شهدت مختلف الهيئات والمؤسسات الثقافية على مدار شهر رمضان الفضيل، إقبالا وتوافدا مميزا للجمهور العاصمي، حيث كانوا متحفزين للأجواء الروحية والتفاعلية فور إطلاق صافرات الفرجة المتعة التي اتسمت بها البرامج الفنية والثقافية، وذلك ساعات قليلة بعد الإفطار، ناهيك عن بلوغ ذروتها بعد صلاة التراويح والتي تتواصل في بعض الأحيان إلى ما قبل الفجر. والحقيقة التي يجب أن تقال في حقهم أنهم لو كانوا موسيقيون فهم أجمل العازفين، ولو كانوا فنانين فهم أحلى المطربين، ولو كانوا كتاب كلمات فهم أفصح الشعراء، ولأنهم جمهور فهم أجمل الجماهير. توزع جمهور العاصمة خلال السهرات الرمضانية ما بين منصات المديح والإنشاد والحفلات الطربية والموسيقية، وبين العروض المسرحية وقاعات السينما، إضافة إلى الأروقة الفنية التي اكتظت بمعارض نافست هي الأخرى في جلب رواد الجمال وسحر الألوان وعبق الموروث والأصالة، النابضين بتاريخ عظيم وهوية وطنية أراد لها الله أن تكون نبراسا للفخر والقوة على مدار الزمن. اقبال منقطع النظير اللافت في رمضان هذه السنة، هو الازدحام البشري الذي عرف بالتقريب توازنا بين مختلف فئاته العمرية المتواجدة بكل أناقة ونشاط في كل فعالية، تم إدراجها ضمن البرنامج المسطر لتغطية كل ليلة من ليالي خير الشهور، ناهيك عن التعبئة التي عرفتها الندوات الفكرية والدينية والتاريخية خلال الفترات الصباحية. «مفدي زكريا" يستقطب الساهرين استحقت مشاركة العائلات العاصمية العلامة الكاملة في إحياء السهرات الفنية التي نشطها كوكبة من الفنانين في مختلف الطبوع، وذلك في رحاب قصر الثقافة مفدي زكريا الذي عرف نحو 25 حفلة غنائية وإنشاديه متنوعة، شارك فيها كوكبة من الفنانين من بينهم المنشد فارس مونة، والفنان كمال القبي وفنانة الحوزي أسماء علة، وآخرون.. وعلى غرار أيضا الطبعة 12 من المهرجان الوطني للأغنية الشعبية التي فاق نسبة الجمهور فيها أكثر من 56 بالمائة، ناهيك عن توافد الزوار على فترات خلال المسابقة الدينية، الموسومة ب«القصيدة المحمدية" التي مكنت من اكتشاف مواهب أدبية وشعرية من مختلف ولايات الوطن. حيث لم يقتصر حضور الجمهور على هذه السهرات فقط، بل توافد أيضا على الجلسات الرمضانية للطبعة الثانية من المنتدى الثقافي الإسلامي التي تم برمجتها في الفترة الصباحية، ومع ذلك لم يكترث المهتمون من المجيء والاستماع للمداخلات القيمة لثلة من العلماء والدكاترة على رأسهم عمار طالبي، مبروك زيد الخير.. والقائمة طويلة وثقيلة من خيرة أبناء الوطن ومن جانب آخر، تميزت الأسابيع الثلاث الأخيرة من الشهر الفضيل، بحضور ملفت للأطفال مرفقين بعائلاتهم، لا سيما على كل من معرض الخط العربي والمنمنمات والزخرفة الإسلامية المنظم برواق باية أين تم تقديم لهم بعض فنيات في الخط العربي من طرف الخطاط رضوان عفاري المشرف على الحدث، ومعرض للصناعات التقليدية والتحف التزينية المنظم بقاعة رقم02 الذي حظي بالكثير من الاهتمام من طرف ربات البيوت اللواتي انبهرن بجودة المنتوجات المعروضة والمصنوعة بأنامل حرائر الجزائر. جمهور "بشطارزي" في الموعد وفي المقابل استطاع جمهور المسرح الوطني الجزائري محيي الدين بشطارزي المتعطش لقوائم العروض والأنشطة الدسمة، أن يسجل أرقاما تخطت العتبة في حسابات منصة