افتتاح الملتقى الدولي حول أصدقاء الثورة الجزائرية اليوم    الرئيس تبون يحل بإسطنبول في إطار زيارته إلى تركيا    المفتش المركزي بوزارة التربية: " إستحالة تسريب مواضيع امتحانات"الباك" و"البيام"    أسعار النفط تواصل الارتفاع    معرض الصناعة الصيدلانية "جزائر هالث كاير" 70مخبرا صيدلانيا بدكار    مالي : إحباط محاولة انقلاب ليلة 11 إلى 12 ماي الجاري    مؤسسات ثقافية واعلامية عربية تستحدث جوائز باسم الراحلة "شيرين أبو عاقلة"    ضرورة انخراط الجمعيات في تسيير دور الشباب لبعث الفعل الشباني    تعليمات لمتابعة المشاريع الثقافية على مستوى البلديات المستحدثة    "قارئ الفنجان" تتوج بجائزة أفضل عرض في مهرجان قرطاج الدولي للمونودراما    تخصيص 500 مليون دينار لتجهيز مستشفى إن امناس    قريبا: تشغيل ترامواي مستغانم بعد 10سنوات من الانتظار    حرائق الغابات : مشروع أرضية جزائرية-كندية لصناعة الطائرات، قيد المناقشة    مهرجان كان السينمائي 2022 : ازدحام النجوم والانترنت !    الفريق السعيد شنقريحة يؤكد: فهم التهديدات المتعلقة بالمياه أكثر من ضروري    في ظل استقرار الوضع الصحي بعد 3 سنوات من تفشي كورونا: توقع إنزال 6 ملايين سائح على المناطق الساحلية    الرئيس أردوغان: نقدر دور الجزائر في شمال القارة الافريقية ومنطقة الساحل    زعلاني يذكر بوقوفها وراء تقرير مصير الكثير من الشعوب: الجزائر حريصة على إرساء مبادئ التعايش السلمي وحقوق الإنسان    الخبير في العلاقات الدولية فريد بن يحيى يؤكد: الجزائر وتركيا أمام فرصة لدفع العلاقات الاقتصادية    مديرية الصحة طلبت سحبه من الصيدليات: تحقيقات إثر تسويق دواء مغشوش من شركة وهمية بقسنطينة    مجموعة "رونو جروب" الفرنسية اعتزام بيع فروعها في روسيا    مجلس أعلى للصحافة هو الحل..!؟    سطيف: لجنة مختلطة لمنح الاعتماد ل 100 صيدلي    بعد أربعة أيام من النشاط والمنافسة بين عديد الأفلام والوجوه مهرجان إيمدغاسن السينمائي الدولي يختتم فعاليته الفنية بباتنة    في اختتام الطبعة الثانية من مهرجان إمدغاسن    ميلة    مونديال الملاكمة للسيدات بتركيا    من أجل تعزيز قدراتها لمكافحة حرائق الغابات    أولاد رحمون في قسنطينة    أردوغان يخصّ الرئيس تبون باستقبال مميّز    بوريل يجدد موقف الاتحاد الأوروبي من القضية الصحراوية    عودة النشاط الدبلوماسي إلى طبيعته بين البلدين    إجماع على ضرورة مراجعة قانون العزل الحراري    مالي تنسحب من جميع هيئات مجموعة دول الساحل الخمس    اتحاد العاصمة يحسم الكلاسيكو    الأهلي الليبي يشن هجوما على الحكم باكاري غاساما    الموقف الأوروبي ثابت يدعم الحل الأممي بالصّحراء الغربية    مصر وإيران تتوَّجان مناصفة    محطات تفصح عن الثراء الفني لأبي الطوابع الجزائرية    المطربة بهيجة رحال تحيي حفلا في باريس    أفلا ينظرون..    حلّ غير مشروط للقضيتين الصّحراوية والفلسطينية    روسيا تحذّر من العواقب بعيدة المدى للقرار    المؤسسات الاستشفائية الخاصة تحت مجهر وزارة الصحة    بن ناصر يقترب من التتويج باللقب مع ميلان    الدرك يسترجع 41 قنطارا من النحاس المسروق    10 أشخاص محل أوامر بالقبض    القبض على سارقي دراجة نارية    تسلُّم المركّب الصناعي الجديد نهاية السنة    خرجات ميدانية للوقوف على جاهزية الفنادق    محرز "الاستثنائي" سيسجل وسنقدم كل شيء للفوز باللقب    نحضّر بشكل جِدي ل "الشان"    إعطاء الأولوية للإنتاج الصيدلاني الافريقي لتغطية احتياجات القارة    كورونا: ثلاث إصابات جديدة مع عدم تسجيل أي حالة وفاة    بشرى..    الترحم على الكافر والصلاة عليه    الحياء من الله حق الحياء    هذه قصة الصحابية أم عمارة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي الطاقة الحيوية والأفكار
نشر في الحوار يوم 28 - 09 - 2009

تحت هذا العنوان يؤكد العلامة مالك بن نبي أنه يتوجب على الفرد تلبية حاجاته الحيوية مهما كان نوع الحياة التي يحياها، سواء كان منعزلا مثل حي بن يقظان أو ساكنا في مدينة كبيرة، لهذا يتعين عليه أن ينفق من طاقته الحيوية التي خصت بها طبيعته، غير أن الطاقة هذه وهي في طبيعتها البهيمية لاتندمج مع الحياة في المجتمع، حيث أن اندماج الفرد الاجتماعي يجب أن يراعي احتياجاته من ناحية واحتياجات المجتمع الذي يندمج فيه من ناحية أخرى.
