التّجربة الإنسانية أكّدت وما زالت أنّهم متميّزون ومتفرّدون الصحة النفسية والاهتمام بها كحاجة أساسية، هو الأمر الذي يجهله الكثيرون ممن يحتكون بالأشخاص ذوي الإعاقة، وهذا له تبعاته السلبية الكبيرة على المجتمع من جهة، وعلى حياة الأشخاص من ذوي الإعاقة وأسرهم من جهة أخرى؛ إذ إن إهمال هذه النقطة المهمة والتغاضي عن أهميتها في تغيير واقع الإعاقة نحو الأفضل، وإعطائهم المساحة الكافية ليندمجوا ويعيشوا حياة كريمة يزيد حتما من الصعوبات، كما يؤثّر سلبا على تقبل هذه الفئة في الحياة الاجتماعية والعملية وحتى السياسية؛ حيث يظل الأشخاص من ذوي الإعاقة أسرى للنمطية والحرمان من أبسط الحقوق، خاصة إذا كانوا يعيشون في محيط أسري يرى أنّ الإعاقة عبء ثقيل، وبالتالي يرفضون تقبل الحقيقة. هذا كله يؤدي حتما إلى إهمال الابن من ذوي الإعاقة، وإبقائه في العتمة، غير أن ذلك سيحبطه وسيدخله في دوامة من الصراعات النفسية التي قد تحوله غالبا إلى شخص إما عدواني أو يخاف من كل شيء، يفتقد الثقة والشجاعة، شخص انطوائي يفضّل الاستسلام لقلة الوعي والتقصير على أن يتحدى ويبرز ما لديه من إمكانات. ويبين المختصّون أنّ الصحة النفسية للأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم أولوية، ومن أهم الاحتياجات التي ترفع من مستوى تقديرهم لذاتهم وتساعدهم على الاندماج اجتماعيا برؤيتهم أشخاصا عاديين لهم طريقتهم الخاصة في ممارسة مهامهم اليومية. أوّل خطوة من هنا، فالمجتمع بأكمله، بما فيه ذوو الإعاقة وأسرهم، بحاجة أولا لمناعة نفسية ليصبح دمج هذه الفئة أسهل، ويكون ذلك بتغيير اتجاهات الناس وأفكارهم عن الإعاقة عموما وعن صاحب الإعاقة، فبدلا من أن تكون النظرة نظرة شفقة واحتياج دائم للمساعدة، فمن الضروري جدا أن تتغير لتكون نظرة احترام وتقدير لأن الأشخاص من ذوي الإعاقة يمتلكون قدرات هائلة إذا تم استثمارها. وهناك الكثير من النماذج والقصص الملهمة التي تؤكّد أنّ الأشخاص من ذوي الإعاقة يتميزون بإصرارهم على النجاح وإثبات الذات مهما كانت العوائق. وللإعلام له دور كبير في رفع مستوى التقبل لدى الناس والعمل على التهيئة المجتمعية من خلال عرض تجارب لأشخاص من ذوي الإعاقة نجحوا وأبدعوا في مجالات مختلفة كالفكر والأدب والرياضة والفن وغيرها من المجالات الأخرى، وأن يكون العرض بطريقة تليق بقيمتهم كمبدعين. ونوّه المختصّون بأهمية التركيز على إمكاناتهم، وما لديهم من إنجازات ينبغي تسليط الضوء عليها لتكون دليلا على أنهم قادرون على العطاء وخدمة أنفسهم ومجتمعاتهم، وأيضا تناول قضاياهم والمشكلات التي تواجههم يوميا بشكل حقوقي يبحث في الحلول وتوفير بيئة دامجة وعلى المستويات كافة، إضافة إلى العمل على تمكينهم نفسيا، وأن تكون لديهم روح المبادرة وتعزيز ثقتهم بأنفسهم أن يبدأوا هم بتقديم أنفسهم للمجتمع. كما يساعد الدمج الفعلي والحقيقي لهذه الفئة يساعد على تقبل الاختلاف، والوصول إلى الرفاهية النفسية التي تعكس إيجابيا مستوى تقبل