التذاكر، ناهيك عن تفاعله العفوي الذي عبر عنه تارة بالتصفيق وتارات عديدة بالضحك، ما يدل على رضاه بمحتوى اللوحات المقدمة بكل احترافية وذكاء، وبذلك كسرت أيضا الفُرَقُ المشاركة القاعدة التي ظلت سائدة طويلا والتي مفادها من "الصعب إضحاك الجمهور الجزائري ككل في رمضان"، والشاهد على الحدث خير دليل ذلك. قس على ذلك الحضور الجماهيري الكبير خلال فعاليات "مجالس بشطارزي" التي أعدها ونشطها عبد الرزاق بوكبة، أين تعاقبت سلسلتها بفضاء محمد بودية، وفي قاعات العروض التي كانت مخصصة للأطفال مثل ألعاب الخفة والألعاب البهلوانية، لاسيما الحفلات الموسيقية التي أحيتها عدة فرق فنية صنع فرجتها كل من المطربة منال غربي، ومطرب الأغنية الشعبية كمال عزيز وليلى بورصالي والمطرب عباس ريغي، والتي رافقها الجمهور المنسجم كليا مع كل من الإيقاعات الهادئة والراقصة. فنون وثقافة سجلت المراكز الثقافية هي الأخرى إقبالا للزوار، حيث وافق مستوى المتوسط في الأسبوع الأول وفاق مستوى الجيد في الأسابيع الثلاث المتعاقبة، إذ أن الجمهور لم يكتف بالتفاعل بالتشكيلة الثرية للأمسيات الشعرية والفنية والأعمال الأدبية والمحاضرات الدينية، إضافة إلى ندوات في السيرة النبوية الشريفة العطرة، بل كانت تلك اللحظات من عمره فرصة لطرح مسائل تخص الانشغالات اليومية عموما، التي أثار من خلالها عدد لا بأس به الحضور مداخلات مقتضبة وأسئلة متعددة. وفي ذات الصدد، شهد مستوى فضاء مؤسسة فنون وثقافة بشير منتوري ومصطفى كاتب، اندماج كبير بين معارض الكتب والمنتجات الحرفية التقليدية والعصرية والسهرات الشعرية وبين فئة الشباب الذين كانوا أكبر نسبة مترددة على هذه الفضاءات، سواء في فترات النهار أو في الليل، كما كانت المناسبة لتجديد اللقاءات وتبادل المعارف والخبرات، لاسيما وأنها كانت سببا في تقديم العروض التطوعية التي تزداد بشكل ملفت في شهر رمضان. الديوان الوطني للثقافة والإعلام طالما تعود الجمهور الوفي للديوان الوطني للثقافة والاعلام أن يكون بكثرة في الفعاليات، وبالفعل كان كذلك من خلال الأنشطة الفنية المسطرة، حيث عرف تجاوبا مع الأنشطة الفنية والإنشادية التي نظمت في رحاب قاعة الأطلس خلال السهرات الرمضانية، إلى جانب الأمسيات الشعرية التي عرفت مشاركة قوية لثلة مميزة من الشعراء، من بينهم الشاعر بوعلام بن سليمان، الشاعرة أسماء تيفورة، بالإضافة إلى الوصلات الغنائية التي تنوعت بين الحوزي والأندلسي والأغاني الشعبية بقيادة كل من نعيمة الدزيرية، حسيبة عبد الرؤوف، على غرار أيضا العديد من الفنانين المتميزين. ونفس الحديث تقريبا يمكن قياسه على تواجد الجمهور واندماجه مع فعاليات معرض "رمضانيات" بالديوان الوطني لرياض الفتح الخاص بالصناعات التقليدية المحلية، لاسيما المناسبة التي تزامنت مع العطلة الربيعية والتي استقطبت العديد من الأطفال في ورشات الرسم والمراهقين من مختلف ولايات الوطن، وذلك بساحة "إسبلاند" التي احتضنت معرض"رمضان للكتاب"، والذي كان فرصة لتنمية مهارة المطالعة خاصة من خلال المكتبات المتنقلة، إضافة إلى السهرات العائلية التي أمتعت الجميع بعروض الرقص الشعبي من إشراف جمعية "أهل الفن" وفي انتظار أن يسدل الستار على الأنشطة، فإنه بدون شك ستبقى عالقة في ذاكرة الجمهور تلك الجلسات