والمجتمع في الواقع يفرض قواعد وضوابط وقوانين وتقاليد وحتى بعض الأذواق والأحكام المسبقة هي بالنسبة إليه ليست بأقل حيوية، إذاً فإن إطراد اندماج الفرد يتدرج مستجيبا لطبيعته من ناحية ومن ناحية أخرى مستجيبا لنسق من أصول وقواعد في الحياة يمكن تعريفه وهو في مرحلة متقدمة بمثابة عقد اجتماعي، ومن هنا يأخذ الإطراد معنى يحدد تكليفا للطاقة الحيوية للفرد ومدرسة ''باقلوف'' أعطت الإيضاحات الأولى حول التكيف عامة.
وهنا يقول المفكر مالك بن نبي إن المهم هو التحقق من الحدود التي تعمل أو ينبغي أن تعمل في إطارها الطاقة الحيوية، كي يتمكن النشاط المنظم لمجتمع ما في جميع أشكاله من تمثلها واستيعابها.
كذلك يرى المفكر أنه لو تم إلغاء على سبيل الافتراض واحد من أشكال الطاقة الحيوية كالذي يسميه (سرج ناكوتين) مثلا بالدافع الغذائي أو دافع التملك أو الدافع التناسلي، فإن جميع الإمكانات البيولوجية لحياة اجتماعية ما سوف تلغى دفعة واحدة، وإذا افترضنا أنا فعلنا العكس، فحررنا الطاقة الحيوية من كل قيد فإن النظام الاجتماعي سيجد نفسه وقد أخلى موقعه لنظام طبيعي خالص والفرد سيعيش تبعا لذلك في ظل قانون الانتخاب البيولوجي (شريعة الغاب) التي تقصر الحياة على الأكثر قوة لا على الأفضل.
إذاً عندما تغلى الطاقة الحيوية فإننا نهدم المجتمع، وعندما تتحرر تحريرا كاملا فإنها تهدم المجتمع، لذلك يجب على الطاقة الحيوية أن تعمل بالضرورة ضمن هذين الحدين، وهنا يطرح العلامة مالك بن نبي السؤال التالي، ما هي السلطة التي تخضع الطاقة الحيوية لتحتويها هذه الحدود؟
ويجيب المفكر في نفس السياق أن هذا السؤال حينما يطرح في منشأ إطراد اندماج مجموعة إنسانية خرجت من مرحلة ما قبل التحضير، وتتأهب للانطلاق نحو مرحلة تالية، فإنه يكشف لنا طبيعة التكيف الذي يجب على الطاقة الحيوية تحمله لتضطلع بمهمات هذا الاجتياز وتستجيب لضروراته.
وبمعنى آخر، فإن السلطة التي تضمن هذا التكيف مرتبطة ارتباطا جوهريا بالعوامل التي لها دور في وجود حضارة وبوجه خاص مرتبطة بذلك الذي يلعب دورا رئيسيا في تحول مجتمع انساني بدائي (قبل التحضر) إلى مجتمع متحضر والمجتمع الجاهلي في هذه الحالة يقدم لنا صورة مثلى لهذا التطور.
في هذا السياق أيضا يقول المفكر الجزائري إنه في المبدإ نرى أنفسنا أمام طرار من المجتمعات، الطاقة الحيوية فيه غير متكيفة بشيء ما تقريبا، فالعالم الثقافي الجاهلي كان في الحقيقة شبه خال من مبادئ الالزام الاجتماعي، فمبادئه اقتصرت على بعض قواعد الشرف وشيء من الواجبات نحو المجموعة (التضامن القبلي الذي أثبت ابن خلدون أهميته السياسية في نشوء ممالك شمالي إفريقيا تحت اسم العصبية وبعض المعتقدات التي جعلت منها مكة القرشيه تجارة)، كذلك يؤكد العلامة مالك بن نبي أنه لم تكن الطاقة الحيوية قد تكيفت بشيء بعد، فقد كانت في طبيعتها الأولية التي لا تأتلف مع شروط الحياة الخاصة بحضارة.
