" موقف الجزائر إزاء نزاعات القارة " ثابت و مبدئي"    تثمين "النهضة المنجمية بتندوف يقتضي الاستثمار في المورد البشري"    رئيس جمهورية النيجر يحل بالجزائر    "الدولة لن تدخر جهدا لضمان استلام المشاريع الحيوية في مواعيدها"    خنشلة : الشرطة تشارك في العملية    هؤلاء الفائزون بنهر الكوثر..    هكذا تكون نية الصيام في رمضان    أفضل ما تدعو به لإزالة الألم والوجع وطلب الشفاء    ثلوج كثيفة وأمطار رعدية غزيرة    وفاة 10 أشخاص في حوادث المرور    الجزائر مؤهّلة لتكون قطبا جهويا للتحكيم التجاري الدولي    الاستلهام من رسالة رمضان لبناء عالم أكثر سلاما وسخاء وعدلا    الجزائر ترسّخ تواجدها الطاقوي في الساحل الإفريقي    إنجاح الانتخابات المقبلة لحماية الجزائر وتعزيز استقرارها    الجزائر مستهدفة لكونها سيدة في قرارها وتدعّم القضايا العادلة    تحيين مستمر للبرامج التعليمية في جميع المواد    تخفيضات مغرية في أسعار المواد الاستهلاكية    مطالبة متعاملي الهاتف النقال بتوسيع التغطية وتحسين الخدمات    مجيد بوقرة يحدد أهدافه مع منتخب لبنان    إقبال كبير على محلات بيع التوابل    سبعة مطاعم رحمة وبرامج تضامنية واسعة خلال رمضان    مُهلة زرّوقي    لاعبو برشلونة يطالبون فليك بالمزيد من الواقعية    انتقادات فرنسية قوية للاعب ماكسيم لوبيز    الذكرى ال31 لاغتياله.. عز الدين مجوبي من كبار فوانيس المسرح الجزائري    ينظم في الثامن من مارس القادم.. المرأة الجزائرية حارسة التراث محور ملتقى وطني    يوم دراسي حول استصلاح القطاع المحفوظ لقصبة دلس    مفاوضات مسؤولين إيرانيين مع يتكوف وكوشنر يوم الثلاثاء.. ترمب: تغيير النظام في إيران أفضل شيء يمكن أن يحدث    إسرائيل تقتلع 777 شجرة بخسائر 761 ألف دولار..لجنة غزة: الاستعداد لتسليم مؤسسات القطاع يمهد لإدارتنا المرحلة الانتقالية    أوكرانيا : كشف هوية مجندين نيجيريين في روسيا    وزيرة التكوين المهني تؤكد على دور القطاع في إعداد كفاءات قادرة على مرافقة المشاريع الإستراتيجية    انطلاق الدخول التكويني لدورة فبراير 2026 بمشاركة أكثر من 285 ألف متربص    جريمة العار.. لن تسقط بالتقادم    المولودية تبحث عن نقطة التأهّل ببريتوريا    إطلاق البرنامج الوطني لدعم الأسر المنتجة    كواليس اجتماع هزّ الكاف    هذه تفاصيل أول اجتماع لمجلس السلام..    الحرب على غزة    لا إصلاح دون بناء عقول ناقدة ومبدعة    ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان الصهيوني على غزة    خطّة شاملة لضبط السوق خلال رمضان    الشفافية وعصرنة الأداءات التزام لا رجعة فيه    هكذا تكون نية الصيام في رمضان    وزير الصحة يجتمع بالنقابة الوطنية للصيادلة الخواص    الحصول على الابتكارات.. أولوية    إشادة إفريقية واسعة برؤية الرئيس تبّون    رابطة الأبطال : مولودية الجزائر تراهن على العودة بالتأهل من جنوب افريقيا    كأس الكونفدرالية الافريقية /الجولة السادسة والأخيرة/ : اتحاد الجزائر وشباب بلوزداد للحفاظ على الصدارة    رابطة الأبطال:"الكناري" لحفظ ماء الوجه أمام يونغ أفريكانز    انطلاق "ماستر كلاس" تدعيما للتكوين الأكاديمي    استحضار الدور الليبي الداعم للثورة التحريرية    النخبة الجزائرية أفشلت المشروع الكولونيالي    أين أنا في القرآن؟    وزير الصحة يستقبل وفد النقابة الوطنية للصيادلة لمناقشة تطوير الممارسة الصيدلانية    الإعلان عن تأسيس اتحادية كرة القدم للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية    تأتي تجسيدا لإستراتيجية الدولة في النهوض بالفن السابع    غيبرييسوس يثمّن جهود تبّون    وضع سياسة موحدة لاقتناء العتاد الطبي وصيانته    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بْقاوْ على خير..!
