الجزائر تحتفل بالذكرى السبعين لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين    وزير الطاقة يترأس اجتماعاً لمتابعة المشاريع الإستراتيجية للقطاع وتعزيز الأمن الطاقوي    رئيس المجلس الشعبي الوطني يستقبل سفير سلوفاكيا لتطوير التعاون البرلماني والاقتصادي    القرارات النهائية ستُعلن في الوقت المناسب : شباب بلوزداد يستدعي سعد راموفيتش للمجلس التأديبي    رد حاسم من باستيا على شبيبة القبائل في قضية مهدي مرغم    كأس العالم 2026 للجمباز الفني: كايليا نمور تتوج بالميدالية الفضية في عارضة التوازن    جريدة "هيرالد" الأمريكية : الجزائر وجهة سياحية جذابة وكنز حقيقي    النكهة الأصيلة للمطبخ الجزائري    محارم المرأة بالعدّ والتحديد    هذه علامات حسن الخاتمة..    يوم تصرخ الحجارة كالنساء    انطلاق حجز تذاكر موسم الاصطياف 2026 للنقل البحري    فتح باب الترشح لجائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة العربية في طبعتها الثانية لسنة 2026    إطلاق مشروع متحف المجاهد ببومرداس في 2026 لحفظ ذاكرة الثورة    المطواعية العالمية للولايات المتحدة في عصر المركنتيلية الرقمية    استئناف الإنتاج بمصنع تحلية مياه البحر بالرأس الأبيض بوهران بعد توقف احترازي    "مائدة المدينة المنورة" ترياق للإنسانية المنهكة    اجتماع تنسيقي لمتابعة التحضيرات الإدارية لموسم الحج 1447ه/2026م    فتح الرحلات الجوية لموسم حج 1447ه/2026م عبر البوابة الجزائرية للحج وتطبيق "ركب الحجيج"    الديناميكية الجديدة التي تطبع علاقات الجزائر مع الدول الإفريقية    تأميم المحروقات كان حدثًا تاريخيًا بالنسبة للدولة الجزائرية    تفكيك شبكة إجرامية متورطة في سرقة المواشي    الكشف عن ورشة سرية لإعادة تدوير مواد تجميل    تدعم القطاع بجهاز لتأمين شعبة الحبوب في المرحلة الأولى    يجب أن يتعدى إلى إعداد جيل يحمل قيم الوسطية والاعتدال    نحو تقييم موضوعي لأداء المقاومة الفلسطينية في طوفان الأقصى ج4    الجزائر تحصي 233 وحدة إنتاج و100 مشروع جديد قيد الإنجاز    دبلوماسية التأثير للجزائر تجسدها مصداقية الميدان    بلمهدي: أفردنا فضاءات متعدّدة للفتوى    السيتي يُهنّئ محرز    حساني: نحن أمام تحد كبير    سلطة الضبط تُنبّه القنوات الفضائية    دعوة إلى إنهاء الاحتلال المغربي للصحراء الغربية    أسماك "الدوراد" و''التيلابيا " تزيّن موائد رمضان    عليكم بالموازنة بين الأكل والنشاط البدني    57436 عائلة معوزّة استفادت من إعانة رمضان    عبادة وطقوس تحفظ عبق الذاكرة    برنامج تكويني مكثف للقضاة وموظفي العدالة    مناقشة النصين المتعلقين بالأحزاب السياسية والتنظيم الإقليمي    استلام 338 حافلة بميناء الجزائر و97 بميناء جن جن    "وقائع زمن الحصار" أحسن فيلم في"أفاق" مهرجان برلين    لقاء تكويني للمرشدين السياحيين    اقتراح خارطة طريق توازن بين أصالة التراث ومتطلبات العصرنة    زروقي آخر المصابين ويخلط أوراق بيتكوفيتش    ماندي يتحدث عن أزمة نادي ليل ويدعم مدربه    اعتراف فرنسي بإمكانات الجزائري إيلان قبال    فتح التسجيل للمشاركة في"غلوبال أفريكا تاك 2026"    فلسطينيو الضفة في مواجهة الحملات الصهيونية    ردود فعل عربية وإسلامية رافضة لتصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان    انطلاق مسابقة تاج القرآن الكريم    من أقوال السلف في الصيام    صلة الأرحام تزيد الثواب في رمضان    انطلاق مهرجان الأنشودة الدينية للشباب    في أدق مراحل النضال الفلسطيني!    