غياب المنافسة ألهب سوق السيارات    المسيرة عرفت انضمام المواطنين لها‮ ‬    بعد تهدئة التوترات التجارية بين واشنطن وبكين    خلال اقتحام قوات الإحتلال لمدينة نابلس    تعالي‮ ‬دعوات إنهاء الأزمة بالحوار    الجولة الثانية من دوري‮ ‬المحترفين    سيخوض سباق‮ ‬1500‮ ‬متر    من‮ ‬24‮ ‬إلى‮ ‬28‮ ‬أوت الجاري    عبر‮ ‬26‮ ‬بلدية بسوق أهراس‮ ‬    خلال حملة تطوعية بادرت بها محافظة الغابات‮ ‬    1722‭ ‬منصب شغل في‮ ‬الدخول الاجتماعي‮ ‬المقبل‮ ‬    من‮ ‬31‮ ‬أوت إلى‮ ‬3‮ ‬سبتمبر المقبل    بحضور جمهور‮ ‬غفير    في‮ ‬كتابه‮ ‬الشعر في‮ ‬عسير‮ ‬    بعد استكمال‮ ‬5‮ ‬سنوات خدمة‮ ‬    فيما تتواصل عملية إجلاء المرضى للجزائر‮ ‬    ضمن الحركة القضائية الأخيرة‮ ‬    لحوار وطني‮ ‬جامع لا إقصاء فيه    للخروج من الأزمة السياسية‮ ‬    20 أوت 1955 و 1956، محطتان مفصليتان من تاريخ الثورة    خفض (أوبك+) بلغ 159% في جويلية    رئيس الحكومة يتخلى عن الجنسية الفرنسية    توقيف عنصر دعم للجماعات الإرهابية بتمنراست    الثراء الفاحش.. كان حلما جميلا فصار واقعا مقززا    الجزائر تشارك في الاجتماع الثامن بفالنسيا    تنصيب الرئيس والنائب العام لمجلس قضاء معسكر    ترقية 42 مركز تكوين إلى معاهد متخصصة    حضور مميّز لفنانين من فئة ذوي الاحتياجات الخاصة    التحلي بالوعي والمسؤولية لمواجهة التحديات الأمنية    "الرئيس الانتقالي" خطر على أمن البلاد    خلق 4 أقطاب امتياز لترقية السياحة الداخلية    رئيس الوزراء الإيطالي يعلن عن استقالته    أكاديمي أمريكي يدعو إلى تمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره    إصابة شاب في حادث مرور    أول تعليق من الأفلان على دعوة منظمة المجاهدين لحل الحزب    ارتفاع عدد وفيات الحجاج الجزائريين إلى 21 شخصا    شريف الوزاني يتهم «أطرافا» بزعزعة استقرار النادي    زفان يقترب من إسبانيول برشلونة    السينما الجزائرية    ثروة تاريخية منسية    60 درجة بأدرار تفرض حظر تجوال بعد الزوال    العقارب تخرج من جحورها و تلسع 426 شخصا وتنهي حياه طفلة    .. جاني راجل بشار صَابته بختة في «لاڤار»    هيئة الحوار تثمن موقف أعيان عشائر ميزاب    «قيظ الصيف المشتد»    تتويج الشاعر العراقي خالد حسن    شباب بلوزداد غدا في نجامينا    الناي سيد الآلات الموسيقية بالأعراس    300 مقعد بيداغوجي جديد في شبه الطبي    توقيف رجل عثر في صندوق سيارته على جثة زوجته    تضع توأمين بينهما 11 أسبوعا    أكثر من 180 ألف مؤسسة تحصلت على الرقم التعريفي الإحصائي    تدخل "ديزني لاند" بتذكرة عمرها 34 عاما    الحكومة تتدخل لإنقاذ مصانع السيارات "من الموت"    الذنوب.. تهلك أصحابها    التّربية الوقائية في الإسلام    ذكر الله... أيسر العبادات وأسهل الطّاعات    الشيخ السديس يستنكر افعال الحوثيين بعد الهجوم على حقل شيبة السعودي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





منظور عبد الملك مرتاض نموذجاً
الشعريات وقضايا النص الأدبي

حظيت الشعريات في السنوات الأخيرة بعناية فائقة من قبل الباحثين والدارسين، فأفردت لها دراسات ورسائل جامعية، وأبحاثا ضمن دراسات الأدب القديم والحديث، ومفهوم "الشعرية أو الشعريات الذي لقي اهتماماً كبيراً في الفترة المتأخرة، سواء في النقد العربي أم النقد الأجنبي، له جذور تراثية قديمة وآفاق غربية معاصرة، وهذا الاستخدام بوصفه مصدراً صناعياً لا على صيغة النسب، هو ما يعطيه طرافته وطزاجته النقدية، وإلا فالكلمة مبتذَلة وشائعة. ومنذ أرسطو كان يتحدث عن جوهر الشعر الحقيقي وما يلتبس به من المحاكاة والتخييل، واستخدمه بهذا المعنى عدد من نقاد العرب بنفس الصيغة، مثل
حازم القرطاجني (ت 684ه)، وشراح أرسطو من فلاسفة الإسلام كالفارابي وابن سينا وابن رشد.
