أشكال اللوحة من البديهي أن تأخذ هذه التقنية المبتكرة أشكالاً مختلفة على سطح اللوحة ذات الطبقات الإريكيولوجية المتداخلة لولا أنّني في كتابي (زلزلة الحداثة العربية ) كنت قد شرحت أشكالاً من القصائد يمكن، بسبب غنى تجربة جمال و تنوعها، مقاربة إيقاع لوحته من خلالها: - اللوحة الغنائية : و يمكن أن تجد معادلها في اللوحة العادية من حيث الحجم و المواضيع كرسم الوجوه و الأجساد المفردة مثل رسم زنوبيا و غيرها من الشخصيات. - لوحة التقاسيم الموسيقية : و يمكن رؤيتها فيما أطلق عليه الناقدان مانوس ستيفانيديس و كلاوس سيباستيان بالزخرفة. و كما هو معلوم كانت الزخرفة هي الشكل الشائع في رسوم القرون الوسطى العربية. و نجد هذه الزخرفة الموسيقية كتفاصيل للوحة جمال و في مستوياتها أو طبقاتها العميقة و غالباً ما تكون تموجات نباتية و حروفية راقصة، وأحياناً مرفقة بأحراز و تمائم . غير أنّ لوحة أرجل الأحصنة الراكضة هي ما أبرز ما يعبّر عن هذا الشكل كعمل مستقلّ. - اللوحة البانورامية، و هي سمة للرسم و النحت استعرتها لشكل القصيدة و أعيدها إليهما، و هي ذات سمة تجميعية لعدد من الكتل من أمكنة و أزمنة مختلفة وفق رؤية أدبية لما يراد التعبير عنه فنياً. كأن تجمع اللوحة بين الأجساد الإغريقية المجنحة و الأعمدة التدمرية و الأحصنة. - اللوحة السيمفونية : و هي تآلف هارموني بين جميع إيقاعات الأشكال السابقة وأنغامها اللونية. و ربما أكثر ما تتجلى في لوحة الحصان و بشكل ما في لوحة التجار الصينيين و لوحة النساء. و مثلما يبدو هذا الشكل مبتكراً في القصيدة، هو كذلك في اللوحة مع اختلاف أنّ التآلف الهارموني قد يكون تزامنياً بسطح متعدّد المستويات الأفقية كما في لوحة الحوريات و الأحصنة. بينما هو تعاقبي عمودي في لوحة الحصان. و ربما يكون الشكل السيمفوني للوحة مرتبطاً أكثر بموضوعها كأن تأخذ تقنية النحت بما توحيه من صلابة و قسوة طراوتها و نعومتها من شفافية الحرير، و إيقاعها و رقصها من رشاقة الحصان، و قوتها التعبيرية من مكابدة هذا الحصان على الطريق، من غير تجاوز ما للتفاصيل و الألوان من دور في هذا الهارموني السيمفوني. ألوان متوسطية و كوسموبوليتية سلمية تميل لوحات جمال إلى الألوان الدافئة و الترابية لتمنحها الألوان المحايدة سطوعاً و نقاء، و ربما استخدامه للألوان الطبيعية بشكل بدائي من ثمار الزيتون و قشر الرمان و المحار يمنحها تدرّجات نادرة لا توفرها الأحبار الصناعية، لتعبّر عن ارتباط إضافي بأرض المتوسط و ذاكرتها. و ربما حضور اللون الأحمر يذكّر بالأرجوان الفينيقي في لوحة النساء كدلالة على العشق، ولكنه يحضر في لوحات أخرى ليتوافق و رؤية جمال السلمية و المحبة للعالم و الوجود. وربما هذه الرؤية هي ما أوحت له بمشروع طريق الحرير للتذكير بإمكانية كوسموبوليتية السلام والحرية بعيداً عن الحروب والغزو. و هذا سبب آخر لوصف جمال بالرسام العالمي لا يقلّ أهمية عن تقنيته بما يوفّره من استحضار للذاكرة المتوسطية و الآسيوية على شكل ألوان وخطوط. و بطبيعة الحال لا يمنع هذا الوصف أن يكون لهذه الألوان و الخطوط وظيفة نستالجية خاصة، توقظ الحنين إلى الوطن الجغرافي، أو إلى حضارته الغابرة في تدمر، و كيف تعرّضت لأشدّ أنواع الظلم. على الأقل هذا ما يمكن مشاهدته في لوحة تحاكي رأس تمثال لزنوبيا، و قد رمّم لها جمال أنفها كإعادة اعتبار فنّي رائع. و ربما أعاد العالم لحضارة زنوبيا شيئاً مستحقاً من خلال احتفائه اللافت بأعمال الرسام جمال جرعتلي، فقبل اختيار لوحاته لترافق التقويم اليوناني، استضاف متحف بيناكي في أثينا معرضه طريق الحرير 2016. و تمّ تأليف كتاب عنه برعاية الناقدين العالمين مانوس ستيفانيديس و كلاوس سيباستيان ليباع في جميع متاحف العالم.