ربيعيات
نشر في الجمهورية يوم 24 - 07 - 2017

سيصل القطار الرابط بين تلك المدينتين الأوروبيتين العريقتين إلى هذه المحطة الهادئة المعلقة بشمال الأرض بعد ربع ساعة ..نعم ربع ساعة تماما دون نقصان ثانية أو زيادة أخرى. الأرقام مكتوبة باللون الأسود على أزرق في الشاشات الالكترونية المعلقة في كل ركن. طويتُ دفتي الكتاب الذي اخترتُه رفيق هذه الرحلة، ثم أطلقت العنان لحواسّي الستّ. لا شيء غريب في اللوحة الناطقة هذه. هدوء وصمت وهواء منعش وإحساس أن السماء قريبة على ملمس رؤوس الأصابع. سيدة بقربها كلب صغير يبدو مهذبا، ينظر إلى الناس بعينين آسرتين، كلما نظر إليه أحد المارة، يبتسم برفق وتنمحي على التو من ملامحه آثار العبوس. المسافرون القليلون في هذه البقعة البعيدة جهة شمال الكوكب، تبدو ما تزال عذراء وساهية وبعيدة مؤقتا عما يحدث من شغب في أرجاء العالم. كل شيء يُسمع بوضوح. خطوات من يتمشى بهدوء وبتوءدة بجانب السكة وهو غارق بين دفتي كتاب. من يقلب الورق ويستند إلى شيء ما طاويا ساقه اليسرى غارزا عينيه بين السطور. فتاة تسعل من حين لآخر تجلس القرفصاء، تعدّل بقلق نظارتها وكأنها تخاف أن تفلت منها فكرة عابرة. رجل بسترة سوداء طويلة، يجلس غير بعيد على مقعد حجري، تتقافز العصافير قربه، يقرأ بصوت خفيض قصصا لعزيز نسين. لمحت اسم هذا الكاتب المدهش واضحا باللاتينية على الغلاف. يهز رأسه تأثرا. أحيانا يفرك أصبعيه في الهواء ودون أن يرفع رأسه يهمس : ---
- فانتاستيك.. فانتاستيك..! الهدوء غريب هنا. كأن الله وسّع الفضاء أكثر. الجوّ صيفي حار قليلا..حرارة أُخرى. العصافير تقترب من السيد ذي السترة السوداء الإنجليزية الطويلة، تبدو غير آبهة بالمسافرين القليلين المتواجدين. تنقر قربهم وتتقافز قليلا بمرح ثم تتطاير. ربما تعرف بالسليقة أنهم منشغلون بشيء عميق. لعل سلالات العصافير أيضا أصبحت تدرك من خلال تاريخ وجودها على هذه البسيطة المعقدة، أن الذي يقرأ من البشر يشْرع آفاقه على العالم ووعيه على العمق، فلا يمكنه أن يؤذي الناس أو العصافير أو المخلوقات الأخرى. لا وقت لديه للسوء أو لدس أنفه في ما لا يعنيه. العصافير مثل الأطفال صادقة وعفوية ولم تتلوث بعد، إنهم جميعا أبناء الخيال ومغامرة التحليق ويبحثون عن سرّ وعن النهاية . حين كنت أجلس عند حافة سرير أطفالي وأروي لهم حكايةً تساعدهم على الولوج في غابات السُّبات، ولأنني كنت أعرف نهاية الحكاية كان النعاس يثقلني بينما هم فيزدادون استيقاظا، وتنفتح عيونهم الصغيرة على وسعها، ثم يتفاوضون معي في ربع ساعة حكاية آخر. كنت أتجاهل النهاية