وظهر مصطلح (poetics) في النقد الغربي الحديث كوريث شرعي للبنيوية والأسلوبية، ليردها إلى الوظيفة الشعرية في الخطاب اللغوي بعد أن تعاظم الاهتمام في المناهج السابقة (بالشفرة) اللغوية وكيف انبثقت إلى الوجود؟ أي باللغة نفسها بوصفها دالاً، لا لما تحمله من مدلولات، وهناك عدد من المصطلحات العربية التي تُرجم إليها المصطلح، مثل (الإنشائية) و(الأدبية) وغيرهما...
وتبحث الشعرية عن قوانين الخطاب الأدبي، وعن الخصائص المجردة التي تصنع فرادة العمل الأدبي؛ أي بصورة أخرى: ما الذي يجعل من الرسالة اللغوية عملاً أدبياً (شعرياً)؟ ثم أخذت معنى أوسع، لتعني ذلك الإحساس الجمالي الخاص، الناتج عن القصيدة أو عن نص أدبي؛ أي بعبارة أخرى، قدرة العمل على إيقاظ المشاعر الجمالية، وإثارة الدهشة وخلق الحسن بالمفارقة، والانزياح عن المألوف... "(يُنظر د.إبراهيم عبد المنعم إبراهيم، بحوث في الشعرية وتطبيقاتها عند المتنبي، مكتبة الآداب، القاهرة،2008م،ص:2).
إنّ البحث في مفهوم "الشعرية" قد يبدو أمراً ميسوراً؛ "إذ الظاهر أن هذا المفهوم قد قُتل درساً، وقُضي منه الوطر عند كثير من نقاد الأدب، فالباحث سيجد لا محالة مقالات متنوعة في الموضوع، وكتباً هنا وهناك تناقش المفهوم وتتفنن في عرض أصوله وامتداداته، أو طرائق اشتغاله".
وقد يسارع البعض عندما يُسأل: "ما الشعرية؟ إلى القول إنها علم الأدب، أو قوانين الخطاب الأدبي، أو إنّها نظرية عامة للأشكال الأدبية".
ولكن عند التعمّق في البحث في هذا المفهوم، سيبدو أنّ الظاهر غير الباطن، وأنّ الرائي غير السامع؛ إذ البحث في قوانين الخطاب الأدبي من السهل الممتنع، فأن تسمع به أهون من أن تراه، أو تُكابد عناء البحث فيه، فالأدب كائن متجدّد يفرض دائماً تجدد قوانينه وتحيينها، مما يجعل تفسير تلك القوانين في كل مرحلة أدبية أو في كل جنس أدبي، أمراً بالغ الصعوبة وبعيد المنال"؛ (يُنظر د.حميد حماموشي، آليات الشعرية بين التأصيل والتحديث - مقاربة تشريحية لرسائل ابن خلدون، منشورات عالم الكتب الحديث، الأردن، 2013م، ص: 11).
