الدكتور قادة جليد الحلقة 03 وفي هذا الإطار يمكننا أن نقول أنّ الواقع الألماني والتغيرات الدولية المحيطة تعتبر العوامل الأساسية في توجيه فلسفة هيجل، ولقد جاءت فلسفته لتستوعب تناقضات الواقع من خلال الكشف عن المبادئ الحقيقية التي تحكمه، وبالتالي أراد أن يجري مصالحة بين الفكر والواقع. وفي هذا المعنى، يقول الدكتور زكريا إبراهيم: « والواقع أنّ هيجل قد عاصر فترة حرجة من فترة الحضارة الأوربية، فلم يكن من الغرابة في شيء أن تجيء فلسفته مصبوغة بتلك الصبغة الدرامية أو المأساوية التي اتسم بها عصره، وهذا ما حدا ببعض النقاد إلى القول بأنّ نظرية هيجل في السلب والتناقض ليست سوى مجرد انعكاس لروح التمزق والتصدع التي سادت العالم الغربي في مطلع القرن التاسع عشر، وليست عبارات التوتر والانقسام والاغتراب والازدواج والتعارض والتناقض سوى مجرد تعبير عن إحساس هيجل بالحاجة إلى الوحدة والهوية والتوافق والتصالح والألفة والانسجام، ومن هنا فقد ذهب هيجل إلى أنّ المهمة الأساسية التي تقع على عاتق الفلسفة، إنّما هي العمل على محو المتعارضات من أجل بلوغ أعلى درجة من درجات التصالح أو التوافق». لقد كان هيجل يبحث إذن عن الإنسجام بين الفكر والواقع، ولكن قبل حصول هذا التصالح لا بدّ من تشخيص الواقع الرمادي الذي أنجز دورته بالفعل، والفلسفة في نظر هيجل هي التي تقوم بهذا الدور التاريخي والحضاري لأنّها تأتي دائما متأخرة، يقول هيجل: « بقي أن نسوق كلمة أخرى حول العالم الذي ينبغي أن يكون، والذي يقال إنّ الفلسفة تبشر به، إذ يبدو أن الفلسفة تأتي متأخرة أكثر مما ينبغي بالنسبة لهذه المهمة، فهي بوصفها فكرة العالم لا تظهر إلى حين يكتمل الواقع الفعلي وتنتهي عملية تطوره، إن الدرس الذي تعلمه لنا الفكرة الشاملة، وهو أيضا درس يكشف التاريخ عن أنّه ضروري ولا محيص عنه، هو أنّه حين ينضج الواقع الفعلي، فعندئذ فقط يبدأ المثل الأعلى في الظهور ليجابه عالم الواقع ويواجهه، وليبني لنفسه في صورة مملكة عقلية، ذلك العالم الواقعي ذاته مدركا في وجوده الجوهري، وحين ترسم الفلسفة لوحتها الرمادية فتضع لونا رماديا فوق لون رمادي، فإنّ ذلك يكون إيذانا بأن صورة من صور الحياة قد شاخت، أو أن شكلا من أشكال الحياة قد أصبح عتيقا، لكن ما تصنعه الفلسفة من لون رمادي فوق لون رمادي لا يمكن أن يجدد شباب الحياة ولكنه يفهمها فحسب، إن بومة منيرفا لا تبدأ في الطيران إلاّ بعد أن يرخي الليل سدوله ». وما يمكن استنتاجه من هذا النصّ الفلسفي الواضح لهيجل، هو أن الفلسفة تأتي لتلخّص الواقع في الفكر، ويأتي تلخيصها لهذا الواقع بعد أن يصل إلى مرحلة النهاية، وبالتالي ضرورة الانتقال من واقع رمادي إلى واقع جديد، ولشرح هذه الفكرة أكثر يقول الدكتور إمام عبد الفتاح إمام «والمقصود هو أنّ الفلسفة تعبّر عن قمّة البناء الذي هو القمّة و النهاية في آن معا، فبناء الواقع لأنه وصل إلى القمّة وبدأت النظرات الفلسفية تلخصه في الفكر، فإن ذلك يعني أنه على وشك الأفول، وحين تقوم الفلسفة برسم لوحتها فإنها لن تستطيع تجديد شباب هذا البناء الهرم فإذا كان البناء السياسي شائخا أو باهتا فمهما وضعت الفلسفة من ألوان رمادية ومهما لونته من نظريات فلا بدّ له أن ينهار، ومهما دافعت عنه الأفكار الفلسفية فإنّها لن تعيده شابا من جديد، بل إنّه حين يوضع في نظريات فلسفية، فإنّ ذلك يعني في الحال أنّه وصل إلى تمامه وأنّه على وشك الأفول». وما يمكننا قوله أنّ فلسفة هيجل واقعية في تأسيسها وأسسها، وأنّ هيجل يحبذ المتحقق في الفكر حتى ولو كان بسيطا وقليلا على الفكر الذي لم يتحقق ولو كان واسعا وعظيما، وبعد ذلك أو ليس هو القائل « إنّ أصغر عمل متحقق لهو أكبر قيمة من أجمل فكرة لم تستطع أن تتجاوز دائرة الإمكان فبقيت مجرد مشروع ». وهذا هو باعتقادنا الدرس الكبير الذي يجب أن نتعلمه من فلسفة هيجل، إنه درس كبير ويحتاج منّا كلّ الإصغاء والنظر والتأمل.