الموسيقية والطربية التي أحياها المطرب يوسفي توفيق، ووصلات العزف على الآلات الموسيقية الوترية العود والموندول والقيثارة تحت إشراف الفنان محمد روان. إشعاع الثقافي في الشهر الفضيل من جانب آخر لم يخفت ولا يوما واحدا وهج الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي خلال رمضان، الذي استثار جماهيره الغفيرة، وشكلت تلك الفسيفساء الجميلة للسهرات العائلية جوا من المتعة والفرجة بحضور فنانين أطربوا مسامعهم بوصلات متنوعة، أبرزها الاندلسي والشعبي، الانشاد الديني، والأمسيات الخاصة بقراءات في الشعر الفصيح والشعبي. حضور قوّي للفن السابع ومن جهته عرف المركز الجزائري للسينما حركة دؤوبة لعشاق الفن السابع، للاستمتاع بالأفلام المبرمجة طيلة الشهر الفضيل على غرار الأفلام الدينية، حيث كان الموعد مع "الرسالة" لعباس محمود العقاد، وأفلام الأبيض والأسود التي أبدع فيها الراحل رويشد والثنائي المفتش الطاهر ومساعده، إلى جانب الأفلام الوثائقية مثل فيلم "الأمير عبد القادر" للمخرج سالم ابراهيمي، وفيلم "بن ناصر بن شهرة" لمحمد شناف، وسائر الأفلام الكوميدية والاجتماعية والتي بالرغم من مشاهدتها تكرارا ومرارا، إلا أن المار بين الجمهور في القاعات السينمائية يعتقد وكأنها تعرض لأوّل مرة من شدة تركيزهم في مجريات الأحداث. أوبرا الجزائر تتألق جلبت أوبرا الجزائر خلال السهرات الفنية أكبر جمهور ذواق للفن، حيث كان عدده يتضاعف في كل سهرة، وقد بلغ أوجه حين قادت فرقة تيکوباوين قاطرة البرنامج المسطر، وتكاثف خلال السهرات الموالية وآزر وصلات الجوق الاندلسي لدار أوبرا الجزائر تحت قيادة المايسترو نجيب کاتب، كما اندمج كليا مع آداء الفنانة منال غربي وسمير تومي، ناهيك عن استقباله للفنان القبائلي صاحب التسعين سنة آكلي يحياتن بالزغاريد والتصفيقات وايقاعات تليق بمقام أحد أعمدة الفن الجزائري الذي دأب من خلال أغانيه على إسماع صوت الجزائر خلال أحلك الظروف التي مرت بها، لا سيما الفترة الاستعمارية، فيما أكد الجمهور حضوره أيضا وبقوة في ليلة القدر من خلال السهرة الأخيرة من برنامج "حادي الأرواح"، وتتويج الفائزين بالطبعة الأولى لجائزة "أشبال الثقافة" دورة "مالك حداد" . أجواء رائعة من هنا وهناك تحت أجواء الصفاء الروحي والفني بصم الجمهور العاصمي وبالعشرة تواجده وانتشاره وتعداده خلال الشهر الفضيل في كل من ساحة البريد المركزي، والمسبح البلدي لبئر توتة وساحة الكيتاني، وغيرها من النقاط التي أمتعت الجمهور الذي فضل أن تكون وجهته بعد صلاة التراويح رفقة أطفالهم ليشاركوا في أنشطة ساهمت بها بعض الجمعيات الثقافية لاسيما أطفال الكشافة الاسلامية، إلى جانب العديد من المسابقات الولائية من بينها الطبعة الأولى لموسيقى وأغنية الشعبي، والطبعة الثالثة للإنشاد والمديح الديني، ناهيك أيضا عن مشاركته في العروض الفلکلورية، على رأسها طابع القرقابو الذي احتضنه الجمهور المكتظ في ساحة فرحاني خاصة الشباب بالرقص المنسجم مع اللحن الذي يحفظه الصغير والكبير، فضلا عن العروض المسرحية والترفيهية والفعاليات الأدبية والشعرية التي لامست الأحاسيس، وتم توثيقها لحظة بلحظة على مواقع التواصل الاجتماعي وبمناشير أغلبها جاءت تحت عنوان: "هذه الأجواء الرمضانية من العاصمة يا سادة "..