حادث مرور يودي بحياة المصارعة “سعاد قريشي”    عشريني يقتل جدته بضربة مطرقة على الرأس بالسطارة بجيجل    “بلاد وحدة” هدية المنشد عبد الرحمان عكروت للحراك الشعبي    طرابلس تطلب دعم الجزائر في وقف إطلاق النار    توقيف 4 أشخاص وحجز أكثر من 3 كلغ من المخدرات    "الفاف" تتجه لإلغاء التربص في إسبانيا وتختار هذا البلد بطلب بلماضي        العالية مقبرة الشهداء و الرؤساء الجزائريين    الأطباق الطائرة حقيقة أم خرافة؟    امكن امسنو ذثمت    توقيف تاجري مخدرات وحجز قنطار من الكيف    دعوة إلى إضراب لمدة 3 أيام 28، 29، 30 أفريل الجاري    عقدة 28 عاما تُمهد طريق برشلونة نحو حسم الليغا    لقاء المساكين بالقبة وممنوع الخسارة على الحراش ببجاية    المرافقة المهنية    آخر طلب لطباعة النقود    أمطار على عدة ولايات غربية من الوطن    ولاية الجزائر تواصل عمليات هدم البنايات الفوضوية    الوكالة الوطنية للتشغيل تلبي 200 عرض عمل بوهران    أوروبا ترفض الاعتراف بالمجلس العسكري السوداني    مجموعات مسلحة تخطط للتسلل من تونس نحو الجزائر!    دكتور جديد بجامعة سكيكدة    المعجم التاريخي للغة العربية الأول من نوعه في الجزائر المستقلة    بابيشا .. فيلم جزائري في مهرجان كان 2019    خطة من ثلاثة محاور لإفشال مقاطعة القضاة    انقياد الشجر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم    كم مِن سراج أطفأته الرياح!    العيذ انتفسوث ذي ثمورث انلوراس امقران بشام اذقيم ذقولاون نلعباذ نميرا    تحويل 29 طفلا مريضا إلى الخارج للقيام بزرع الكبد    6 ملايين معتمر زاروا البقاع عبر العالم منهم 234 ألف جزائري إلى نهار أمس    كميات قياسية في محاصيل البطاطا، الطماطم، التّمور والزّيتون    بن رحمة خارج الخدمة ويضع بلماضي في ورطة !!    توسيع فرص الاستفادة لتمويل المشاريع    دعم قوي لسلالات الإنتاج الحيواني    عبد المجيد مناصرة: “5 أسباب للأزمة و5 حلول يمكنها إخراج الجزائر إلى بِر الأمان”    الافلان يتبرأ من تصريحات السيناتور فؤاد سبوتة    البيجامة الذكية هي الحل    نفوق 3 نسور تثير طوارئ وسط محافظة الغابات    رونالدو ينقلب على زملائه في جوفنتوس    منتخب السنغال يحضر للخضر بمواجهة نيجيريا    توقف استثنائي للمصعد الهوائي الرابط بين بلوزداد والمدنية ابتداء من هذا الأحد    فتح 500 منصب مالي جديد لتوظيف حراس الشواطئ الموسميين بوهران    ما تبقى من المسار يسلم خلال الثلاثي الأخير من العام الجاري    وزارة المالية ترفع اللبس    تعليمات لمراقبة وجبات التلاميذ أيام الامتحان    في إطار زيارته للناحية العسكرية الرابعة    فيما ستفتتح 5 مطاعم للإفطار: الهلال الأحمر يقدم إعانات ل 1200 عائلة تحسبا لشهر رمضان    فيما اشتكى السكان من الغياب الكلي للمنتخبين: مشروعان ينهيان أزمة المياه بقريتي بوتلة و ركابة في الطارف    ليبيا: ارتفاع حصيلة قتلى معارك طرابلس إلى 213    رئيس “نجم مقرة” :”عضو من الرابطة أكد تعرضنا لمؤامرة”    قريب الشهيد عبان رمضان: هذه الشخصيات الكفيلة لقيادة المرحلة الانتقالية    صحفي سوداني يكشف عن تصريحات صادمة للبشير دفعت لخلعه!    