من خلال هذه الورقة نسعى إلى الوقوف مع واحد من الكتب المتميزة في هذا المجال، وهو كتاب "قضايا الشعريات" للناقد الدكتور عبد الملك مرتاض، الذي يكتسي أهمية خاصة، حيث تتجلى أهميته في جمعه بين النظرية والتطبيق، وفي تحليله بعمق وشمولية للكثير من قضايا الشعر المعاصرة، وتقديمه مسحاً شاملاً لمفهوم الشعريات في الفكر النقدي العربي، والفكر النقدي الغربي، كما يبحث الكتاب باستفاضة وعمق في بنية اللغة الشعرية وحيزها، والصورة الشعرية وجمالية الإيقاع.
قسّم الدكتور عبد الملك مرتاض كتابه إلى ثمانية فصول، أضاء فيها بمنهجية سليمة، وأسلوب ممتع على الكثير من القضايا الهامة، فقد خصّص الفصل الأوّل للحديث عن "مفهوم الشعريات في الفكر النقدي العربي"، ومن أبرز ما نبّه إليه في هذا الصدد أنّ النقّاد العرب في العصر الحديث يُطلقون مصطلح "الشعرية" وهم يريدون به غالباً ما يريد به النقاد الغربيون من وراء إطلاقهم مفهوم "الشعريات" التي تتفرّع وظيفتها إلى حقلين اثنين: أ. فهي تأتي بمعنى دراسة جنس الشعر من حيث هو وحدَه، أو الدّلالة على الانتماء إليه. وقد كان الشعر بمعناه المحصور هو وحده المتَّخَذَ موضوعاً للشعريّات وعنايتها، وذلك ما يُفهم من شعريّات أرسطو منذ قريبٍ من خمسة وعشرين قرناً، وقد ظلّ ذلك قائماً إلى القرن التاسع عشر، بحكم المعنى الاشتقاقيّ للشعريّات المتفرّعة عن الشّعر نفسه.
ب. كما تأتي بمعنى "النّظريّة العامّة للأعمال الأدبيّة" بعامّة، وقد يستبين هذا المفهوم من خلال عنوان المجلّة الفرنسيّة الشهيرة المتخصّصة في النّقد، وهي "شعريّات، مجلّة النظريّة والتحليل الأدبيّ"
والشعريّات بالمعنى الثاني، ومنذ القرنِ التاسعَ عشرَ، تنصرف دلالتُها المفهوميّة إلى كلّ الأجناس الأدبيّة، فتتسلّط عليها بالمعالجة الإجرائيّة، فيقترب معناها من معنى "الأدب" بمفهومه العامّ"؛ (يُنظر د.عبد الملك مرتاض، قضايا الشعريات - متابعة وتحليل لأهم قضايا الشعر المعاصرة، منشورات دار القدس العربي للنشر والتوزيع، الجزائر، 2009م، ص:17).
ومنذ القرن التاسع عشر اتسعت دلالة الشعريات المفهومية، وانفتحت على جميع الأجناس الأدبية، فاقتربت من معنى "الأدب".
وبالنسبة للنقاد العرب القدامى، فقد توقف المؤلف مع مفهوم الشعريات باستفاضة عند كل من ابن سلاّم الجمحي، والجاحظ، وابن قتيبة، وابن طباطبا، وقُدامة بن جعفر، والجرجاني، وابن رشيق القيرواني، وحازم القرطاجني.
وفي الفصل الثاني من الكتاب قدّم المؤلف متابعة شاملة ل "مفهوم الشعريات في الفكر النقدي الغربي"، وقسّمها في متابعته لها إلى منظورين: أصحاب الرؤية التقليدية الذين ينظرون إلى الشعر على أنه أنواع ثلاثة؛ ملحمي وغنائي ودرامي، وهم ينتمون إلى القرون الأولى من عصر النهضة، وتضاف إلى هذا الأمر مجموعة من الشروط الأدبية التي تتسم بالقسوة، والتي كانوا يشترطون مثولها في النسج الشعري الذي يعترفون بجماليته ورقيه. ومن أبرز هذه الشروط: رفعة اللغة وجمالها وأناقتها، والاستعانة بأضرب الاستعارة والمجاز لتحسين النسج الشعري.