الرائد يسقط بوهران وشباب قسنطينة يعزّز الوصافة    ارتياح واسع بغرب البلاد بعد فتح ملحقة جهوية للتصديق على الوثائق الموجهة للاستعمال في الخارج    انطلاق أشغال اللجنة المكلّفة بدراسة الترشحات    التوعية للحد من استعمال المضادات الحيوية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من خزينة للدولة إلى سيف على رقاب الشعب
المخزن ركيزة النظام المغربي على مر العصور
نشر في المساء يوم 26 - 01 - 2021

أضحى لكلمة "المخزن" في الوقت الراهن، انعكاس سلبي على ذهنية المواطن المغربي، لارتباطها بالقمع الذي تمارسه السلطة على الشعب، من خلال التضييق على الحريات، وفرض الضرائب، وممارسة كافة أشكال التعذيب النفسي والجسدي، فبعد أن كانت الوظيفة الأساسية للمخزن في السنين الغابرة تنحصر بشكل إيجابي في توفير الزاد من الحبوب، وتخزينه لأيام الحاجة والعوز، تحوّل اليوم إلى جهاز بوليسي يتربص بمعارضيه لسياسته في الداخل والخارج، ونهب ثروات الشعب وتجويعه.
"المخزن" كمصطلح يعود إلى العهد الموحدي، استعمل للدلالة على أجهزة الدولة بكل مكوناتها، حيث كانت تتولى إدارة المخازن الخاصة بالحبوب والمنتوجات الفلاحية عموما، لحفظها من التلف وتوفيرها لأيام الجفاف وأثناء الحروب والصراعات القبلية. وقبل ذلك، فإن مصطلح "المخزن" كمفهوم مرتبط بالسلطة السياسية، عبارة عن ثقافة زراعية استمدها العرب من الوحي الرباني ليوسف عليه الصلاة والسلام، عندما أوكلت له مسؤولية إدارة مخازن مصر وتنظيم الاقتصاد لمواجهة الأيام العجاف التي مرت بها. تعود جذور جهاز المخزن في المغرب لعقود طويلة من الزمن، حيث استعمل هذا المصطلح رسميا في عهد إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقيا (800-812م)، وارتبط هذا التعريف في البداية، بتحصيل المال، سواء نقدا أو عينا، فضلا عن تخزين المنتوجات الفلاحية الأخرى.
لتجميع هذا المال، لابد من إيجاد المصدر، الذي هو الشعب، عبر استخلاص الضرائب والمكوس والجبايات. ويرافق عملية التحصيل هذه، عدد من القوانين والضوابط التي يشرف على تنفيذها جهاز يستعمل القوة والردع، والذي رسخ فيما بعد ثوابت داعمة للسلطة والسلطان، ومن ثمة خلْقُ جدار سميك بين الحاكم والمحكوم.
التكيف مع مختلف الأوضاع لضمان استمرارية الحكم
بعيدا عن هذا التعريف اللغوي البسيط، فإن المعنى الاصطلاحي الجامع يدل على نظام متفرّد في الحكم، تصاحبه طقوس خاصة تم التأسيس لها عبر قرون خلت من عمر المغرب المعاصر، حيث أضحى بإمكان النظام التكيف مع أي وضع جديد لضمان استمراريته، ويذكر التاريخ العديد من مآسي الحكم، التي جعلت الصراع يحتدم بين الأشقاء والآباء والأبناء، لدرجة الاقتتال بسبب السلطة والمال، دون مراعاة مصالح البلاد.