الحقيقية للحكاية، ثم نجنح معا بعيدا في الخيال . كنا معا مأخوذين بالحكاية التي تتوالد حرة طليقة مشاغبة مفاجِئة. العصافير التي تقترب من السيد ذي السترة السوداء وهو يقرأ بهمس، لا بد أنها من سلالات العصافير التي كنتُ أراها تمرُّ سحاباتٍ سحابات فوق ساحة «الطحطاحة» و «المدينة الجديدة «بوهران بالجزائر، أو بساحة «الحلاقي» بالقنيطرة بالمغرب حيث كان «القوالة « وأصحاب «الحلقة»، مبدعو الحكاية الشعبية وصناعها، يأسرون المتحلقين حولهم بلهفة الحكايات. العصافير التي تقترب من السيد ذي السترة السوداء الطويلة لا بد أنها من سلالات العصافير التي تقترب بحذر من المقاهي الشعبية خلف جامع الأمويين بدمشق، حيث يتربع الحكواتي بأثوابه الملونة وطربوشه الأحمر، يجلس فوق سدته العالية، يقبض على عصاه وكأنها سيف بن ذي يزن، بينما يجلس عند أقدامه الشغوفون من عرب وأجانب، معلقين بين رشفة كأس شاي، أو مَتَّة، أو زهورات، أو فنجان قهوة، وبين شفتيه اللتين ترددان من خلف ذقنه الأشعث حكايات ألف ليلة وليلة. لا بد أنها من سلالاتها تلك العصافير، التي كانت تتبع زورقنا في نهر شنغهاي بالصين و هو يعبر بنا نحو المتحف القديم، مأخوذة بصوت سائقته التي لم تتوقف عن الغناء طول الطريق وهي تجذف، قال المترجم إنها حكاية اللحظات الحزينة الأخيرة لسقوط ملك خدعه مقربوه. هكذا تعلمتُ أن هناك من القصص ما يجعلك تنام واقفا، وهناك من الحكايات المجنونة ما يجعلك تتبعها حافيا، أو على ظهور الخيل نحو أقاليم الغواية. فجأة..رأيتُ السيد ذا السترة السوداء الطويلة وقد صعد فوق المقعد الحجري. بدا شديد الطول. بدأ يقرأ قصة للتركي «عزيز نسين» بصوت عال زاده المكانُ الصامت وضوحا، وبحركات إيضاحية منتقاة تلمّح أنه لا بد ينتمي إلى عشاق فن المسرح أو ما يشبه ذلك. التفت نحوه الجميع. السيدة صاحبة الكلب ذي النظرة الآسرة أول من تحركت نحوه، ثم شاب بعد أن ترك ما كان بين يديه، ثم سيد مسن يتقدم نحوه ببطء رافعا رأسه المتعب وكأنما يجر جسده من خلفه جرا. ثم اقتربت الفتاة المقرفصة بعد أن مسدت قليلا على ركبتيها. رجل وامرأة بالزي الرسمي لعمال القطار. تتدلى الصفارتان على صدرهما. السيد ذو السترة السوداء الطويلة يستأثر بالانتباه يتكاثر المسافرون من حوله. لولا أن العصافير طارت بغتة .القطار يقترب بصوته الذي يغطي على صوت الرجل ذي السترة السوداء الطويلة وعلى قصة عزيز نسين. تنطلق صفارة عامل المحطة. سيقلع القطار. ستبقى العصافير لتدسَّ في دم سلالاتها حكاية جديدة. - بْقاوْ على خير.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.