أما أصحاب الرؤية الحداثية، وهم النقاد الجدد الذين برزوا مع انطلاقة منتصف القرن التاسع عشر، فهم يذهبون في تقييمهم للرؤى المقدمة من قبل النقاد القدامى، إلى أنها غير لائقة بتقاليد العصر التكنولوجي، ومن بين الذين ناقشوا هذا الأمر: أندري جيد (1869-1951م)، الذي تساءل: أ تريدون تعريفاً جيداً للشعر؟ إني لا أرى تعريفاً سليماً غير الذي يأتي: وهو أن الشعر يعمل على المضيّ نحو السطر قبل نهاية الجملة.
ويُعتبر جان كوهن من أفضل النقاد الفرنسيين الذين تناولوا الشعريات في أدق تفاصيلها، مركّزاً على الجوانب الإيقاعية والدلالية، ومن ثم الجمالية، التي تتجلى في وضوح الرؤية، ودقة التعبير، وصرامة المنهج.
كما أرجع جان كوهن التحولات الكبرى التي عرفتها الشعريات، إلى الرومانسية؛ كونها نقلت مسار الشعر من العلة التي كانت الكلاسيكية تعلل بها الأشياء التي تُخضعها لمنطق العقل، إلى فعل التلقي والآثار الجمالية في النفس على الوجه الطبيعي بعيداً عن العقل، فالوجدان والعاطفة هما الأساس بعد إلغاء سلطان العقل على الشاعر والقارئ.
ووفق منظور جان كوهن فاللغة الشعرية تحلَّل في مستويين اثنين: مستوى صوتي، ومستوى دلالي، والشعر يتعارض مع النثر بسبب الخصائص الماثلة في المستويين المذكورين، ويتضح من عرض جان كوهن:
1. "إن الشعر أولاً يأتي مناقضاً للنثر، وهذا المفهوم متداوَل بين الناس منذ الأزل، وفي جميع الآداب الإنسانية، ذلك بأن الاختلاف بين النثر والشعر طبيعة لسانياتية؛ أي شكلية.
2. إنّ من أهم ما يميز بين الشعر والنثر هو المستوى الصوتي، بحيث يتميز الشعر بالقعقعة الصوتية المتجسدة في تماثل الميزان العروضي، وفي القافية، وفي استثمار كل الخصائص الصوتية الأخرى.
3. إنّ الجمهور بحكم أنه تعوّد على شكل من النسج اللغوي موروث، قد فتح عينيه عليه منذ العصور الموغلة في القدم، بحكم بشعرية هذا النسج، أو عدم شعريته، انطلاقاً من هذا المعيار المأثور الذي يقوم على مستويين اثنين، ولا يحاول أن يجاوز ذلك إلى ما خلفهما من الآفاق والحدود، فإنّما البحث في ذلك لا يعني إلاّ النقّاد المتخصّصين والشعراء المبدعين" (د.عبد الملك مرتاض: قضايا الشعريات، ص:74).
أما سارتر (1905-1980م) فقد كان يرى أنه لا أحد أجمل قولاً من مالارمي، وفي نظره أن الشعر هو محاولة سحرية لتكوّنه، ولكن عن طريق التلاشي المرتعش للفظ، وذلك بمزايدة الشاعر على عجزه التعبيري حينما يجعل الألفاظ مجنونة، فالغاية الكبرى - كما يرى سارتر - منذ مالارمي إلى السرياليين هي التدمير الذاتي الذي يتسلط على اللغة.
ومن أبرز الذين ركزوا على اللغة الشعرية "ميكائيل ريفاتير"، الذي ذهب في تحديده لها إلى أنها تختلف كل الاختلاف عن الاستعمال اللساني المشترك، وهو ما يعرفه عامة القراء إلماماً بالفطرة، وقد ركز تركيزاً منهجياً على مفهوم اللغة الشعرية، وأشار إلى أن الشعر الرفيع في مختلف الأزمنة والأمكنة وفي جميع الآداب الإنسانية، لا يرغب في البوح بما يريد أن يقول، وعلى القارئ أن يبحث عن الدلالة الحقيقية بعيداً عن المقاصد القريبة.
