المنية، يوم الاثنين 21 سبتمبر 2020. حمدي بناني من مواليد عنابة في 1 جانفي 1943، من عائلة فنية، بدأ مشواره الفني أواخر الخمسينيات، شارك في مسابقة فنية راديو كروشي ( radio crochet) عام 1956، حيث تحصل على الجائزة الأولى بداية الستينيات، متأثرا بالفنان الكبير محمد الكرد الذي كان في فرقته الفنان (محمد بناني) عازف آلة الكمان وآلة الجوق أحيانا وهو عم حمدي بناني. بدأ بالمالوف الكلاسيكي رفقة الفنان حسان العنابي والشيخ محمد بوحارة، مع بداية السبعينيات سطع نجمه حين أعاد أغاني الفنان محمد الكرد "عيون الحبارة" و«جاني ما جاني" بتعديلات موسيقية جديدة وإدخال آلات عصرية على نغمة المالوف، وهو النجاح الذي جعله يختار طريق عصرنة المالوف ليخرجه من المحلية إلى العالمية.