30 سنة سجن لشقيق منفذ هجوم تولوز محمد مراح    المجلس الإسلامي‮ ‬الأعلى‭:‬    تيارت    وزير الصحة الجديد‮ ‬يقرر‮:‬    هذه تعليمات ميراوي لمدراء الصحة بالولايات    ‘'ثقتك ا لمشرقة ستفتح لك كل الأبواب المغلقة"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





كاتب ياسين يتبرأ
مرايا عاكسة
نشر في الجمهورية يوم 03 - 04 - 2017

وجدت هذا المقطع للممثل محفوظ لقرون، الذي أدّى بطولة إحدى المسرحيات، كفيلا بتعويض عشرات الأحكام والقراءات، وهو مقطع عميق في بساطته، وكاف للتدليل على قضايا جوهرية تخص كاتب ياسين ومنجزه: «أثارت محمد خذ حقيبتك جدلا كبيرا بين رجالات الدين والسياسة والفكر الذين لم يكونوا يدركون تمام الإدراك ما كان يقوله ياسين، حتى وإن كان من البديع البسيط الناطق بلغة القوم الذين لا يقرأون»، أمَا الروائي رشيد بوجدرة فيضيف شيئا غاية في الأهمية والوضوح كتتويج لتجربته الطويلة: «مشكلة كاتب ياسين أنه كان محاطا بأشخاص دون مستواه، والبعض استغل بساطته وتواضعه وخجله».
هذان الرأيان قريبان إلى الحقيقة، وهما كفيلان بإعادة النظر في الصورة الخاطئة التي التصقت بهذا الكاتب، من «نجمة»، إلى «الرجل ذو الصندل المطاطي» و«حرب الألفي سنة» و«فلسطين المخدوعة» و«غبرة الفهامة»، وغيرها من الأعمال التي لم تُقرأ، أو قرئت بإفراط في الذاتية، وأوّلت عشرات المرات بأشكال عجيبة، مقصرة أو مغالية، ومتعمدة القراءة الخاطئة.
فسّر العلمانيون والإسلاميون أعمالا أدبية ومسرحية لم يعرفوها، ولو حدث أن اطلعوا على «محمد خذ حقيبتك»، نصا وعرضا، لما وصلوا إلى تلك الأحكام الدالة على جهل واضح. أمّا كيف وقع المرحوم محمد الغزالي في لعبة هؤلاء فتلك مشكلة أخرى لآثار السند، الشيء ذاته ينسحب على الدكتور محمد علي الفرا والقيادي في جماعة الشرق الإسلامية، وغيرهم من السياسيين والمثقفين.
المسرحية منعت بدائرة الحراش، كما حوصرت في قسنطينة، وقيل آنذاك إنها ألهبت فتيل الصحوة. في حين هلل الشيوعيون لها وأعلنوا انتصارهم على المحافظين، وكذلك فعل دعاة الحداثة قبل مشاهدتها. أمّا الذين كانوا يحيطون به فكانوا ذبابا، وهم الذين سوّقوا لجزء من هذه الصورة المعتمة التي جعلت الكاتب شخصا آخر غير الذي كأنه في واقع الأمر، إن نحن استثنينا قلة قليلة من هؤلاء الذين كتبوا بروية وموضوعية، وبمسؤولية تاريخية ربطت الكتابات والتصريحات بالمقام، ودون تلفيق.