وتطرّق المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب إلى الكثير من القضايا الفكرية والفلسفية التي ترتبط ب"الوظيفة الاجتماعية والجمالية للشعر"، فتوقّف مع وظيفة اللغة الشعرية، التي تتميّز بتعددية وظائفها الدلالية، وعرض مجموعة من المفاهيم المتنوعة التي ترتبط بالوظيفة الشعرية، وتساءل في هذا الصدد: "هل نعود بالشعر إلى نظرية الفن للفن، فلا يكون له أي نفع في المجتمعات الراقية من وجهة، وإلى النظرية الفلسفية الأمريكية المادية، التي لا ترى الحقيقة إلا في الشيء النافع للناس نفعاً مادياً فعلاً، من وجهة أخرى؟"، وكيف يكون الشعر الجميل كذلك وهو يعبّر عن آمال الناس، ويصوّر آمالهم، ويصف شقاءهم في صدق وجمال؟ وهل يكون من حق أيّ أحد من الناس أن يحرم الشعر من أداء وظيفته الجمالية والثقافية والاجتماعية معاً؟".
يذهب المؤلف إلى أن تيوفيل كويتي فشل في تكريس نظرية الفن للفن فشلاً ذريعاً. وقد أكّد السرياليون على أنّ وظيفة الشعر ليست على شيء، وأنّها مثل الفن في تفاهتها، وفي نظرهم أنّ الوظيفة الشعرية محدودة التأثير، وهي أعجز من أن تُفضي إلى ثورة اجتماعية حقيقية.
ووفق منظور جان ريكاردو فاللغة الشعرية لم تعد مجرد وسيلة جميلة وأنيقة لتدبيج الشعر، كما كان هذا الأمر في أذهان النقاد القدامى، بل أصبحت غاية في نفسها، وهذا ما جعله يقترح ضرورة التمييز بين ميدانين اثنين مختلفين: ميدان الكتابيب الذي هو مجرد النهوض بالإعلام من خلال الكتابات العادية التي لا إبداع فيها ولا خيال، وميدان الكُتّاب، الذي هو الكتابات الأدبية الراقية.
يستمر المؤلّف في الفصل الرابع من الكتاب في تفكيك قضايا الشعريات، حيث نلفيه يسلّط الضوء على "بنية اللغة الشعرية"، ويتوقّف بالتحليل والنقاش مع شعرية اللغة، وانحرافية اللغة الشعرية وانزياحها الذي له عدة أنواع، أهمها: الانزياح البلاغي، والانزياح النحوي، والانزياح الوصفي، والانزياح الأسلوبي، فالانزياح كما يعرّفه المؤلف هو الصفة الأسلوبية التي تجعل لغة كاتب من الكتّاب ذات خصوصية في إطار النظام العام للسان الذي تنتمي إليه اللغة، فقد جاء الانزياح ليكرس ثقافة التغيير الأسلوبي، وما يحدث فيه من انحراف مفاجئ لم يكن المتلقي ينتظر وقوعه.
في الفصل الخامس من الكتاب، تحدّث المؤلف عن "حيز اللغة الشعرية" الذي مايزال الإشكال قائماً بشأنه، نظراً لعدم الإجماع عليه في الاستعمال السيميائي العربي المعاصر. ومن بين المصطلحات التي يستعملها النقاد العرب الجدد مصطلح "الفضاء"، الذي يرى الدكتور عبد الملك مرتاض أنّه غير دقيق، وهو يتّخذ في اللغة العربية مفهوم الجو الخارجي. أما معنى "الحيز" فيشمل الخلاء والامتلاء مع بعضهما، كما أن مصطلح "الفضاء" لا يستطيع أن يؤدي كل ما ينصرف إليه في الدراسات التحليلية التي تتعلق بالأعمال السردية والشعرية.
وفي الفصل السادس حلّل المؤلف باستفاضة، جملة من الإشكاليات التي تتصل ب "جمالية الإيقاع وأثرها في تذوق الشعر"، وطرح مجموعة من التساؤلات المنهجية مثل: "أليس الذوق هو مجرد معنى منعزل إذا لم يتم له معنى التذوق الذي يبعث فيه التوهج والفعل والحياء؟". وقد ذكّر المؤلف بأفكار رومان ياكبسون التي قدمها في دراسته لقضايا الشعريات، فقد لاحظ أن النص الأدبي يختلف عن غيره من النصوص بمقدار ما يشتمل عليه، أو ما لا يشتمل عليه من أدبية، وتساءل المؤلف عن كيفية تذوّق الشعر".
