آمنة/ ب ينتظر الأطفال العطلة الصيفية بفارغ الصبر، من أجل إفراغ طاقتهم في اللعب واللهو بعيدا عن الدراسة وأعبائها، فمن الألعاب الالكترونية والاجتماع مع الأقران إلى الخروج مع الأهل في نزهات ورحلات استجمام، في حين يتحمل معظم أبناء الأسر الفقيرة المسؤولية قبل الأوان بسبب الظروف الاجتماعية القاسية ولا يرون من العطل سوى التعب والشقاء وتكبد عناء الحر، بعضهم لتوفير مصاريف الدخول المدرسي والبعض الآخر لتوفير القوت اليومي. لم تعد رؤية أطفال لا يكاد سنهم يتجاوز التاسعة أو العاشرة من العمر يجوبون الشواطئ تحت أشعة الشمس الحارقة وفي يدهم قفة "البنيي"، "المحاجب" "الكاوكاو " وغيرها من السلع تثير استغراب أحد، فقد أصبح المشهد مألوفا في بلادنا عبر الشواطئ ومحطات النقل أو الأسواق و الحمامات وغيرها، وفي حديثنا إلى طفل كان يبيع "المحاجب" بأحد شواطئ زرالدة، أكد أنه مضطر لذلك بسبب الفقر الذي تعاني منه أسرته، فأمه تحضر كمية كبيرة من "المحاجب" منذ الصباح الباكر ليتكفل هو بمهمة بيعها ويقدم لها ما يجنيه في المساء، وعند اقتراب وقت الدخول المدرسي تعتمد على ذلك المال لاقتناء المحافظ والأدوات المدرسية له ولباقي إخوته. أما صالح فهو مراهق في الرابعة عشر من العمر يبيع قارورات الماء البارد في محطات نقل المسافرين ويظل يحوم حول الحافلات تحت أشعة الشمس الحارقة وهو ينادي "سعيدة باردة"، وقد تبين لنا بعد الحديث إليه أنه توقف عن الدراسة منذ سنوات، فبعد أن كان يعمل خلال العطل فقط، فضل التوقف تماما عن الدراسة ليتفرغ للعمل طوال السنة، وفي كل مرة يغير مجال تجارته، فمن التجول في الأسواق لبيع الأكياس وغيرها خلال الشتاء، يحول النشاط في الصيف إلى بيع المياه المعدنية الباردة التي يجني من خلالها 5 دج في القارورة الواحدة، وهو مبلغ ليس بالهين حسبه، فهو كفيل بتوفير قوت عائلة كاملة. أما مروان 13 سنة، فقد التحق بعالم الشغل كبائع للأكياس البلاستيكية بساحة الشهداء. التقينا به عند مدخل سوق زوج عيون الذي تحول إلى أكبر سوق يشهد اكتظاظا يوميا للزبائن الذين يتوافدون عليه بالآلاف، وغالبا ما يدخلون السوق دون أن يلتفتوا إلى الأكياس التي أحملها أنا و أصدقائي لكنهم يبحثون عنا بأنفسهم عند الخروج خاصة النساء اللواتي يحرصن على شراء "ساشي شباب "، هكذا قالها مروان ضاحكا، وهو يتذكر الكثير من الطرائف مع السيدات، فمنهن من ينادها بأختي ومنهن من لا يتردد بمناداتها "يما" فيرق قلبها نحوه. ويضيف أن الكثيرات يدفعن له قطعة 20 دج ويتنازلن عن الباقي عن طيب نفس وخاطر، وهناك من تعطف عليه وتمنحه قطعة نقدية خلسة وكأنها تخفي صدقتها حتى لا تحرجه، خاصة في أوقات يقول مروان أنها عصيبة كالبرد الشديد أو الحر. يقول سمير بائع صغير بالأقواس "ساحة الشهداء"، مازال يتمتع بنوع من الحياء في التعامل مع الزبائن كونه جديدا في الميدان "مازلت أدرس وسألتحق بقسم الخامسة ابتدائي الموسم المقبل ولا أبيع الأكياس إلا عند خروجي من المدرسة وأستغل عشية الاثنين والخميس لأنني لا أدرس فيهما"، ثم يضيف ضاحكا "أحيانا ألتقي آنستي وجها لوجه فأختبئ منها" ويقصد معلمته، خاصة وأنها غير راضية عن عمله. هذا، وقد سبق وأن حذرت والدته من إرساله إلى السوق للعمل لأن هذا سيؤخره عن الدراسة، حسب ما أخبرنا به، لكن سمير يؤكد أنه يحب المدرسة ولا ينوي مغادرة مقاعدها، لكن