وحينما حدث لهذا المجتمع تحول من المجتمع البدائي إلى المجتمع الحضاري لم يكن باستطاعة المؤرخ وعالم الاجتماع أن يلاحظ في هذه الحقبة من الزمن ظهور أي حادث جديد يفسر هذا التغيير، فالعالم الثقافي الذي ظهر مع الفكرة القرآنية قد كان الحدث الوحيد والعلاقة السبيبة بين الحدثين: القرآن والحضارة بادية بشكل صارم عبر تلازمها فالفكرة الإسلامية هي التي طوعت الطاقة الحيوية للمجتمع الجاهلي لضرورات مجتمع متحضر.
وفي هذا السياق يضرب لنا المفكر الجزائري مثلا من أجل أن تكون جميع الاعتبارات محدودة من الممكن تفحص حالة من تكيف الطاقة الحيوية في مجتمعين مختلفين من جهة، ثم في مجتمع واحد ولكن في عصرين مختلفين من جهة أخرى، وتوجد هذه الحالة كما يقول المفكر مالك بن نبي في تاريخ التشريع الخاص بتحريم شرب الخمر.
فهو يرى أن المجتمع الإسلامي طرح مشكلة الخمر وتضمن هيكل تشريعه ثلاثة نصوص:
1 - نص يختص بإدخال مشكلة في ضمير المجتمع الإسلامي وهو يمثل المرحلة النفسية من الحل.
-2 نص يختص بالحد من تداول الخمر وهو يوافق مرحلة تخليص الفرد من الإدمان.
3 - وأخيرا نص التحريم الذي يكرس الحل من الناحية الشرعية.
كذلك يرى أنه في مقابل هذه الصورة يمكننا أن نسجل صورة مشابهة لها تقريبا من حيث طريقة العلاج وهي تشريع محاربة الادمان (قانون التحريم) الأمريكي بعد الحرب العالمية الأولى ويشمل تقريبا مراحل الصورة الأولى نفسها.
1 - في عام 1918 أدخلت الصحافة الأمريكية المشكلة إلى الرأي العام
2 - في عام 1919 أدخلت المشكلة في الدستور الأمريكي تحت عنوان التعديل الثامن عشر.
3 - وفي العام نفسه سرى مفعول التحريم تحت عنوان إجراء فولستد Lacte VOLSTEAD
وهنا يخلص المفكر الجزائري إلى إمكانية المقارنة على ضوء التاريخ الفرق بين قدرة التشريعين على التكيف، فمنذ أربعة عشر قرنا لم يثر تحريم الخمر أي صدمه في المجتمع الإسلامي الناشئ، بينما كانت هذه الموجة في المجتمع الأمريكي الذي عاصر إجراء (فولستد) من العنف بحيث تحطمت كل الحواجز وقلبت جميع السدود والعقبات ونتج عنها ردود فعل مرضيه، كالتجارة المغشوشة وتكوين عصابات التهريب وتسمم الجمهور بخمور مغشوشة، مما أدى إلى إلغاء قانون التحريم بموجب التعديل رقم (21) المصدق عليه في ديسمبر .1933
لقد استؤصلت فكرة التحريم نهائيا من عالم الثقافة في المجتمع الأمريكي، لأنه لم يكن لها جذور في العالم، وهنا يؤكد المفكر مالك بن نبي أنه الملاحظ في العالم الإسلامي هو التراجع بخصوص مشكلة الخمر، خصوصا فيما يأخذ هذا التراجع مظهر التحدي المقصود أو غير المقصود لأبسط قواعد اللياقة، ليعطي مثلا واقعيا على ذلك فيقول إنه بوجود أربع خمارات في شاعر صغير في مدينة صغيرة (كتبسة) ويسمى هذا الشارع (بشارع النبي) هو في العصر البطولي للكفاح ضد الاستعمار نوع من التحدي في الحقيقة.
ليخلص في آخر الفصل بالقول إن الطاقة الحيوية تقوم بتفتيت المجتمع بعد أن تكون تحررت تماما وذلك بإلغاء شبكة روابطه الاجتماعية، محطمة نسقها المنظم إلى جمهرة من النشاطات الفردية المتناقضة أو تلك التي تقوم بها جماعات صغيرة، وهذه هي الظاهرة التي رآها الماركسيون في صورة صراع الطبقات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.