الشخص لنفسه أولا وتقبل المحيطين له ثانيا، والتعرف على مهارات الأشخاص من ذوي الإعاقة وكيفية التعامل معهم. ويجب أن يشمل كل ذلك جميع الناس، فالوعي بأهمية الصحة النفسية يحتاج إلى جهود كبيرة من الأهل ومن الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم، وأيضا هناك دور مهم على المدرسة والمختصين النفسيين. ومن الضروري تزويد كل المؤسسات والجهات المعنية بكوادر متخصصة في مجال الصحة النفسية، وتنظيم مبادرات باستمرار تزيد من الثقة بالنفس، فكلما كانت الصحة النفسية أعلى كان الأداء الفكري والجسدي أفضل وأكثر اتزانا واستقرارا لأن الحالة النفسية تؤثر على جميع مناحي الحياة. ويتحقّق تمكين الأشخاص من ذوي الإعاقة ومنحهم الفرص في أن يكونوا فاعلين في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بتعاون جميع الأطراف ابتداء من الأهل والأشخاص ذوي الإعاقة، ووصولا إلى الجهات المسؤولة عن هذه الفئة، ليشمل بعد ذلك كل المجتمع، وأيضا التنسيق ومتابعة تنفيذ القوانين فعليا وليس فقط نظريا، دون إغفال العمل على التهيئة البيئية للإعاقات كافة، وذلك من خلال سياسة دمج واضحة الأهداف وبخطوات سريعة ومثمرة. بعيدا عن الشّفقة يعتبر الانتباه للصحة النفسية للأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم أمرا ضروريا جدا؛ لأن الاهتمام بها كحاجة أساسية يساعدهم على التكيف مع الواقع، وأيضا مع البيئة المحيطة ويجعلهم هم وأسرهم أكثر تقبلا لفكرة الإعاقة والتحديات التي تحيط بها. ومن المهم جدا أن يبدأ الأهل بأنفسهم، وخاصة إذا كان لديهم ابن من ذوي الإعاقة، ويكون ذلك بالتقبل وزيادة الوعي والقراءة أكثر عن كل ما يتعلق بموضوع الإعاقة ومشاهدة فيديوهات محفزة تعطيهم الدافع للعمل من أجل توصيلهم لأهدافهم. كما أن الاستعانة بأصحاب الخبرة والاختصاص بمجال الصحة النفسية تساعد على توجيه الأهل، وإرشادهم للطريق الصحيح ليستطيعوا التعامل مع أبنائهم بشكل طبيعي بعيدا عن الخوف أو المبالغة أو الخجل. وتحتاج الأسرة في هذه الحالة لدعم نفسي ومادي أيضا لتتمكّن من توفير كل الاحتياجات الأساسية لابنها، كما أن دورها مهم في تعويد الابن من ذوي الإعاقة على خدمة نفسه بنفسه وإعطائه بعض المسؤوليات كغيره، فالتعامل معه بهذه الطريقة يكسبه الثقة أولا، وأيضا يشعر بالمساواة وبأنه قادر على المساعدة بحدود إمكاناته. هناك أشخاص من ذوي الإعاقة أبدعوا ووصلوا لمواقع مهمة في مجالات شتى لأنهم وجدوا الدعم النفسي والاحترام والتقدير في أسرهم أولا، ومن ثم استطاعوا الخروج للعالم بإرادتهم وإيمانهم الكبير بأنفسهم، فنجحوا في تقديم نماذج مشرفة تثبت أن الإعاقة لا يمكن أن تكون عجزا. يجب أن ينظر الجميع الى الأشخاص من ذوي الإعاقة بإنصاف، والتعامل معهم على أنهم أشخاص عاديون وليس كفئة تحتاج لمعاملة خاصة، وألا يكون الاهتمام بهم بدافع الشفقة بل بدافع الإنجاز، وما لديهم من طاقات يجب استثمارها بطرق إيجابية تعود بالنفع عليهم وعلى مجتمعاتهم.