– هيجل وأزمة ألمانيا: إذا كان الإنسان ابن عصره وزمانه، وهي مقولة هيجلية في عمقها، فإنّ من يجسد هذه المقولة بحق هو هيجل نفسه، فلقد كان التأخر التاريخي الألماني خاصة في جانبه السياسي هو بؤرة اهتمامه الفكري، بالإضافة إلى المشكل الديني، فلقد كان هيجل يحمل في ذاته شكلا من أشكال الوعي الشقي، إنّه يحمل في ذهنه واقعا أفضل لألمانيا، هذا الواقع الذي هو في طور المثال ولم يتحقق بعد أمام الواقع الراهن الذي تبدو فيه ألمانيا دولة عجوز، ومن هنا فإنّ هيجل كان مدفوعا دفعا للتفكير في أحداث عصره، هذه الأحداث التي كانت سريعة ومفاجئة في عمومها، لذلك فإنّ المشكلة السياسية عند هيجل تشكل الركن الركين وحجر الزاوية في فلسفته بصفة عامة، وهذا ما يؤكده الدكتور زكريا إبراهيم عندما يقول «ولكنّ هيجل لم يقتصر في هذه المرحلة على الإهتمام بالمشكلة الدينية، وإنّما هو قد أبدى أيضا إهتماما كبيرا بالمشكلة السياسية، وقد كانت ألمانيا في ذلك الوقت ضحية للفساد السياسي وسوء الإدارة والإنقسامات الداخلية، فكان من الطبيعي لمفكر وطني مثل هيجل، أن يشغل نفسه بالتفكير في حل ناجح لمشكلة بلاده، والواقع أننا لو أمعنّا النظر إلى تطور هيجل الروحي خلال الفترة التي قضاها في توبنجن لتحققنا من أنه كان على وعي تام بأنه كان يحيا في فترة أزمة: أزمة خارجية هي أزمة ألمانيا نفسها، وأزمة داخلية هي أزمته الدينية الخاصة، والذين يقيمون ضربا من التعارض بين هذين الإهتمامين إنّما يتناسون أنّ هاتين الأزمتين لم تكونا في الحقيقة سوى واجهتين لمشكلة واحدة بعينها، ومن هنا فإنّ كل تطور هيجل الروحي في تلك الآونة، إنّما كان متجها نحو البحث عن حل لتلك الأزمة المزدوجة ». لقد كانت الأطر الاجتماعية للعصر والتحولات التاريخية تقولب الفكر الهيجلي وتوجهه إلى مصيره، وهو التفكير في الواقع الألماني من خلال التفكير في مفهوم الدولة والشعب والسيادة، بل يمكن أن نقول أنّ هيجل قد ربط مصيره بمصير ألمانيا، وبالتالي لم يكن ليقبل أن تكون صورته امتدادا لصورة ألمانيا، وبالتالي كان اهتمامه بالسياسة اهتماما مصيريا، ويمكننا أن نقول: « إنّ السياسة كانت موضع اهتمام هيجل، بل وشغله الشاغل طوال حياته، فقد كان يعيش في عصر تاريخي إلى أقصى حد، وكان يتتبع الأحداث يوما بيوم، فهو القائل : (إنّ قراءة الصحف هي لون من ألوان صلاة الصبح)، مستوحيا إياها من قضايا الساعة، وليس من قبيل المصادفات أن يكون أول وآخر أعماله المنشورة، والتي اهتم بدفعها إلى النشر بالفعل، عبارة عن كتابات سياسية وليست أعمالا فلسفية خالصة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ». ومن أبرز كتبه التي تناول فيها أزمة الواقع الألماني بالتشخيص وبنبرة حادة كتاب (دستور ألمانيا)، وهو من الكتابات المبكرة لهيجل الشاب، الذي يعكس من خلاله أحلامه الوطنية وشعوره القومي، وهذا الكتاب في حقيقة الأمر « وصف رائع للتمزق الذي كانت تعاني منه الأمة الألمانية في عصره، فالأمبراطورية الألمانية تجزأت إلى دويلات صغيرة بغير قانون موحد ولا دستور واحد ولا مجلس نيابي قادر على سنّ التشريعات المختلفة أو عملة واحدة، ويصف هيجل حالة ألمانيا بقدر غير قليل من الحزن والأسى، حيث يقول: (لم تعد ألمانيا دولة)، ولهذا سقطت مترنحة تحت أقدام الغزاة من الفرنسيين، فعندما طرقوا الباب طرقات خفيفة انفتح على مصراعيه، ولا أحد يدافع عن ألمانيا سوى بالخطب والكلمات والعبارات الرنانة ». إنّ إدانة هيجل للواقع الألماني يعني إثارة الشعور الوطني والقومي للألمان أمام شعوب أوربا الأخرى التي كانت تعيش أوضاعا أحسن من الوضع الألماني المأزوم، فلقد كان هيجل يقول بمرارة ( إنّ ألمانيا لم تعد دولة) وهذا صحيح من الناحية العملية، لأنّ ألمانيا لم تكن « لتشكل هيئة سياسية قومية، لقد كانت أمبراطورية تتألف من 360 دولة، حتّى أنّ وسط ألمانيا وغربها كان عبارة عن فسيفساء سياسية تضم دولا صغيرة جدا، تتألف الواحدة منها من دوقية أو قصر أو مدينة أو إمارة كنسية، وإذا كانت بروسيا تضم 2.5 مليون نسمة من السكان، وهي أكبر دوقية، فمن الممكن تصور حال الدول الأخرى ».