فقد ظل المخزن، ولا زال، بعيدا عن قضايا الشعب، تتحكم في ممارساته المقاربة الأمنية والخوف من ردة فعل الأهالي والقبائل. وأمام هذا التسلط، تولدت لدى المغاربة روح الانتقام من المخزن ورجالاته، كلما سنحت الفرصة، حيث مازالت الذاكرة الشعبية تختزن إلى غاية اليوم الكثير من المآسي، مثل هزيمة "إيسلي" سنة 1844، وهي المعركة التي قامت بالقرب من مدينة وجدة بين جيوش المغرب وفرنسا، بسبب مساعدة السلطان المغربي المولى عبد الرحمن للمقاومة الجزائرية ضد فرنسا، واحتضانه للأمير عبد القادر، الأمر الذي دفع بالفرنسيين إلى مهاجمة المغرب عن طريق ضرب ميناء طنجة، حيث أسقطت ما يزيد عن 155 قتيل، وانتهت المعركة بانتصار الفرنسيين الذين فرضوا بالاستعانة بالمخزن شروطا قاسية على الأهالي، منها الاستيلاء على بعض الأراضي وفرض غرامات مالية، ومنع تقديم الدعم للجزائر. يرى الصحفي الإسباني اقناسيو راموني، أن المخزن استعان بالسيف والقلم، وتحول إلى ركيزة سياسية وإدارية يتكئ عليها النظام المغربي، من خلال ترسيخ طقوس معينة للتحكم في النخبة السياسية التي يشكل الملك محورها.
يمكن توزيع المخزن إلى جماعات ثلاث مختلفة، بناء على حجمها وقوة نفوذها، فالجماعة الضيقة لا تتجاوز شخصين أو ثلاثة أشخاص (وزير أو حاجب)، حيث توكل لهم مهمة تسيير الدولة داخليا وخارجيا، ويظفر بهذا المنصب أصحاب النفوذ والأوفياء للأمير، ومن لا يشكل خطرا على السلطة. أما الجماعة الثانية، فتتكون من الذين يتولون الترويج لسياسة الدولة بين الناس، وترجمتها إلى لغة رسمية مضبوطة، وهم الكتاب في الدواوين، في حين تتمثل الجماعة الثالثة في تلك التي تتولى تنفيذ الأوامر وإعداد الوسائل المالية والعسكرية، وهي مكوّنة في الغالب من أصحاب الأعمال، حيث كانت مسؤوليتهم مزدوجة، جبائية وعسكرية. فالمسؤولية العسكرية تقتضي استخلاص الضرائب والجبايات على شكل عشور، تؤخذ عينا لتمويل "حركات" الجيش، كما أن هذا التقسيم اجتماعي أكثر منه قانوني، فالسلطة يتم ممارستها وفق شروط ثلاثة تحدد هوية المخزن، وهي الوزارة التي تخطط، الكتابة التي تحرر وتعلن، وأخيرا تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
هكذا ابتعد المخزن عن المجتمع وجمع حوله مجموعات معينة، أهمها الموالي، ثم الأعراب الهلاليون والمهاجرون الأندلسيون، وهي المجموعات التي أوكل لها مهمة، الجباية والجيش والإدارة. حيث تخصص الهلاليون في أمور الجيش والسيف، فيما تولى الأندلسيون المهاجرون تدبير الشأن الإداري. على مر السنين، نجح المخزن في الحفاظ على كيانه وضمان استمراره مع تعاقب "الدويلات"، مروجا لثقافة وأفكار تغلغلت في نفوس المغاربة عبر أجيال متتالية لدرجة الخنوع، مما أفرز عقلية تزاوج بين التمرد والانضباط. فقد وقف المغرب بنظامه المخزني ضد موجات التغيير العاتية، والانتفاضات التي عرفها طوال سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات، وهو الذي كان قبل ذلك وفيا للاستعمار الفرنسي، الذي استعان برجالات المخزن لتنفيذ مخططاته في البلاد بأريحية كاملة، والذين مازالوا إلى غاية اليوم يحافظون ويدافعون عن مصالحه الاستراتيجية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.