الفقر هو الذي دفع به إلى امتهان بيع الأكياس البلاستيكية التي يجلبها له والده كي يساعده في مصروف البيت، يقول أيضا أن والده يشتريها بالجملة وهي رخيصة بثمن الجملة، لكن التجزئة تجعل فيها ربحا وفيرا غالبا ما تفرح به والدته، خاصة في المناسبات وعلى رأسها شهر رمضان الأخير الذي عمل فيه وكسب جيدا ليس فقط في بيع الأكياس، بل "المطلوع "أيضا و"الديول"، مما دفع والدته إلى شراء كسوة العيد كما لم يسبق أن فعلت، أما عن أيام البرد والحر الشديد، فيقول سمير "والدتي تخاف على صحتي وترفض أن أعمل حين يسقط المطر، خاصة وأنني أعاني من الحساسية الصدرية والبرد والمطر يزيد حالتي سوءا". ولم يتردد سمير الذي فتح لنا قلبه في القول، إن هذا العالم مليء بالمشاكل، وأن البائع الجديد مثله يتعرض إلى المضايقات حتى لا يزاحم القدامى في رزقهم، هذا من ناحية، كما أنه من ناحية أخرى معرض هو الآخر إلى السرقة عند نهاية اليوم أي عند استواء الغلة التي يجمعها ليعود بها إلى أهله. ويضيف سمير أن الباعة القدامى الذين يرفضون تواجده هم الذين تآمروا على سرقته عدة مرات في بداية التحاقه بالعمل في زوج عيون، وذلك ليكره العمل ويقصد بذلك يسأم ويترك المكان، لكنه أصر على البقاء لأن "الغاشي كامل فيه"، وبالتالي الربح فيه أيضا. وفي الأخير وحينما استفسرنا عن آماله وطموحه في المستقبل، قال أنه يتمنى أن يكمل تعليمه وألا يضيع في الشوارع كهؤلاء الذين يسكنون الأسواق منذ مطلع الفجر وإلى أن تغرب الشمس، ولهذا فهم يكرهونه لأنهم يعلمون أنه متمسك بالمدرسة والتعليم وليس"ضايع". ويعترف سمير وبراءة الأطفال في عينيه بأن النجاح في هذا العمل يتطلب أن يكون البائع حسن الكلام "ظريف" حتى يستعطف الزبائن، وهو اعتراف ضمني أن الدافع الأول لأغلب الزبائن هو الشفقة والعطف عليه وعلى غيره من الباعة الصغار وليس الحاجة الماسة للكيس البلاستيكي. أمثال مروان صاحب ال13 سنة وسمير الذي لا يتعدى العشر سنوات كثيرون وتكتظ بهم أسواقنا اليومية الفوضوية والنظامية، فضلوا بيع الأكياس البلاستيكية على أي منتج آخر لأنها تضمن لهم الحركة بحرية تامة من مكان إلى آخر ومن سوق إلى سوق كما أنها بضاعة وزنها خفيف وربحها معقول ولا تفسد أو يصيبها العطب، كل ذلك جعل من بيع الأكياس البلاستيكية مهنة أدمن عليها العشرات من أطفال الأسر المعوزة والفقيرة أو تلك التي تعاني من غياب المعيل بسبب اليتم أو الطلاق أو التفكك الأسري. فالكثير من أولياء الأسر وجودهم كعدمه حسب وليد الذي اختار بيع الأكياس البلاستيكية بسوق علي ملاح المجاور لحيهم حتى يوفر على نفسه ثمن التنقل أو عناءه. وفي حال وليد صاحب ال14 ربيعا الحال أسوء لأنه طفل يعاني من تدهور في حالته النفسية بسبب إهمال والده له ولأسرته فهو موجود بينهم، ولكنه عالة ينتظر منهم أن يعملوا ويأتون له بالغلة، والأغرب بالنسبة لوليد أن والده لا يسأله حتى من أين يأتي بالمال، كما أنه لا حوار بينه وإخوته وبين الوالد إلا شكواه الدائمة، يقول أنهم رغم صغر سنهم، إلا أنهم حفظوا عن ظهر قلب أسعار المواد الغذائية وكلما ارتفعت أعلمهم بذلك وكأنهم المسؤولين عن البيت والميزانية. يعقب وليد بقوله "أنه يغار حينما يرى أولياء أصدقائه وأقربائه حريصين عليهم وعلى دراستهم، ورغم صغر سنهم أقسم على أنه لن ينجب أطفالا في المستقبل إلا إذا وفر لهم الإمكانيات لعيش كريم".