كما أنّ جلّ ما قيل عن بقية أعماله لم ينطلق من النصوص كقيمة أدبية، إنَما من مواقف متوارثة استثمرها اليمين واليسار والعلمانيون والإسلاميون والدهماء، مستغلين السياقات والتقاليد الشفهية التي تهيمن على شكل تعاملنا مع الثقافة والأدب. لم تعد المسألة إذن متعلقة بالفهم، بل بمشكلة التلقي في حدّ ذاته. الناس الذين لا يقرأون النصوص ولا يشاهدون العروض قاموا بتفسير وتأويل منجز سردي ومسرحي لا علاقة لهم به أساسا، كما يحصل في الجامعة وفي المقاهي والمسارح الغارقة في الفتاوى العامة.
حدث أن قمت، قبل سنين، باستبيان شمل آلاف الطلبة والأساتذة من جامعات وطنية، ومن عدة مستويات. أمّا النتيجة فكانت صادمة: لم أجد في ألف طالب طالبا واحدا قرأ لكاتب ياسين، وهناك من لا يعرفون عناوين مؤلفاته، باستثناء نجمة التي تمّ فهمها خطأ، أو بتقويل الكاتب ما لم يقله. وما ينطبق على هؤلاء ينسحب على الآخرين.الشيء ذاته يحدث حاليا في الملتقيات التي تعنى بالكاتب، خاصة بعض الندوات التي يحشد لها جهابذة الأيديولوجيات من منتجي الخطابات التي لا ضوابط أكاديمية لها: وهي عبارة عن أحكام جاهزة تحتاج إلى منهجية وأخلاق علمية، وليس إلى شعارات ورثناها انطلاقا من ثقافة سمعية بحاجة إلى مراجعة وتقويض.
لماذا حصرنا كاتب ياسين في اللغة والدين وأسسنا على بعض تصريحاته الظرفية في اتخاذ مواقف من أديب مختلف تماما عن الصورة التي شكلناها عنه؟ يقول الأستاذ عبد العزيز بوباكير في مقال توضيحي: «تصريحات كاتب ياسين المدوية وانفعالاته العنيفة وأمزجته الحادة دفعت الرئيس هواري بومدين ذات يوم إلى القول: «من الأفضل لياسين أن يكتب ويصمت، فهو لا يحسن الحديث»... «لا يحسن الحديث بالفعل، لكنه كان بسيطا في حياته، عفويا في سلوكه، كريما في طبعه».
ويمكن أن أضيف بأنه كان بسيطا وزاهدا، يقرأ ابن عربي والأمير عبد القادر ولا يميل إلى الذين يستغلون الدين والأيديولوجيات لمآرب خاصة. لكنّ الذين كانوا يحيطون به، وخدمة لمصالحهم، أخفوا هذه الحقائق، كما طمسوا قضايا مهمة تحتاج إلى قراءة مغايرة. مشكلة كاتب ياسين أنه ضحية أشباه الجامعيين الذين تخلوا عنه لأشباه السياسيين والمفرنسين والعلمانيين والمؤمنين والمثقفين والمعربين الذين جنوا عليه وهم لا يقرأون، ومع ذلك فإنهم يعرفون كلّ شيء عنه. لكنهم اختزلوه في اللغة والدين والأيديولوجية، وما سمعوه عنه، وتلك مأساة أخرى ساهمت في أسطرة الكاتب وجعله إمّا مقدسا أو مدنّسا، إمّا ملاكا أو شيطانا، بصرف النظر عن الفنيات والجماليات التي أسس عليها. نحن أمام مشكلة حقيقية تتعلق بالبحث العلمي.
ليس من الأخلاق أن نحكم على أعمال أدبية لم نطلع عليها، أو أوّلناها وفق رغباتنا وميولنا، وليس من الحكمة تقييم كاتب دون أن تكون لنا فكرة عن أدبه: إنّ النسبة التي قرأت له ضئيلة جدا باعتراف الكاتب نفسه في أحد حواراته، وهذا ما جعله ينتقل إلى المسرح متخليا عن السرد. روح كاتب ياسين تتبرأ من عدة قراءات وتأويلات ومواقف وتقول لكم: أنا لست كذلك. لست هذه الأوهام التي تحاصرني من كل الجهات. لست كما تزعمون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.