يحيى عياش الحلقة 8 " يجب على يحيى أن يسلم نفسه، وإلا فإنه سوف يموت، وسوف نهدم المنزل على رؤوسكم "، بهذه الكلمات هدّد أحد الضباط الصهاينة والد القائد يحيى عياش، حينما اقتحموا البيت باحثين عنه بعدما اكتشفوا بأنه مهندس أخطر العمليات وأشدها أثرا على العدو الصهيوني. أصاب يحيى عياش عمق الكيان الصهيوني وكسر جبروته، كما نفذ إلى قلوب الفلسطينيين وكسب حبهم، فهو الرجل الذي قلب معادلة الجهاد في فلسطين ونقلها نقلة نوعية بعمليات هائلة نحتت اسمه على جدران تاريخ فلسطين المعاصر، ليكون بحق أسطورة ستبقى ملهمة لكل الأجيال الفلسطينية المتعاقبة. كان لآل عياش تاريخ نضالي مشرف، حيث شاركوا في الانتفاضات والثورات الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني منذ وعد بلفور وحتى الثورة العربية الكبرى عام 1936، لكن لم يتصور أحد من تلك الأسرة العريقة أن ذلك الطفل الذي ولد في مارس من سنة 1966 سيكتب لوحده صفحات نادرة من تاريخ المقاومة في فلسطين. كان القائد يحيى عياش منذ صغره هادئا لا يحب الاختلاط مع أقرانه، لعل ذلك الهدوء كان يخفي وراءه سرا لم يكشف عنه إلا بعد سنوات، كان التفوق سمته البارزة طيلة مسيرته الدراسية حتى تحصل على الثانوية العامة بتفوق واقتدار ليلتحق بجامعة بيرزيت لدراسة الهندسة الكهربائية، وخلال سنواته الدراسية التي توافقت مع الانتفاضة الأولى بدأ ينشط في صفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس، استثمر ذكاءه وتميزه الدراسي في البحث عن حلول لمشكلة شح إمكانيات المقاومة وقلة السلاح المتوفر لديها حتى توصل لحل المشكلة بتصنيع المواد المتفجرة من المواد الكيماوية الأولية التي تتوفر بكثرة في الصيدليات ومحلات بيع الأدوية والمستحضرات الطبية. استكمل يحيى عياش أبحاثه لتطوير المواد المتفجرة والانتقال بالجهاد نقلة نوعية عبر تنفيذ عمليات عسكرية نوعية وتحديد أهداف موجعة للعدو خاصة بعدما وصل لمبتغاه واستطاع تحويل المواد الكيميائية إلى متفجرات، وكان أهم تلك العمليات التي خطط لها العياش وقام بتصنيع قنابلها تفجير داخل حافلة ركاب في شارع ديزنغوف في مدينة تل أبيب نفذها الاستشهادي "صالح نزال" وهو مقاتل في كتائب الشهيد عز الدين القسام قام بتفجير نفسه في 19 تشرين أول 1994، مما أدّى إلى مقتل 22 وجرح ما لا يقل عن 40 آخرين، حتى اضطر رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين لقطع زيارته لبريطانيا والعودة للاجتماع بقادته الأمنيين، لقد جعل يحيى عياش بنضاله الصهاينة يتوجسون خيفة من ركوب الحافلات لكثرة العمليات الاستشهادية التي نفذت بتخطيطه وتدبيره. نتيجة لكل ذلك أصبح اسم يحيى عياش يشكل هاجسا للقيادات الصهيونية، فلقد كان يملك قدرة فريدة على التخفي والتمويه، ومما زاد في حيرة المحتل وأثار جنونه حينما انتقل يحيى عياش من الضفة الغربية إلى قطاع غزة على الرغم من كل الكمائن التي نصبها المحتل في سبيل القضاء عليه. ومما يدل على حالة التخبط التي كان يعيشها جيش الاحتلال، ما جاء في تصريح الجينرال جدعون عيرزا، الرئيس السابق للشاباك " إن نجاح يحيى عياش بالفرار والبقاء حوّلته إلى هاجس يسيطر على قادة أجهزة الأمن ويتحداهم، فقد أصبح رجال المخابرات يطاردونه وكأنه تحد شخصي لكل منهم، وقد عقدت اجتماعات لا عدد لها من أجل التخطيط لكيفية تصفيته لقد كرهته، ولكني قدرت قدرته وكفاءته "، لكن الله اختار لقصة هذا البطل أن تنتهي وهو في الثلاثين من عمره، فبعد أربع سنوات من المطاردة استشهد البطل يحيى عياش في مطلع العام 1996 نتيجة مادة متفجرة استطاع جهاز الشاباك بعملية استخباراتية معقدة أن يضعها في هاتفه المحمول، وبعدما ذاع خبر استشهاده خرجت المئات لتشييعه في جنازة عظيمة يحملون ذلك البطل الذي ظل يعمل في الخفاء لسنوات يصنع القذائف ويخطط للعمليات ويثخن في العدو، عم الإضراب كامل فلسطين وخرج الجميع لتشييع المهندس (كما يلقبونه)، وقد أقسموا بأن يقفوا دوما خلف الصادقين بوعدهم في المقاومة حتى التحرير المنشود باذن الله.