عبد الرحمن عرعار: استغلال جنسي وانتهاكات خطيرة يتعرض لها الأطفال في سوق العمل أكد عبد الرحمن عرعار، رئيس شبكة ندى لحماية حقوق الطفل في تصريح للحوار، أن ظاهرة عمالة الأطفال التي ترتفع صيفا ناتجة عن سوء الظروف الاجتماعية للكثير من العائلات الجزائرية، وعليه يضطرون إلى إرسال صغارهم للعمل ما يجعلهم يتعرضون لجملة من الانتهاكات والتحرشات ويصل بهم الأمر إلى الوقوع في وضعيات يعاقب عليها القانون، حيث يقعون بين أيادي أشخاص منحرفين ومجرمين يستغلونهم جنسيا ويعلمونهم تعاطي المخدرات والشيشة وغيرها. وأضاف المتحدث ذاته، بأن انعدام التكفل بترفيه الأطفال وتسليتهم يدفع بهم أيضا إلى العمل لقتل الفراغ، فالشواطئ مملوءة والمؤسسات مملوءة ولا توجد فضاءات ومرافق للتسلية، كما أن الفقر والحاجة أجبرا الأسر لدفع أبنائهم إلى الشارع أثناء العطل، الشيء الذي يؤثر سلبا على حياتهم ومسارهم الدراسي، حيث أن الكثير من الأطفال يغادرون مقاعد الدراسة بصفة كلية بسبب دخول عالم الشغل المبكر ومنهم يعودون إلى مزاولة دراستهم وهم في حالة عالية من الإرهاق والتعب، وفيما تعتبر العطلة فرصة للترويح عن النفس وتجديد الطاقة لاستقبال عام جديد من الدراسة والاجتهاد، تعود هذه الفئة من الأطفال إلى المدارس بعد رحلة عناء طويلة ما يؤثر على استيعابهم وأدائهم الدراسي. كما أوضح رئيس شبكة ندى لحماية حقوق الطفل أنه بالرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية لعدد الأطفال العاملين في الجزائر، إلا أن الواضح هو أن الظاهرة في تزايد وانتشار، ولا يوجد حد أدنى لسن الأطفال العاملين، فمن الممكن أن تجد طفلا لا يتعدى عمره التاسعة أو حتى السابعة يزاول أعمالا كالبيع في الشواطئ أو على حواف الطرق السريعة.
300ألف طفل عامل في الجزائر كما قدرت من جهتها "الفورام" عدد الأطفال الذين يتم استغلالهم في عالم الشغل بالجزائر ب300 ألف طفل، وقد أظهرت نتائج التحقيق الذي أنجزته حول 2979 طفل، أن الظاهرة تستدعي دق ناقوس الخطر، إذ كشفت أن 77 بالمائة من الأطفال المشغلين في مهن غير لائقة هم من الذكور مقابل 23 بالمائة من الإناث، أما مستواهم التعليمي فقد أظهر التحقيق أن 31 بالمائة من الأطفال متمدرسين وأنهم يمارسون أعمال موازاة مع الدراسة، في حين بلغت نسبة الذين لفظتهم المدارس 37,5بالمائة كما أقرّ نسبة 31 بالمائة من العمال الصغار تركوا مقاعد الدراسة بمحض إرادتهم، علما أن الجزائر العاصمة احتضنت أكبر عدد من هؤلاء بعدد 679 طفل عامل. وعن نوعية الأعمال التي يمارسها هؤلاء الأطفال، بينت نتائج التحقيق أنه ثبت ممارسة أكثر من 60 حرفة من طرف هؤلاء الأطفال في جهة من الوطن خلافا لجهة أخرى، أو حسب مميزات كل منطقة، حيث أكدت النتائج إقبال الأطفال على ممارسة النشاط الزراعي "57 طفلا ممارسا للنشاط الزراعي"، وحرفة الرعي استحوذت عددا كبيرا من عمالة الأطفال " 197 طفل"، ومربو ماشية "48 طفل مربي للماشية". وتشير تقديرات اليونيسيف، إلى رقم ناهز ال150 مليون طفل، تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و14 سنة في البلدان النامية، أجبرتهم الظروف القاسية إلى ولوج سوق العمل مبكرا.