وذهب في إجابته على هذا السؤال إلى أنّ اللغة التي يتذوق بها المتلقي الشعر لا ينبغي أن تكون من اللغة المصطنعة في الجرائد، وإنّما المقصود بها اللغة الأدبية الرفيعة التي ترد في نسج الشعراء الكبار، فلا مناص من أن يرتفع محصول اللغة الأدبية للقارئ، فامتلاك المحصول اللغوي والأدبي يُعد من الشروط المركزية في عمليتي الفهم والتذوق معاً، فالإلمام باللغة هو مكون مركزي من مكونات الذوق، والشعر هو لعبة لغوية قبل كل شيء، والذي لا يعرف قواعد هذه اللعبة يعسر عليه فهمه، ومن ثم تذوّقه.
في الفصل السابع من الكتاب تحدّث الدكتور عبد الملك مرتاض عن "الصورة الشعرية" التي أخذت عدداً كبيراً من المعاني في الثقافة الفكرية المعاصرة، وهي خلاصة الإبداع وأنقى وأرقى ما تجود به القريحة عطاءً أدبياً رفيعاً، وهي المفهوم الذي يتجلى في أروع أدبية الأدب وشعرية شعره، وهي لا تمثّل سوى الحقيقة الشعرية، وهي ليست تشبيهاً أو استعارة أو كناية أو مجازاً على وجه الضرورة، بل كثيراً ما تظهر في انزياحات اللغة الشعرية المعاصرة، فهي ثمرة التصوير الفني لفكرة أو عاطفة بوساطة اللغة الشعرية. وكما يرى المؤلف، "فالصورة الفنية أو الشعرية ليست نظرية مفهومية يتأسس عليها مذهب فني، ولكنها إجراء تذوقي؛ بحيث تتمثل في كل النصوص الأدبية المزدانة بالتصوير البديع، فكما أن الذوق هو ملكة تحصل للمتلقي في تذوق جمال الكلام، فإنّ الصورة الفنية تقع في الذهن المتلقي، والمتصور للنص المتلقي، فيقع تمثل أطوارها التي تتجلى في شبكة النص الشعري الرفيع، فتوسّع من دائرة التذوق، وتصقل ملكة التفهم".
أمّا الفصل الأخير من الكتاب فقد جعله المؤلف للحديث عن "قصيدة النثر أو اللاشعر بين إشكالية الماهية والبحث عن التجنيس"، وقد عبّر عن رأيه في هذا النوع من الكتابة، بأنّها ليست عبارة عن تطوير للقصيدة العربية، كما أنّها ليست شعراً، بل هي وفق منظوره "محاولة نثرية بدائية، وربما ساذجة للتعلق بالشعرية الضائعة، من خلال العمل باللغة والاشتغال بالتصوير".
وفي الختام بقي أن نقول إن كتاب "قضايا الشعريات" يُعدّ واحداً من أهم الكتب التي جمعت في دراستها للشعريات بين الأصالة والمعاصرة، حيث ناقش المؤلف باستفاضة قضايا الشعريات في الفكر النقدي القديم والحديث، فالشعريات موضوع شديد البروز، وقد تناثرت إشكالياته وأسئلته في بطون المصادر والمراجع، ووقف عدد كبير من الدارسين أمامه. واختيار الدكتور عبد الملك مرتاض لدراسة قضايا الشعريات بأبعادها المتشعبة، يُعدّ خطوة جريئة وشجاعة، بذل من خلالها جهداً كبيراً، وتطلّبت منه الدأب والصبر والروية. وقد انتهت تلك الجهود إلى تقديم خدمة جليلة للباحثين في ميدان الشعريات وقضاياها المعرفية؛ فهذا الكتاب يُعتبر فتحاً جديداً في هذا المجال؛ فقد جاءت دراسة الدكتور مرتاض غنية في أفكارها، وسلسة في أسلوبها، وجديدة في مضامينها، فالمسائل التي أجلت عنها الغموض جعلتها دعامة لأبحاث لاحقة، وفيها يلفي الباحث ما يُشبع فضوله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.